من يملك قواعد اللعبة؟ الانتخابات الأميركية واختبار السلطة أمام احتمال خسارتها

أخطر ما في الانتخابات الأميركية المقبلة في الثالث من تشرين الثاني أن الصراع على أصوات الناس بدأ قبل أن يصل كثير منهم إلى صناديق الاقتراع. ففي كاليفورنيا، حاولت إدارة ترامب منع احتساب بطاقات انتخابية مرتبطة بقائمة تضم أكثر من عشرين ألف اسم، بدعوى وجود شكوك حول أهلية أصحابها للتصويت، قبل أن يرفض القضاء طلبها العاجل. هذه التفاصيل تستحق اهتمامًا أكبر من استطلاعات الرأي وصخب الحملات الانتخابية؛ لأن الديمقراطية تتعرض لاختبار حقيقي حين تصبح السلطة طرفًا في تحديد الأصوات التي ينبغي احتسابها. والمفارقة أن المواطن الأميركي المنشغل بأسعار الوقود والغذاء والسكن يجد نفسه وسط معركة أكبر حول حدود سلطة الرئيس، ومن يملك حق تقرير قواعد المنافسة السياسية. وربما تكون خطورة ما يجري كامنة في اعتيادية المشهد نفسه؛ فالإجراءات الإدارية التي تبدو بعيدة عن الاهتمام الشعبي، مثل تدقيق سجلات الناخبين والتحقق من أهليتهم، يمكن أن تتحول في لحظة سياسية شديدة الاستقطاب إلى مسائل تحدد مستقبل السلطة. وهنا يصبح السؤال عن سلامة الإجراءات مرتبطًا بسؤال أعمق عن الجهة التي تملك تفسير القانون، والتوقيت الذي تختاره لتطبيقه، والضمانات التي تمنع توظيفه لخدمة مصالح سياسية آنية.
تكتسب قضية كاليفورنيا أهميتها من طبيعة الخلاف القانوني الذي أثارته. فقد استندت وزارة العدل الأميركية إلى ادعاءات بوجود أشخاص يُحتمل أنهم غير مواطنين ضمن سجلات الناخبين، بينما اعترض مسؤولو الولاية على موثوقية القائمة والأدلة المستخدمة لإعدادها. وفي الثامن والعشرين من تشرين الأول، رفض القاضي الفيدرالي ديفيد كارتر الطلب العاجل، محذرًا من أن التدخل في إجراءات انتخابية بدأت بالفعل قد يتسبب في اضطراب واسع ويحرم مواطنين مؤهلين من ممارسة حقهم. وبطبيعة الحال، فإن حماية نزاهة الانتخابات تتطلب التحقق من أهلية المصوتين ومنع المخالفات، مثلما تتطلب حماية المواطنين من الاستبعاد استنادًا إلى بيانات غير دقيقة. لكن الإشكالية تظهر عندما يصبح التحقق من الأهلية إجراءً جماعيًا متأخرًا، وتتحمل فئات من الناخبين تبعات شكوك تحتاج إلى إثبات فردي وقانوني. ففي هذه الحالة، يمتد أثر القرار من الأشخاص المعنيين إلى الثقة العامة بالعملية الانتخابية، خصوصًا عندما يصدر الطلب عن إدارة تملك مصلحة سياسية مباشرة في نتائج المنافسة.
والأكثر إثارة للاهتمام أن هذا النزاع يكشف جانبًا بالغ الحساسية في بنية النظام الأميركي نفسه. فالإدارة الانتخابية موزعة بصورة واسعة بين الولايات والسلطات المحلية، ضمن إطار دستوري وقانوني يحدد أدوار المؤسسات الفيدرالية. وقد نشأ هذا التوزيع تاريخيًا بوصفه جزءًا من التوازن بين مستويات الحكم، لكنه يتحول في أوقات الاستقطاب إلى ساحة صراع حول الاختصاصات وحدود التدخل. ولذلك فإن الخلاف بين واشنطن وكاليفورنيا يتجاوز مسألة عشرين ألف اسم، ويمتد إلى العلاقة بين السلطة التنفيذية والحكومات المحلية والقضاء، وإلى قدرة كل مؤسسة على ممارسة صلاحياتها بعيدًا عن الضغوط السياسية. والمقلق هنا هو احتمال أن تتحول المنازعات الإجرائية المتكررة إلى وسيلة لإضعاف ثقة المواطنين بالنتائج قبل إعلانها، بحيث يجد الخاسرون لاحقًا أرضية جاهزة للتشكيك، ويضطر الفائزون إلى الدفاع عن شرعية انتصارهم حتى بعد استكمال الإجراءات القانونية.
