تحولات العقيدة الأمنية الإسرائيلية: بين قراءة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ووثيقة نتنياهو
تلي هذه القراءة الترجمة العربية الكاملة لورقة تمير هايمان، "مفهوم الأمن القومي "الجديد": بلورة المفهوم وأسئلة للنقاش"، ووثيقة نتنياهو حول الأمن القومي الاسرائيلي. وقد حافظت الترجمة على بنية النص الأصلي، مع الفصل بين مواقف الكاتب والتحليل الوارد في هذا التقديم.

أحمد القضاة وعلي حجازي
- تشهد العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحولًا يتجاوز مراجعة الأدوات العسكرية إلى إعادة تعريف وظيفة القوة وحدود الأمن وعلاقته بالهوية الوطنية، وهو تحول تبلور في الممارسة بعد السابع من أكتوبر 2023، قبل أن يجد بعض مبادئه تعبيرًا معلنًا في وثيقة نتنياهو لعام 2026.
- ينتقل مركز الثقل في التفكير الأمني الإسرائيلي من إدارة التهديدات وردع الخصوم إلى منع تشكّل الأخطار المحتملة، عبر توسيع نطاق المبادأة الهجومية والعمليات الوقائية، مع استمرار الردع والإنذار المبكر ضمن الأدوات الأساسية للأمن القومي.
- يعيد مفهوم الدفاع المتقدم صياغة العلاقة بين الحدود والقوة العسكرية، إذ تصبح التقديرات الأمنية أساسًا لتوسيع المجال الدفاعي خارج الحدود المعترف بها، بما قد يحوّل المناطق العازلة إلى مصدر دائم للاحتكاك والتصعيد.
- تكشف المقارنة بين هايمان ونتنياهو ووثائق معهد دراسات الأمن القومي عن اختلافات داخل النخبة الأمنية الإسرائيلية بشأن مصادر الأمن وحدود استخدام القوة، خصوصًا في العلاقة بين التفوق العسكري والتسوية السياسية، وبين المبادأة الهجومية والاستقرار الإقليمي.
- تكتسب القضية الفلسطينية موقعًا محوريًا في التحول الأمني الإسرائيلي، إذ يؤدي تراجع الاعتراف بخصوصيتها الوطنية وتوسيع الاستيطان إلى ترسيخ منطق السيطرة على الأرض وإدارة السكان، مقابل تضييق المجال المتاح للتسوية السياسية القائمة على الحقوق والسيادة.
- ينطوي التعامل مع ضعف الدول العربية بوصفه فرصة استراتيجية على مفارقة أمنية عميقة، فقد يوفر التفكك الإقليمي مكاسب عسكرية قصيرة المدى، لكنه يولّد بيئات أكثر هشاشة، ويزيد احتمالات التدخل المتكرر ويضعف فرص بناء ترتيبات أمنية مستقرة.
- يتجاوز إدراج الاستيطان والتراث والهوية اليهودية ضمن مبادئ الأمن القومي وظائفها الرمزية والسياسية، ليكشف عن تداخل متزايد بين تشكيل الهوية الوطنية وتحديد الأولويات العسكرية والجغرافية للدولة.
- يطرح السعي الإسرائيلي إلى الاستقلال التسليحي والتكنولوجي معضلة تتعلق بحدود الموارد والاستدامة، إذ تتطلب زيادة الإنفاق العسكري وتوسيع القدرات المحلية استثمارات بشرية واقتصادية ضخمة، في الوقت الذي يستمر فيه اعتماد إسرائيل على التحالفات والشبكات الدولية.
- تنعكس التحولات الأمنية الإسرائيلية مباشرة على البيئة الاستراتيجية للأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، من خلال مستقبل الضفة الغربية والمناطق العازلة والسيادة الإقليمية، واحتمال اتساع الفجوة بين الاتفاقيات السياسية والممارسات الأمنية على الأرض.
- تتمثل المعضلة المركزية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية الناشئة في احتمال تحوّل التفوق العسكري من وسيلة لتحقيق الأمن إلى مصدر لتوسع استراتيجي يصعب ضبطه، فكلما اتسع المجال الذي تسعى إسرائيل إلى السيطرة عليه باسم الأمن، ازدادت الالتزامات والتهديدات والصراعات التي يتعين عليها إدارتها.
في الحروب الممتدة، تتغير العقائد الأمنية أحيانًا قبل أن تعلن الدول رسميًا عن تغيرها. تتراكم القرارات العسكرية، وتتسع حدود استخدام القوة، وتتحول الإجراءات التي فرضتها ظروف استثنائية إلى قواعد مستقرة في إدارة الأمن. وعندما يبلغ هذا التحول مستوى إعادة تعريف العلاقة بين الحرب والسلام، وبين الحدود والسيادة، وبين الهوية الوطنية ومصادر القوة، تصبح المسألة أعمق من مراجعة استراتيجية عسكرية. إنها تتصل بطبيعة الدولة نفسها، وبالصورة التي تسعى إلى فرضها على محيطها الإقليمي.
