صدمة الطاقة وحرب الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز
ساهم في إعداد هذا التحليل مساعدا الباحث: شيرين حمدي ومحمد حمدان

أي اضطراب في مضيق هرمز أو استهداف للناقلات يعزز الانطباع بهشاشة المسارات البحرية، ما يمنح الممرات البرية البديلة – ومنها المسار عبر إسرائيل – أولوية أكبر في الحسابات الاستراتيجية. فالأزمات عادة ما تسرّع التحول من التخطيط طويل الأمد إلى البحث عن حلول فورية.
- الحجم الضخم من التدفقات الاقتصادية يحول المضيق لأداة جيوسياسية يمكن توظيفها في إعادة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية في النظام الدولي. وفي حالات الأزمات أو الحروب، تتحول الجغرافيا هنا إلى سلاح استراتيجي يخلق رابحين وخاسرين.
- مع صعود اقتصاد النفط في الخليج العربي، أصبح مضيق هرمز الطريق الرئيسي لتصدير النفط من السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وإيران، وجعلت منه مصدر قوة سياسية. وهو ما يسميه علماء الجيوبوليتيك “قوة الجغرافيا” في تشكيل السياسة الدولية.
- لا تنطلق الاستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز من فرضية “الإغلاق الكامل” بوصفه الخيار الأول، بل من فرضية أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة التهديد أكثر من تنفيذ التهديد.
- بنت طهران مقاربتها على الردع غير المتماثل: زوارق سريعة، ألغام بحرية، صواريخ ساحلية مضادة للسفن، طائرات مسيّرة، وحرب إلكترونية وعمليات ضغط غير مباشر على السفن وشركات التأمين.
- إن القيمة الحقيقية للمضيق في العقيدة الإيرانية ليست اقتصادية فقط، بل سياسية-نفسية: إنه مساحة تستطيع عبرها إيران نقل أي ضغط عليها إلى ضغط أوسع على النظام الاقتصادي الدولي، وعلى شركاء واشنطن الآسيويين تحديدًا، خاصة الدول المعتمدة على طاقة الخليج.
- واشنطن تسعى أيضًا إلى تدويل أمن المضيق عبر التحالفات البحرية، وتوزيع أعباء الحماية على شركاء إقليميين ودوليين، وربط أمن هرمز بأمن البحر الأحمر وباب المندب وسلاسل الإمداد الأوسع.
- بالنسبة لدول الخليج، تكمن المفارقة في أن المضيق هو في الوقت نفسه شريان حياة ونقطة هشاشة.
- البدائل، رغم أهميتها، لا تعني التحرر الكامل من الجغرافيا. فالإمارات والسعودية تستطيعان تخفيف جزء من المخاطر، لكن الكويت وقطر والعراق تظل أكثر تعرضًا للاعتماد على المسار الخليجي-الهرمزي.
- تقوم شركات التأمين برفع أقساطها بشكل كبير بسبب احتمالات الهجمات أو الألغام أو الاشتباكات العسكرية. هذه الزيادة تنعكس في النهاية على السعر النهائي للبرميل في الأسواق العالمية.
- من بين أكبر المستفيدين اقتصاديًا من التوتر في المضيق هي روسيا، فعندما يتعطل جزء من صادرات الخليج عبر المضيق، ترتفع الأسعار العالمية للنفط بسرعة.
- أي اضطراب في مضيق هرمز يمنح الممرات البرية البديلة – ومنها المسار عبر إسرائيل – أولوية أكبر في الحسابات الاستراتيجية. فالأزمات عادة ما تسرّع التحول من التخطيط طويل الأمد إلى البحث عن حلول فورية.
- يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع حول المضيق: المضيق كسلاح ردع دائم، عسكرة الممرات البحرية، و ظهور ممرات بديلة
يشكّل مضيق هرمز “Strait of Hormuz” أحد أهم العقد الجيوسياسية في النظام الدولي المعاصر، فالمضيق الذي يفصل الخليج العربي عن خليج عمان لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه بضعة عشرات الكيلومترات، إلا أنه يتحكم في تدفقات طاقة تُقدّر بنحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. كما يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقول بحرًا وجزء مهم من التجارة العالمية.