أعتقد أن السؤال الأهم في هذه الانتخابات يتجاوز قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بالكونغرس أو نجاح الديمقراطيين في انتزاع أغلبيته. المسألة تتعلق بما إذا كانت المؤسسات الأميركية قادرة على تقييد الرئيس حين تتعارض مصالحه السياسية مع استقلالها. وربما هنا تكمن المفارقة الأعمق في التجربة الأميركية: يمكن لدولة أن تمتلك أقوى جيش في العالم، وأن تؤثر في مصائر شعوب تبعد عنها آلاف الكيلومترات، ثم تجد نفسها أمام سؤال داخلي شديد البساطة: هل تستطيع السلطة أن تتقبل احتمال خسارتها؟ فالديمقراطية تُختبر حين تكون لدى الحاكم القدرة على التأثير في قواعد اللعبة، وتكون لديه في الوقت نفسه أسباب قوية للخوف من نتائجها. والاختبار هنا يشمل المؤسسات التي يُفترض أن تحول دون امتداد المصالح السياسية إلى تطبيق القانون، ويشمل أيضًا المجتمع الذي يتعين عليه التمييز بين الاعتراض المشروع على مخالفات انتخابية مثبتة وبين تحويل الشكوك إلى أحكام عامة تمس شرعية العملية بأكملها.
لقد كشفت التجربة الأميركية، خصوصًا منذ انتخابات عام 2020، عن هشاشة بعض التفاهمات السياسية التي استند إليها الاستقرار المؤسسي لعقود. فالقواعد الدستورية وحدها تحتاج إلى ثقافة سياسية تعترف بحق المنافس في الوصول إلى السلطة، وتمنح الأحكام القضائية والإجراءات المستقلة مكانتها حتى عندما تأتي نتائجها مخالفة لرغبات الحاكم. وقد تستطيع المحاكم وقف إجراء معين أو إبطال قرار يتعارض مع القانون، لكنها تواجه مهمة أشد تعقيدًا عندما تصبح الثقة العامة بالمؤسسات نفسها موضع نزاع دائم. فكل معركة قضائية حول الانتخابات تحمل أثرًا مزدوجًا؛ إذ يمكن أن تؤكد قدرة النظام على تصحيح التجاوزات، ويمكن أن تتحول كذلك إلى مادة جديدة في خطاب التشكيك المتبادل، بحسب الطريقة التي تتعامل بها القوى السياسية مع الأحكام ونتائجها. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين فاعلية الضوابط القانونية وقدرتها الطويلة الأمد على الحفاظ على قبول المجتمع بقواعد المنافسة.
ولعل ما يجعل هذه المسألة أبعد أثرًا من حدود الولايات المتحدة أن السياسة الأميركية الداخلية تنعكس على العالم بصورة مباشرة. فالدولة التي تتخذ قرارات الحرب والسلام، وتقود تحالفات عسكرية واقتصادية واسعة، تحتاج هي نفسها إلى قدر من الاستقرار المؤسسي يمنح قراراتها الاستمرارية والمصداقية. وعندما تصبح قواعد انتقال السلطة موضع نزاع متكرر، يمتد القلق إلى قدرة النظام السياسي على إنتاج قرارات مستقرة يمكن للشركاء والخصوم التعامل معها. ومع ذلك، فإن وجود النزاعات القضائية واستمرار المؤسسات في الفصل فيها يقدمان مؤشرًا آخر على حيوية الضوابط الدستورية وقدرتها على العمل وسط الخلافات الحادة. وستكشف الأيام المقبلة طبيعة العلاقة بين هذين الاتجاهين: الضغوط السياسية المتزايدة على المؤسسات، وقدرتها على الاحتفاظ باستقلالها وفاعليتها.
لهذا تبدو انتخابات الثالث من تشرين الثاني مناسبة للتفكير في معنى القوة السياسية وحدودها. ففي واشنطن يُقاس النفوذ عادة بحجم الأغلبية في الكونغرس، وبقدرة الرئيس على تمرير سياساته، وباتساع سلطاته التنفيذية. أما المقياس الأكثر عمقًا فيرتبط بمدى استعداد أصحاب السلطة للخضوع للقواعد التي قد تفضي إلى خسارتهم. وربما تكون هذه هي المفارقة التي تستحق التأمل في التجربة الأميركية: أن تمتلك الدولة قدرة هائلة على فرض إرادتها خارج حدودها، بينما يعتمد استقرار نظامها السياسي في الداخل على قبول أصحاب السلطة بأن إرادتهم نفسها تظل مقيدة بالقانون وبأصوات المواطنين. وفي النهاية، قد تكون أصعب لحظة في حياة أي سلطة هي اللحظة التي تكتشف فيها أن بقاء قواعد المنافسة أهم من بقائها هي في الحكم.