تتيح هذه المسألة مدخلًا لقراءة الورقة التي نشرها اللواء المتقاعد تمير هايمان، مدير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعنوان “مفهوم الأمن القومي “الجديد”: بلورة المفهوم وأسئلة للنقاش”. يحاول هايمان تحديد المبادئ التي باتت تحكم الممارسة الأمنية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، انطلاقًا من فرضية مفادها أن إسرائيل تشهد تحولًا في مفهوم أمنها القومي، انطلاقًا من فرضية مفادها أن إسرائيل تشهد تحولًا في مفهوم أمنها القومي، كانت مبادئه تتشكل من خلال الممارسة الأمنية قبل أن يصدر نتنياهو تصوره المعلن في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
وتضيف وثيقة “مفهوم الأمن القومي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو”، التي أعلنها مكتب نتنياهو في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قبل تسعة أيام من انتخابات الكنيست المقررة في27 من الشهر نفسه، مستوى آخر إلى هذا النقاش. فهي تعرض مبادئ معلنة تتيح مقارنة الاتجاهات التي يستخلصها هايمان من الممارسة بالتوجهات التي يقدمها نتنياهو بوصفها تحديثًا للتصور الأمني. وتكشف القراءة المشتركة تقاطعًا في أولوية المنع والمبادأة الهجومية وتوسيع أدوات الدفاع، مع اختلاف في طبيعة النصين وحدود ما يمكن استنتاجه منهما.
وتنبع أهمية الورقة من الموقع المؤسسي لكاتبها، الذي تولى رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” بين عامي 2018 و2021، ومن طبيعة الجدل الذي تثيره داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فالورقة تتناول التغير في وظيفة القوة العسكرية، وحدود المجال الأمني الإسرائيلي، ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين والدول العربية والولايات المتحدة، وصولًا إلى السؤال الأكثر جوهرية الذي يطرحه هايمان: أي دولة تريد إسرائيل أن تكون بعد السابع من أكتوبر؟
المعهد وسياق النقاش الأمني الإسرائيلي
تأسس معهد دراسات الأمن القومي بصيغته الحالية عام 2006، امتدادًا لمركز الدراسات الاستراتيجية الذي أنشأته جامعة تل أبيب عام 1978، في أعقاب حرب أكتوبر 1973 وما كشفت عنه من إخفاقات في التقدير الاستخباراتي والافتراضات التي حكمت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وأصبح المركز لاحقًا يُعرف باسم “مركز يافه للدراسات الاستراتيجية”، قبل أن يتحول إلى معهد دراسات الأمن القومي. ويعمل المعهد بوصفه مؤسسة بحثية مستقلة ذات توجه سياساتي، تجمع بين البحث الأكاديمي والخبرة العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية، وتسعى إلى التأثير في النقاشات والقرارات المتعلقة بالأمن القومي الإسرائيلي.
وتستحق هذه النشأة التوقف عندها؛ إذ ظهر المركز في الأصل استجابةً لأزمة في المفاهيم الأمنية أعقبت حرب 1973، بينما يعود اليوم إلى مواجهة أسئلة مشابهة بعد إخفاق السابع من أكتوبر 2023. وفي الحالتين، تحتل العلاقة بين الافتراضات الاستخباراتية والعقيدة العسكرية والقرار السياسي موقعًا محوريًا. غير أن النقاش الراهن يتسع ليشمل طبيعة الدولة وهويتها، وحدود الحرب بوصفها وسيلة لتحقيق الأمن.
وتكتسب ورقة هايمان دلالة إضافية عند قراءتها في سياق تطور النقاش الاستراتيجي داخل المعهد نفسه، الذي أصدر في آذار/مارس 2025 وثيقةً حول عقيدة الأمن القومي وتوجهات السياسة لعامي 2025–2026، شارك هايمان في إعدادها، وقدمت تصورًا يقوم على الجمع بين القوة العسكرية والشراكات الإقليمية والدولية، والحفاظ على حدود معترف بها، وتعزيز الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة. وفي آب/أغسطس 2026، نشر الباحث عوفر شيلح، المسؤول عن برنامج سياسة الأمن القومي في المعهد، دراسة تنتقد منطق الاستراتيجية الأمنية الجديدة وما قد تفرضه من حرب مستمرة وأعباء اقتصادية وعسكرية وسياسية.
ضمن هذا السياق، تمثل ورقة هايمان محاولة لبلورة طبيعة التحول الجاري وإخضاعه للنقاش. ويكشف التتابع بين هذه النصوص عن وجود خلافات فكرية داخل الأوساط البحثية الأمنية الإسرائيلية بشأن مصادر الأمن وحدود استخدام القوة، وبشأن العلاقة بين التفوق العسكري والاستقرار السياسي.
من إدارة التهديد إلى منع تشكّله
تقوم القراءة التي يقدمها هايمان على عشرة مبادئ يستخلصها من الممارسة الإسرائيلية الراهنة، وتشمل أولوية الهوية اليهودية على الاعتبارات الديمقراطية، والتعامل مع السلام باعتباره وسيلة مؤقتة، والنظر إلى ضعف الدول العربية بوصفه وضعًا يمكن توظيفه أمنيًا، واعتماد الحرب الدائمة والمبادأة الهجومية، وتوسيع الدفاع المتقدم والاستيطان، والسعي إلى استقلال استراتيجي وصناعي أكبر عن الولايات المتحدة.
ويؤكد الكاتب أن هذه المبادئ تمثل صياغة نظرية ذاتية ومتعمدة المبالغة، هدفها كشف المنطق المحتمل الكامن خلف السياسات الأمنية وإثارة النقاش بشأنه. ولهذا، تقتضي قراءة الورقة التمييز بين العقيدة المفترضة التي يعيد هايمان تركيبها، وموقفه النقدي من نتائجها، والسياسات الفعلية التي يمكن إخضاعها للتحليل والتحقق.