هذا الحجم الضخم من التدفقات الاقتصادية يحول المضيق لأداة جيوسياسية يمكن توظيفها في إعادة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية في النظام الدولي. وفي حالات الأزمات أو الحروب، تتحول الجغرافيا هنا إلى سلاح استراتيجي يخلق رابحين وخاسرين. لما يمكن وصفه بـ”حرب الجغرافيا السياسية”، وهي حرب تتخذ أشكالًا متعددة تتراوح بين الردع العسكري، والضغط الاقتصادي، والتنافس الاستراتيجي على النفوذ البحري.
إذ يشكل المضيق نقطة اختناق جيوسياسية (Geopolitical chokepoint) تتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة الدولية. ومن هذا المنطلق تحوّل المضيق عبر العقود الماضية إلى ساحة تنافس تتقاطع فيه مصالح إيران ودول الخليج والولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى.
أولًا: الجغرافيا كقوة استراتيجية
تُظهر دراسة مضيق هرمز أن الجغرافيا ليست مجرد إطار مكاني محايد، بل هي عنصر فاعل في تشكيل موازين القوى. فالمضيق يقع بين إيران شمالًا وسلطنة عُمان (وتحديدًا شبه جزيرة مسندم) جنوبًا، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 33 كيلومترًا، بينما لا يتجاوز عرض ممرات الملاحة الدولية بضعة كيلومترات لكل اتجاه. هذه الخصائص الجغرافية جعلت منه واحدًا من أكثر الممرات البحرية عرضة للسيطرة أو التعطيل.
مع صعود اقتصاد النفط في الخليج العربي، أصبح مضيق هرمز الطريق الرئيسي لتصدير النفط من السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وإيران، وجعلت منه مصدر قوة سياسية، فالدول القريبة من المضيق تمتلك – نظريًا على الأقل – القدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية، سواء عبر حماية الممرات البحرية أو عبر تهديدها. وأي توتر فيه يتحول فورًا إلى قضية عالمية، وليس مجرد أزمة إقليمية في الخليج.
وهو ما يسميه علماء الجيوبوليتيك “قوة الجغرافيا” في تشكيل السياسة الدولية. فبالإضافة إلى الأيديولوجيا أو المصالح الاقتصادية، فإن الدول تتصارع أيضًا بسبب المواقع الاستراتيجية التي تتحكم في تدفقات التجارة والطاقة.
ثانيًا: إيران واستراتيجية السيطرة على المضيق
لا تنطلق الاستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز من فرضية “الإغلاق الكامل” بوصفه الخيار الأول، بل من فرضية أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة التهديد أكثر من تنفيذ التهديد. فإيران تدرك أن المضيق هو نقطة الاختناق البحرية الأهم عالميًا، وأن عبور ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل البترولية عبره يمنحها قيمة ردعية تتناسب مع قدراتها العسكرية التقليدية، وموقعها الجغرافي نفسه. ولهذا بنت طهران مقاربتها على:
– الردع غير المتماثل: زوارق سريعة، ألغام بحرية، صواريخ ساحلية مضادة للسفن، طائرات مسيّرة، وحرب إلكترونية وعمليات ضغط غير مباشر على السفن وشركات التأمين.
الفكرة الأساسية هنا أن إيران لا تحتاج إلى احتلال المضيق أو منعه نهائيًا؛ يكفي أن تجعل المرور فيه عالي المخاطر، مرتفع الكلفة، وقابلًا للاضطراب في أي لحظة. وهذا بحد ذاته يرفع علاوات التأمين، ويزيد أسعار الشحن والطاقة، ويحوّل الجغرافيا إلى أداة تفاوض سياسي.