في تقديرنا، يتمثل التحول الأكثر أهمية في انتقال مركز الثقل من إدارة التهديدات إلى محاولة منع تشكّلها أصلًا. فقد استند التفكير الأمني الإسرائيلي التقليدي إلى الردع والإنذار المبكر والحسم العسكري، مع استخدام العمليات الوقائية والاستباقية في ظروف محددة. أما التصور الذي يناقشه هايمان، فيوسع مجال التدخل العسكري ليشمل القدرات التي قد تتحول مستقبلًا إلى تهديد، ويمنح المبادأة الهجومية أولوية مستمرة على انتظار تطور الخطر أو العمل على احتوائه.
وتتجاوز التداعيات الاستراتيجية لهذا التحول حجم القوة المستخدمة إلى توقيت استخدامها والمعايير التي تحكم اللجوء إليها. لأن الردع يقوم على التأثير في حسابات الخصم ودفعه إلى تجنب سلوك معين، في حين يوسّع المنطق الوقائي نطاق استخدام القوة ليشمل التهديدات الناشئة، ويمنح تقدير القدرات المستقبلية وزنًا متزايدًا في اتخاذ القرار العسكري. وقد يفضي هذا التوسع، في غياب معايير واضحة لتحديد طبيعة التهديد ودرجة تحققه، إلى استهداف قدرات لم تتبلور بعد بوصفها خطرًا وشيكًا. ومع اتساع تعريف التهديد ليشمل الإمكانات المستقبلية، تصبح الحدود الزمنية للعمليات العسكرية أكثر غموضًا، وتتزايد احتمالات تكرارها، خاصة أن إضعاف قدرة قائمة قد يتبعه ظهور قدرة بديلة، وتؤدي محاولة منع إعادة البناء إلى جولة جديدة من استخدام القوة.
ويتغير هنا معيار النجاح الأمني نفسه؛ إذ يرتبط في التصور الذي يعطي الأولوية للردع والاستقرار بقدرة الدولة على تقليل احتمالات اندلاع الحرب وإطالة فترات الهدوء. أما عندما تصبح إزالة التهديدات المحتملة هدفًا دائمًا، فإن الإنجازات العملياتية المتكررة قد تتعايش مع استمرار الصراع واتساع نطاقه. ويصبح السؤال عن العلاقة بين التفوق العسكري والنتيجة السياسية أكثر إلحاحًا: هل يؤدي تدمير القدرات العسكرية للخصوم إلى إنتاج نظام إقليمي أكثر استقرارًا، أم يعيد تشكيل التهديدات في صور جديدة تتطلب تدخلات متلاحقة؟
وتمنح وثيقة نتنياهو هذا التحول تعبيرًا مباشرًا؛ إذ تعطي أولوية لمنع التهديدات والهجوم على الاحتواء والدفاع، وتدرج الضربات الوقائية لإحباط التهديدات الناشئة. لكنها تحتفظ، في الوقت نفسه، بالردع والإنذار المبكر ضمن المبادئ الأساسية. وعليه، فإن التغير يتعلق بترتيب الأدوات ومركزية المبادأة الهجومية، ولا يعني اختفاء عناصر التصور التقليدي.
من الدفاع عن الحدود إلى توسيع المجال الأمني
يتجلى التحول الثاني في إعادة تعريف الجغرافيا الأمنية؛ إذ يناقش هايمان مفهوم “الدفاع المتقدم” الذي يقوم على إنشاء مناطق أمنية خارج الحدود، ونقل المواجهة إلى أراضي الخصوم، وتوظيف الانتشار العسكري والاستيطان والتجمعات المدنية ضمن منظومة الدفاع. وتشمل المناطق التي يشير إليها قطاع غزة وجنوب لبنان والأراضي السورية، إلى جانب الضفة الغربية.
تكمن خطورة هذا التصور في تحويل المجال الأمني إلى مساحة متحركة تتحدد وفق تقديرات التهديد واحتياجات العمليات العسكرية. وتعيد هذه المقاربة صياغة العلاقة بين الحدود والقوة، إذ تصبح التقديرات الأمنية أساسًا لتحديد نطاق الانتشار العسكري والمناطق التي تسعى إسرائيل إلى السيطرة عليها أو الاحتفاظ بوجود عسكري فيها، بما يمنح المجال الأمني طابعًا متغيرًا يتجاوز الحدود المعترف بها.
ويحمل هذا المنطق تناقضًا استراتيجيًا يتطلب الفحص، فكلما توسعت المناطق التي تعتبرها إسرائيل ضرورية لأمنها، ازدادت المساحات التي تحتاج إلى الحماية، وتضاعفت نقاط الاحتكاك مع السكان والقوى المحلية والدول المجاورة. وقد تنتج هذه العملية احتياجات أمنية إضافية تستخدم بدورها لتبرير مزيد من الانتشار العسكري. بذلك يتحول الدفاع المتقدم، في حال ترسخه، إلى دورة توسع أمني متكرر، ترتبط فيها محاولة تقليل المخاطر بتوليد مصادر جديدة للاحتكاك والتصعيد.
وتتضاعف هذه الإشكالية عندما يدخل الاستيطان والتجمع المدني ضمن حسابات الدفاع لأن وجود السكان المدنيين في مناطق الصراع يفرض التزامات أمنية مستمرة، ويزيد صعوبة الفصل بين الوظائف العسكرية والاعتبارات السياسية والديموغرافية. كما ينقل النقاش من حماية الحدود إلى تقرير طبيعة الأراضي التي تدخل ضمن المجال السياسي والأمني الإسرائيلي.
في الوثيقة، يظهر هذا التقاطع في مبدأ الدفاع، الذي يجمع صد الغزو عند الحدود وإقامة مناطق عازلة “عند الضرورة”. وتكمن دلالة العبارة في إدخال الانتشار العازل ضمن أدوات الدفاع المعلنة، دون تحديد نطاقه الجغرافي أو مدته أو شروط إنهائه. ويصبح السؤال عن الجهة التي تحدد الضرورة وعن معيار انتهائها جزءًا من تقييم هذا التصور.
القضية الفلسطينية والدول العربية في التصور الأمني
يتجاوز أحد أكثر المبادئ حساسية في الورقة مسألة العمل العسكري إلى الأساس السياسي للصراع. إذ يعرض هايمان تصورًا ينفي أصالة الحركة الوطنية الفلسطينية، ويعيد تفسير القضية الفلسطينية باعتبارها امتدادًا لصراع عربي دائم مع إسرائيل. ووفق هذا التصور، تصبح إمكانية قيام دولة فلسطينية منفصلة متعارضة مع مفهوم الأمن، فيما يُطرح توسيع الاستيطان والحكم المحلي المحدود للسكان الفلسطينيين ضمن بدائل إدارة الواقع القائم.
تكمن دلالة هذا التحول في إعادة تحديد موضوع الصراع نفسه. عندما يُعاد تعريف الفلسطينيين باعتبارهم جزءًا من خصومة عربية دائمة، وتتراجع مكانة هويتهم الوطنية المستقلة، فإن التسوية السياسية تفقد موقعها بوصفها إطارًا محتملًا لإنهاء النزاع. أما عندما يجري التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية وسياسية، تظل الخيارات المرتبطة بالحقوق والسيادة والحدود والتسوية جزءًا من النقاش الاستراتيجي، حتى في ظل الخلافات العميقة بشأنها.
وتحتاج هذه النقطة إلى تمييز أساسي: يستعرض هايمان هذا التصور بوصفه أحد المبادئ المحتملة للعقيدة الجديدة ويضعه ضمن إطار نقدي. أما الدلالة التحليلية الأوسع، فتتمثل في أن إدخال إنكار الهوية الوطنية الفلسطينية إلى تصور للأمن القومي يجعل السيطرة على الأرض وإدارة السكان بديلين محتملين عن التسوية السياسية، ويفتح المجال أمام صراع طويل حول السيادة والحقوق والشرعية.
يقدم هايمان مبدأً آخر بالغ الدلالة، يقوم على تصور الدول العربية باعتبارها تكوينات ضعيفة أو مصطنعة تفتقر إلى أسس وطنية متماسكة، بما يجعل تفككها أو استمرار ضعفها وضعًا يمكن لإسرائيل الاستفادة منه استراتيجيًا. وتنبع خطورة هذه الفكرة من أنها تعيد تعريف العلاقة مع البيئة الإقليمية على أساس تفضيل ضعف الدول المحيطة على استقرارها.
يحمل هذا المنطق افتراضًا بأن التعامل مع كيانات متفرقة أو مجتمعات منقسمة يوفر لإسرائيل مجالًا أوسع للمناورة العسكرية والسياسية مقارنة بالتعامل مع دول مستقرة تمتلك مؤسسات قوية وقدرة على اتخاذ قرارات سيادية متماسكة. غير أن هذا الافتراض يصطدم بطبيعة التهديدات التي تنشأ عادة في البيئات الهشة، حيث تتوسع شبكات التهريب والجماعات المسلحة، وتتعدد مراكز القوة، وتتراجع قدرة الحكومات على تنفيذ الترتيبات الأمنية والالتزامات السياسية.
وتبرز هنا مفارقة استراتيجية مهمة: قد يوفر ضعف الدولة المجاورة مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنه يحد من قدرة أي طرف على بناء ترتيبات أمنية مستقرة معها. فالدولة التي تفقد السيطرة الفعلية على أراضيها تعجز عن ضمان الحدود وضبط الفاعلين المسلحين وإنفاذ الاتفاقيات، وهو ما يجعل التدخل العسكري الخارجي أكثر تكرارًا وكلفة.
ومن ثم، فإن تفضيل ضعف الدول العربية، إذا تحول إلى قاعدة أمنية مستقرة، قد ينتج البيئة نفسها التي تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار تدخلاتها. ويتعارض ذلك أيضًا مع التصور الذي يتبناه جزء من المؤسسة الاستراتيجية الإسرائيلية حول أهمية التعاون مع الدول العربية المستقرة، وبناء شراكات أمنية واقتصادية إقليمية.
ويكتسب هذا الغياب أهمية إضافية عند مقارنته بإدراج الاستيطان ضمن المبادئ المتعلقة بالهوية الوطنية والتماسك الداخلي، إذ تكشف هذه المفارقة عن حضور الأرض في التصور الأمني والرمزي للدولة، مقابل محدودية الحيز المخصص لمعالجة الحقوق السياسية والوطنية للفلسطينيين. ويتعزز هذا التساؤل عند مقارنة وثيقة نتنياهو بتصور المعهد لعام 2025، الذي منح مسألة الفصل السياسي والجغرافي بين الإسرائيليين والفلسطينيين موقعًا أكثر وضوحًا في النقاش حول مستقبل الأمن القومي.