ومن هذه الزاوية، يصبح المضيق بالنسبة لإيران أداة تعويض استراتيجية عن اختلال موازين القوة التقليدية مع الولايات المتحدة. فبدلًا من منافسة الأساطيل الغربية في حرب بحرية مفتوحة، تستثمر طهران في قابلية المضيق للشلل الجزئي، وفي حقيقة أن الأسواق العالمية تتأثر حتى بالتهديد، لا بالإغلاق الفعلي فقط.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للمضيق في العقيدة الإيرانية ليست اقتصادية فقط، بل سياسية-نفسية: إنه مساحة تستطيع عبرها إيران نقل أي ضغط عليها إلى ضغط أوسع على النظام الاقتصادي الدولي، وعلى شركاء واشنطن الآسيويين تحديدًا، خاصة الدول المعتمدة على طاقة الخليج.
لا تنطلق الاستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز من فرضية “الإغلاق الكامل” بوصفه الخيار الأول، بل من فرضية أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة التهديد أكثر من تنفيذ التهديد.
بهذا المعنى، تستخدم إيران هرمز كورقة عسكرية وكورقة إكراه جيوسياسي: كلما اشتد الضغط عليها في الملف النووي أو الإقليمي، ارتفعت قيمة المضيق في معادلة الردع والرد المقابل.
من منظور استراتيجي، تستفيد إيران من هذه المعادلة بعدة طرق:
- ردع القوى الغربية: أي هجوم كبير على إيران قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية، وهو ما يجعل القوى الكبرى حذرة في التصعيد.
- رفع تكلفة العقوبات الاقتصادية: كلما ارتفعت أسعار النفط نتيجة التوتر، يصبح من الأسهل على إيران تعويض جزء من خسائر العقوبات.
- التأثير في الأمن الاقتصادي العالمي: مجرد التهديد بالمضيق يمنح طهران نفوذًا يتجاوز قوتها الاقتصادية أو العسكرية التقليدية.
بمعنى آخر، الجغرافيا هنا تتحول إلى تعويض استراتيجي عن عدم التوازن العسكري مع الولايات المتحدة أو حلفائها.
ثالثًا: الاستراتيجية الأمريكية وأمن الملاحة
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى مضيق هرمز بوصفه مرفقًا استراتيجيًا عالميًا لا يجوز أن يتحول إلى رهينة لقوة إقليمية واحدة. لذلك لا تقوم المقاربة الأمريكية فقط على حماية السفن، بل على تثبيت مبدأ أوسع هو حرية الملاحة بوصفه جزءًا من النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
وتؤكد بيانات القيادة المركزية الأمريكية أن المضيق “ممر بحري دولي” و”ممر تجاري أساسي”، وأن عبور نحو 100 سفينة تجارية يوميًا عبره يجعل أي اضطراب فيه تهديدًا يتجاوز الخليج إلى الاقتصاد العالمي. لهذا حافظت الولايات المتحدة على بنية ردع بحرية وجوية مستمرة في المنطقة، ليس فقط لمنع الإغلاق، بل لمنع إيران من تحويل التهديد بالمضيق إلى مصدر شرعية إقليمية أو قدرة ابتزاز دولية.
لكن الاستراتيجية الأمريكية لا تقتصر على البعد العسكري المباشر. فواشنطن تسعى أيضًا إلى تدويل أمن المضيق عبر التحالفات البحرية، وتوزيع أعباء الحماية على شركاء إقليميين ودوليين، وربط أمن هرمز بأمن البحر الأحمر وباب المندب وسلاسل الإمداد الأوسع. هذا يعني أن الولايات المتحدة لا تريد فقط إبقاء المضيق مفتوحًا، بل تريد أيضًا منع ظهور معادلة تقول إن أمن الطاقة العالمي لا يمكن ضمانه إلا عبر التفاهم مع إيران أو القبول بنفوذها البحري.