وتكشف المقارنة مع وثيقة معهد دراسات الأمن القومي لعام 2025 عن تباين أعمق في موقع القضية الفلسطينية ضمن الحسابات الأمنية الإسرائيلية. فعلى الرغم من تشكك الوثيقة في إمكانية التوصل إلى تسوية نهائية في المدى القريب، فإنها تدعو إلى اتخاذ خطوات للفصل السياسي والجغرافي والديموغرافي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتحذر من أن التوسع الاستيطاني في عمق الأراضي الفلسطينية يدفع نحو واقع الدولة الواحدة، بما يحمله من تداعيات على الهوية اليهودية والديمقراطية لإسرائيل. كما تربط الوثيقة أمن إسرائيل بالحفاظ على حدود معترف بها، وتعزيز اتفاقيات السلام القائمة والشراكات الإقليمية. في المقابل، تمنح وثيقة نتنياهو المبادأة العسكرية وإقامة المناطق العازلة موقعًا متقدمًا في التصور الأمني، وتدرج الاستيطان ضمن مقومات الهوية والتماسك الوطني، مع غياب معالجة سياسية مفصلة لمستقبل القضية الفلسطينية. ويكشف هذا التباين عن اختلاف في تصور العلاقة بين الأمن والسيادة؛ إذ تمنح وثيقة المعهد التسوية السياسية والفصل الجغرافي وظيفة في تحقيق الأمن طويل المدى، بينما تركز وثيقة نتنياهو على التفوق العسكري والقدرة على منع التهديدات، مع ترك العلاقة بين هذه الأدوات ومستقبل التسوية السياسية مفتوحة للتفسير.
الهوية القومية وحدود القوة
يمثل الربط بين العقيدة الأمنية والهوية القومية الإضافة الفكرية المركزية في هذه الورقة. ينطلق هايمان من تمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: الهوية القومية التي تحدد طبيعة الدولة وقيمها، ومفهوم الأمن القومي الذي يترجم هذه الهوية إلى مبادئ استراتيجية مستقرة نسبيًا، والسياسات الأمنية التي تطبقها الحكومات وفق خياراتها السياسية والأيديولوجية.
استنادًا إلى هذا التمييز، يرى هايمان أن التحول العميق في مفهوم الأمن قد يكشف عن تغير أكثر اتساعًا في الهوية الإسرائيلية نفسها، خصوصًا عند تقديم الهوية اليهودية على مبادئ الديمقراطية والمساواة، وتحويل الحرب من وضع استثنائي إلى حالة ملازمة لوجود الدولة.
وتتيح هذه الفكرة قراءة العلاقة بين الأمن والسياسة الداخلية بصورة أكثر تركيبًا. فالعقيدة الأمنية تحدد طبيعة الأخطار التي تستعد الدولة لمواجهتها، كما تؤثر في توزيع الموارد الاقتصادية، ومكانة المؤسسة العسكرية، وحدود السلطة التنفيذية، والعلاقة بين الدولة ومواطنيها. وعندما تصبح حالة التعبئة العسكرية مستمرة، تتزايد قدرة الاعتبارات الأمنية على التأثير في النقاش العام والمؤسسات المدنية والأولويات الاقتصادية.
لكن ثمة ملاحظة تاريخية ضرورية على المقارنة التي يقيمها هايمان بين العقيدة التقليدية والعقيدة الناشئة. التجربة الإسرائيلية السابقة تضمنت استخدامًا واسعًا للقوة الوقائية والاستباقية، والتدخل العسكري خارج الحدود، وسياسات الاحتلال والاستيطان. وقد ظهرت هذه الممارسات خلال مراحل مختلفة، وصولًا إلى حرب لبنان عام 1982 وما تلاها من عمليات عسكرية متعددة. ولهذا، فإن عناصر أساسية من العقيدة التي يناقشها الكاتب تمتلك جذورًا ممتدة في التاريخ الاستراتيجي الإسرائيلي.
الأدق، من وجهة نظرنا، هو تحليل التحول الراهن باعتباره تغيرًا في درجة مركزية هذه الأدوات، واتساع نطاق توظيفها، وطبيعة التبرير السياسي والأيديولوجي المصاحب لها. لأن الممارسات السابقة قدمت سوابق لاستخدام القوة وتوسيع السيطرة، بينما تكمن أهمية المرحلة الراهنة في احتمال انتقال بعض هذه الممارسات إلى مرتبة المبادئ الحاكمة لمفهوم الأمن القومي.
وهذا التمييز بين الاستمرارية والتحول جوهري، لأنه يمنع اختزال المسألة في نتائج السابع من أكتوبر وحدها، ويتيح فهم العلاقة بين تراكم السياسات الأمنية على مدى عقود وبين الصدمة التي وفرت مبررات جديدة لتوسيع استخدامها.
وتظهر الصلة بين الهوية والأمن في بند “روح الشعب” لدى نتنياهو، الذي يجمع الدولة القومية للشعب اليهودي والحكم الديمقراطي والاستعداد للقتال والاستيطان والتراث. يتيح هذا الجمع مساءلة كيفية ترتيب هذه العناصر عند التعارض في التطبيق، لكنه لا يثبت، بمجرده، أن الوثيقة تعلن إخضاع الديمقراطية للهوية اليهودية. كذلك، فإن إدراج الاستيطان ضمن مقومات التماسك والهوية يمنحه وظيفة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، من دون أن يحدد النص هنا نطاقه الجغرافي.
وتكمن دلالة هذا الربط في أن الهوية الوطنية تصبح أحد مصادر تحديد الأولويات الأمنية، بما يمنح قضايا الأرض والاستيطان والتراث موقعًا يتجاوز الاعتبارات الثقافية والرمزية. ويفتح ذلك مجالًا لتداخل الأهداف المرتبطة بتشكيل الهوية القومية مع الأهداف العسكرية، خصوصًا عندما يُنظر إلى السيطرة على الأرض باعتبارها عنصرًا في بناء الأمن الوطني.
الاستقلال الاستراتيجي وحدود الموارد
تتناول الورقة كذلك الاتجاه نحو تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، وتعزيز الاستقلال الصناعي والعسكري والتكنولوجي. ويعكس هذا التوجه، ضمن التصور الذي يعرضه هايمان، قناعة بأن الارتباط الوثيق بالقوى الكبرى قد يفرض قيودًا سياسية وعملياتية على حرية إسرائيل في استخدام القوة، وأن بناء قدرات محلية مستقلة يمثل ضمانة لاستمرار التفوق العسكري.
وتتضح الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لهذا التحول في دراسة عوفر شيلح، المنشورة في آب/أغسطس 2026، التي تنتقد ما يسميه استراتيجية “إسبرطة العظمى”، وتحذر من أن الجمع بين الحرب المستمرة وتوسيع المناطق الأمنية والاعتماد المتزايد على الإنتاج العسكري المحلي قد يفرض أعباء تتجاوز قدرة الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين على تحملها. ويربط شيلح بين استمرار العمليات العسكرية واستنزاف قوات الاحتياط، وتعطيل النشاط الاقتصادي، وإضعاف التماسك الاجتماعي، مستندًا إلى تقديرات اقتصادية تُظهر التوتر بين الزيادة المستمرة في الإنفاق الدفاعي ومتطلبات النمو. وفي المقابل، تضع وثيقة نتنياهو توسيع ميزانية الدفاع وتعزيز التصنيع العسكري والاستقلال التكنولوجي ضمن الأولويات اللازمة للحفاظ على التفوق ومنع التهديدات. ويكشف هذا التباين عن اختلاف في تقدير العلاقة بين الموارد والأهداف الأمنية؛ فبينما يتعامل نتنياهو مع توسيع القدرات بوصفه شرطًا لتعزيز الأمن، يثير شيلح التساؤل عن قدرة الاقتصاد والمجتمع على تمويل هذه القدرات واستدامتها. وتكمن المعضلة في احتمال أن يؤدي السعي إلى تعظيم القوة العسكرية إلى استنزاف المقومات الاقتصادية والبشرية التي يقوم عليها التفوق العسكري نفسه.
وتظهر هنا مفارقة تتصل بطبيعة القوة الإسرائيلية، وهي أنه كلما اتسعت التزاماتها العسكرية والجغرافية، ازدادت حاجتها إلى الموارد والشراكات الخارجية، في الوقت الذي يدفعها فيه التصور الجديد إلى تقليل اعتمادها على تلك الشراكات. وقد يؤدي هذا التناقض إلى اتساع الفجوة بين الأهداف الأمنية والموارد المتاحة لتحقيقها، خصوصًا إذا تحولت المواجهات المتكررة إلى وضع طويل الأمد.
ويظهر تباين آخر عند مقارنة موقع التحالفات الخارجية في التصورات الأمنية المختلفة. فقد اعتبرت وثيقة معهد دراسات الأمن القومي لعام 2025 العلاقة الاستراتيجية الخاصة مع الولايات المتحدة أحد أهم أصول القوة الإسرائيلية، وربطت الأمن القومي بالاندماج في الاقتصاد العالمي، والحفاظ على الدعم الدولي، وتعزيز التعاون الأمني والسياسي مع الدول العربية. أما وثيقة نتنياهو فتمنح الاستقلال في إنتاج الأسلحة وتطوير التقنيات المتقدمة أولوية متزايدة، مع استمرار التأكيد على أهمية التحالفات الإقليمية والدولية. ويتركز الاختلاف، بذلك، في تقدير درجة الاعتماد المقبولة على الخارج وطبيعة الموارد التي ينبغي تأمينها محليًا. ومن وجهة نظرنا، تكمن المفارقة في أن تقليص التبعية الخارجية في المجال التسليحي يتطلب استثمارات وقدرات تكنولوجية وصناعية تعتمد بدورها على شبكات واسعة من التمويل والمعرفة والتبادل التجاري الدولي. وعليه، فإن توسيع الاستقلال العسكري قد يزيد الحاجة إلى بعض أشكال الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي المتبادل، بما يجعل تحقيق الاستقلال الكامل أكثر تعقيدًا من مجرد توطين الصناعات الدفاعية.
وثيقة نتنياهو وما انتقل إلى الإعلان السياسي
إلى جانب التقاطعات السابقة، تقدم الوثيقة رواية سياسية لنتائج الحرب؛ إذ تنسب إلى إسرائيل إبعاد خطر الإبادة النووية وتفكيك الطوق الإيراني. وتؤدي هذه الرواية وظيفة في تبرير تحديث التصور الأمني: تقدم الإنجاز العسكري الذي تدعيه الحكومة أساسًا لاعتماد المبادئ الجديدة. ولذلك، ينبغي الفصل بين تحليل وظيفة هذه الادعاءات في النص وبين إثبات صحتها أو استدامة النتائج التي تتحدث عنها.