ومن هنا، فإن الحضور الأمريكي في هرمز ليس مجرد حراسة ممر مائي، بل هو جزء من معركة أكبر على تعريف من يضمن النظام البحري العالمي: قوة مهيمنة تفرض حرية العبور، أم قوة إقليمية تفرض منطق المساومة على العبور
رابعًا: دول الخليج ومحاولات تقليل الاعتماد على المضيق
بالنسبة لدول الخليج، تكمن المفارقة في أن المضيق هو في الوقت نفسه شريان حياة ونقطة هشاشة. فست دول منتجة في الخليج تعتمد بدرجات متفاوتة على المرور الآمن عبر هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية، لكن بعض هذه الدول أدركت مبكرًا أن الاعتماد الكلي على هذا المعبر يترك صادراتها وميزانياتها رهينة للتصعيد الإيراني-الأمريكي أو لأي أزمة إقليمية واسعة. لهذا اتجهت بعض العواصم الخليجية إلى بناء بدائل جزئية، لا تلغي المضيق ولكن تقلل من مركزيته. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن خطوط أنابيب في السعودية والإمارات وإيران توفر بدائل جزئية لعبور هرمز، وأبرزها خط شرق-غرب السعودي الذي ينقل الخام إلى البحر الأحمر، وخط أنابيب أبوظبي-الفجيرة الذي يسمح للإمارات بتجاوز المضيق جزئيًا نحو بحر العرب.
غير أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لا تعني التحرر الكامل من الجغرافيا. فالإمارات والسعودية تستطيعان تخفيف جزء من المخاطر، لكن الكويت وقطر والعراق تظل أكثر تعرضًا للاعتماد على المسار الخليجي-الهرمزي. كما أن الطاقة الاستيعابية للأنابيب البديلة لا تكفي دائمًا لتعويض كامل التدفقات البحرية إذا حدث تعطيل واسع أو طويل الأمد.
لذلك يمكن القول إن الاستراتيجية الخليجية ليست “الاستغناء عن المضيق”، بل إدارة الانكشاف عليه: تنويع موانئ التصدير، توسيع التخزين الاستراتيجي، تحسين الربط البري والأنبوبي، وتعزيز الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة والقوى البحرية الكبرى. بمعنى آخر، تحاول دول الخليج أن تقلل من قدرة إيران على تحويل الجغرافيا إلى احتكار ضغط، لكنها لم تنجح بعد في نزع مركزية هرمز من اقتصاد الطاقة الخليجي بالكامل.
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع حول المضيق: المضيق كسلاح ردع دائم، عسكرة الممرات البحرية، و ظهور ممرات بديلة
خامسًا: المضيق في سياق التنافس الدولي
تُظهر التطورات الأخيرة في مضيق هرمز كيف يمكن للتوترات الجيوسياسية أن تتحول بسرعة إلى صدمة اقتصادية عالمية في أسواق الطاقة. وعندما ترتفع المخاطر الأمنية في هذه المنطقة، فإن التأثير الأول يظهر في قطاع النقل البحري والتأمين، إذ تقوم شركات التأمين برفع أقساطها بشكل كبير بسبب احتمالات الهجمات أو الألغام أو الاشتباكات العسكرية. هذه الزيادة في تكاليف التأمين تتحول مباشرة إلى تكلفة إضافية تتحملها شركات الشحن، والتي بدورها تنقل هذه الزيادة إلى شركات النفط، قبل أن تنعكس في النهاية على السعر النهائي للبرميل في الأسواق العالمية.
في الوقت ذاته، يمتد التأثير إلى سلوك الفاعلين في السوق البحرية، فمع تصاعد المخاطر في المضيق قد تتردد بعض السفن أو شركات الشحن في عبور المنطقة، أو تقوم بتأجيل رحلاتها أو تغيير مساراتها البحرية. ويؤدي ذلك إلى انخفاض مؤقت في حجم النفط المعروض في السوق العالمية، ما يخلق حالة من القلق في أسواق الطاقة ويعزز الاتجاه نحو ارتفاع الأسعار.