ويكشف تعريف النصر عن جانب مركزي في هذا البناء؛ فهو يرتبط بكسر قوة العدو وثقته بقدرته على تشكيل تهديد فعلي. يحدد هذا التعريف النتيجة المطلوبة في قدرات الخصم وإرادته، لكنه لا يفصّل شكل الترتيبات السياسية التي تعقب القتال. وهنا يلتقي تحليل الوثيقة مع السؤال الذي أثارته قراءة هايمان: ما الذي يحول الإنجاز العسكري إلى وضع سياسي يقلل الحاجة إلى تكرار الحرب؟
وتضيف الوثيقة “الصراع على الوعي” إلى أدوات الأمن، مع توظيف الذكاء الاصطناعي ومواجهة معاداة الصهيونية ومعاداة السامية دوليًا. ويشير ذلك إلى اتساع مجال المواجهة ليشمل التصورات والشرعية والصورة الدولية. غير أن الجمع بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية في بند واحد لا يزيل الاختلاف بين نقد مشروع سياسي والعداء لليهود؛ ويستدعي تحليل هذا البند فحص كيفية توظيف هذا الجمع في التعامل مع النقد الخارجي للسياسات الإسرائيلية.
من النص المعلن إلى العقيدة المؤسسية
تقدم ورقة هايمان مساهمة مهمة في الكشف عن التوتر بين منطق الأمن العسكري ومقومات الأمن القومي الأشمل. وتكمن قوتها في إظهار أن الخيارات العسكرية تحمل افتراضات سياسية وأيديولوجية، وأن التحول في أدوات استخدام القوة قد يرتبط بتحول في تصور الدولة لذاتها ولدورها في المنطقة.
تقلص وثيقة نتنياهو الفجوة بين استنتاج المبادئ من الممارسة ووجود نص سياسي معلن، لكنها لا تحسم درجة التبني المؤسسي. فإثبات تحول مستقر في مفهوم الأمن يقتضي متابعة انعكاس المبادئ على التخطيط العسكري وتخصيص الموارد وصناعة القرار، والتمييز بين إعلان التوجهات واعتماد قواعد تنفيذية تضبطها.
وتظهر أهمية هذا الاختبار عندما تتنافس الأهداف على الموارد أو تتعارض عند التطبيق. فالجاهزية الدائمة وزيادة الإنتاج المحلي والتفوق التكنولوجي تتطلب إنفاقًا وقدرات بشرية؛ كما قد يضغط توسيع حرية العمل العسكري على التحالفات التي تريد الوثيقة تعزيزها. ولا تحدد قائمة المبادئ، بمفردها، ترتيب الأولويات أو آلية حسم هذه المفاضلات.
وتتعلق زاوية نقدية أخرى بإطار التقييم الذي يختاره الكاتب، الذي يركز أساسًا على الأخطار التي قد تفرضها العقيدة الجديدة على مستقبل إسرائيل وهويتها الديمقراطية واقتصادها وعلاقاتها الخارجية. وتحضر تداعيات هذه العقيدة على الفلسطينيين والدول العربية ضمن النقاش، لكن تحليلها من منظور السيادة والحقوق والاستقرار الإقليمي يظل بحاجة إلى توسع. فمن منظور إقليمي، تتجاوز المسألة كلفة هذه السياسات على إسرائيل إلى آثارها على المجتمعات التي تقع داخل المجال الذي تسعى إلى إخضاعه لاعتباراتها الأمنية.
وهنا تظهر الحاجة إلى فصل سؤالين مترابطين: مدى قدرة العقيدة الجديدة على إنتاج الأمن لإسرائيل، ومدى تأثيرها في إنتاج انعدام الأمن للدول والمجتمعات المجاورة. فقد تكون بعض الإجراءات العسكرية فعالة في تقليص تهديد مباشر، بينما تفضي آثارها السياسية والجغرافية بعيدة المدى إلى إضعاف فرص الاستقرار الإقليمي. وتحتاج العلاقة بين هذين المستويين إلى تقييم يتجاوز الحسابات العملياتية إلى النتائج الاستراتيجية الممتدة.
الدلالات الأردنية والإقليمية
ويؤدي التصور الأمني الذي ينكر خصوصية القضية الوطنية الفلسطينية ويعيد تعريفها ضمن صراع عربي إسرائيلي دائم إلى توسيع أبعاد المواجهة السياسية والإقليمية، إذ يجعل استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية ورفض قيام دولة مستقلة مصدرًا للتوتر مع الدول العربية، ويضع العلاقات القائمة مع إسرائيل أمام تحديات متزايدة، خصوصًا في ظل التوسع الاستيطاني وتقويض فرص التسوية السياسية. وتبرز هنا حالة الأردن بحكم ارتباط أمنه الوطني واستقراره السياسي وتوازناته الديموغرافية بمآلات القضية الفلسطينية وبمستقبل الضفة الغربية. ويتعلق الأمر كذلك بمصر، وبقدرة العلاقات الإقليمية على الاستمرار في ظل فجوة متزايدة بين الاتفاقيات السياسية وطبيعة الممارسات الأمنية على الأرض.
بالنسبة إلى سوريا ولبنان تحديدًا، تصبح هذه الإشكالية أكثر وضوحًا في ظل ارتباط ملفاتهما الأمنية بقضايا السيادة واحتكار الدولة للسلاح وإعادة بناء المؤسسات. لأن أي تصور أمني إسرائيلي يقوم على الاحتفاظ بمناطق نفوذ أو فرض ترتيبات أحادية طويلة الأمد قد يعمّق صعوبة بناء نظام أمني مستقر على الحدود. ويزداد أثر ذلك عندما تتداخل التدخلات العسكرية مع التنافس الداخلي وتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين.
وتتيح قراءة وثيقة نتنياهو مع ورقة هايمان تحويل هذه المخاوف إلى موضوعات متابعة محددة: مدى دوام المناطق العازلة، وعلاقة الاستيطان بتغيير الوقائع الجغرافية، وموقع الحقوق الفلسطينية في الترتيبات المقترحة، وحدود الالتزامات المتبادلة داخل التحالفات. وهذه متابعة لآثار السياسات في السيادة والاستقرار، ولا تقوم على افتراض أن الوثيقة تعلن خطة عسكرية تجاه الأردن.
وتنبع خصوصية الحالة الأردنية من تداخل ثلاثة مستويات للأمن الوطني: استقرار الحدود الغربية، والمآلات السياسية والديموغرافية للقضية الفلسطينية، ومستقبل الترتيبات الإقليمية التي تقوم عليها العلاقة الأردنية الإسرائيلية. ومن شأن انتقال الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية إلى أساس لتوسيع السيطرة أو إعادة تحديد المناطق الدفاعية أن يفرض تحديات إضافية على هذه المستويات، خصوصًا إذا اقترن بإضعاف فرص التسوية السياسية في الضفة الغربية. وتتطلب قراءة هذه التداعيات الفصل بين ما تعلنه الوثيقة الإسرائيلية، وما تسمح الممارسات القائمة باستنتاجه، والسيناريوهات التي قد تنشأ عن استمرار التحول في العقيدة الأمنية.
القوة العسكرية والغاية السياسية
تثير قراءة ورقة هايمان ووثيقة نتنياهو معًا سؤالًا يتجاوز مستقبل العقيدة العسكرية الإسرائيلية إلى طبيعة النظام الإقليمي الذي قد ينتج عن استمرار هذا التحول. التصور الذي يمنح الحرب الوقائية والدفاع المتقدم والاستيطان أدوارًا متزايدة في تحقيق الأمن يؤدي، إذا ترسخ، إلى توسيع المجال الجغرافي والسياسي الذي تعتبره إسرائيل ضروريًا لحماية نفسها. ومع هذا الاتساع، تصبح الحدود أكثر ارتباطًا بميزان القوة، وتتحول الترتيبات الأمنية إلى أدوات لإعادة تشكيل الواقع الإقليمي.
ونرى أن جوهر المشكلة الاستراتيجية يكمن في الانتقال من محاولة تأمين الدولة داخل بيئة إقليمية قائمة إلى محاولة إعادة تشكيل تلك البيئة باستمرار وفق المتطلبات الأمنية الإسرائيلية. ويترتب على هذا الانتقال تغيير في العلاقة بين الوسائل والغايات؛ إذ يمكن أن تتحول العمليات العسكرية من إجراءات لتحقيق أهداف سياسية محددة إلى نشاط مستمر يستمد مبرراته من التهديدات التي تتجدد مع كل مرحلة من مراحل الصراع.
لهذا، تكمن قيمة قراءة النصين معًا في الجمع بين مساءلة الافتراضات التي يعرضها هايمان وتحليل المبادئ التي يعلنها نتنياهو. ويتقاطع النصان في مركزية المبادأة والمنع، بينما تظل قضايا الهوية والفلسطينيين والدول العربية بحاجة إلى تمييز بين الاستنتاج النقدي والصياغة الرسمية. ويوفر هذا التمييز أساسًا لقراءة عربية تقيس آثار التحول في حقوق الفلسطينيين وسيادة الدول واستقرار الإقليم، إلى جانب كلفته على إسرائيل.
وفي النهاية، قد تحقق القوة العسكرية قدرة متزايدة على تدمير التهديدات القائمة، لكن استمرار توليد التهديدات الجديدة يعيد طرح السؤال عن الغاية السياسية من استخدامها. وهنا تتحدد المعضلة الأساسية للعقيدة الناشئة: كلما اتسع المجال الذي تسعى إسرائيل إلى السيطرة عليه باسم الأمن، اتسعت معه الالتزامات والصراعات التي ينبغي عليها إدارتها. وقد يصبح التفوق العسكري نفسه مصدرًا لتوسع استراتيجي يصعب ضبط حدوده وتكاليفه.
لقراءة الورقة من معهد دراسات الأمن القومي الاسرائيلي كاملة مترجمة، الضغط هنا
لقراءة وثيقة نتنياهو كاملة مترجمة، اضغط هنا
المراجع
Hayman, Tamir. “The ‘New’ National Security Concept: Conceptualization and Questions for Discussion.” Special Publication. Institute for National Security Studies (INSS), October 12, 2026. https://www.inss.org.il/publication/new-concept/.
Hayman, Tamir, Boaz Rakocz, and Anat Kurz, eds. The State of Israel’s National Security: Doctrine and Policy Guidelines for 2025–2026. Institute for National Security Studies (INSS), March 2, 2025. https://www.inss.org.il/publication/policy-2025/.
Institute for National Security Studies (INSS). “History.” Accessed October 20, 2026. https://www.inss.org.il/history/.
Israel. Office of the State Comptroller and Ombudsman. The Absence of a National Security Concept and Its Impact on Key Processes at the Political Level and in the IDF. Special Report, November 11, 2025. https://library.mevaker.gov.il/sites/DigitalLibrary/Pages/Reports/9155-1.aspx.
Israel. Prime Minister’s Office. תפיסת הביטחון בנימין נתניהו ראש הממשלה [National Security Concept of Prime Minister Benjamin Netanyahu]. Jerusalem, October 2026. Published October 18, 2026. https://www.gov.il/he/pages/event-security181026.
Shelah, Ofer. “‘The New Security Strategy’—Flawed Logic and a Threat to National Security.” INSS Insight, no. 2180. Institute for National Security Studies (INSS), August 18, 2026. https://www.inss.org.il/publication/new-security-concept/.