وتشير المؤشرات الأولية خلال فترات التصعيد الأخيرة إلى أن حركة السفن في المضيق تراجعت بشكل ملحوظ، حيث سجلت بعض التقديرات انخفاضًا في حركة الملاحة البحرية بنحو 70% خلال فترة قصيرة نتيجة ارتفاع المخاطر الأمنية. كما ارتفعت أسعار النفط عالميًا بأكثر من 8% لتتجاوز مستويات تقارب 75 دولارًا للبرميل في بداية موجة التوتر. ورغم أن هذه الأرقام قد تتغير مع تطور الأحداث، فإنها تعكس مدى حساسية الأسواق العالمية لأي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي.
وتنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على الدول المستوردة الكبرى للطاقة مثل الصين والهند واليابان ودول أوروبا الصناعية. فهذه الاقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز القادم من الخليج العربي، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس سريعًا على قطاعات اقتصادية متعددة. وتشمل هذه القطاعات النقل البحري والجوي، والصناعات الثقيلة، والبتروكيماويات، وحتى القطاع الزراعي، حيث تعتمد سلاسل الإنتاج الحديثة بشكل كبير على الطاقة.
تحتل الصين موقعًا متزايد الأهمية في الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز، إذ يرتبط أمن الطاقة الصيني بشكل مباشر باستقرار هذا الممر البحري. فالصين تُعد أكبر مستورد للنفط عالميًا، ويأتي نحو 45–50% من وارداتها النفطية من الخليج العربي، ويعبر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز قبل أن يصل إلى شرق آسيا. هذا الاعتماد يجعل استقرار المضيق عنصرًا أساسيًا في الأمن الاقتصادي الصيني. ولذلك تسعى بكين إلى تنويع طرق التجارة والطاقة ضمن مبادرة الحزام والطريق، بهدف تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية. ومع ذلك، تبقى الجغرافيا الحالية تجعل مضيق هرمز ممرًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، ما يدفع الصين إلى إيلاء أهمية متزايدة لأمن طرق الإمداد البحرية، وهو ما قد يجعل المضيق مستقبلًا ساحة يتقاطع فيها النفوذ البحري الصيني مع النظام البحري الذي تقوده الولايات المتحدة.
في حال استمرار التوتر أو حدوث تعطيل أكبر للملاحة في المضيق، يخشى العديد من الاقتصاديين من سيناريو قد ترتفع فيه أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 100 و120 دولارًا للبرميل. مثل هذا السيناريو قد يطلق موجة تضخم عالمية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج في مختلف القطاعات الاقتصادية. وفي هذه الحالة قد يواجه الاقتصاد العالمي تباطؤًا واسعًا في النمو، وهو ما قد يخلق ضغوطًا سياسية واقتصادية كبيرة على القوى الكبرى من أجل احتواء الصراع أو إعادة الاستقرار إلى الممرات البحرية الحيوية.
روسيا – المستفيد الاقتصادي من اضطراب المضيق، فهي من بين أكبر المستفيدين اقتصاديًا من التوتر في المضيق، فعندما يتعطل جزء من صادرات الخليج عبر المضيق، ترتفع الأسعار العالمية للنفط بسرعة. وتشير تقارير الأسواق إلى أن أسعار النفط قد ترتفع إلى ما يقارب 100 دولار للبرميل مع استمرار الأزمة الحالية. وبما أن روسيا تصدّر ملايين البراميل يوميًا عبر مسارات بديلة (البلطيق والبحر الأسود والمحيط الهادئ)، فإن ارتفاع الأسعار يمنحها:
- زيادة كبيرة في العائدات النفطية
- تعزيز قدرتها على تمويل الاقتصاد والحرب
- تحسين موقعها في سوق الطاقة العالمية
وبالتالي فإن تعطّل المضيق يخلق مكاسب مالية غير مباشرة لمنتجين خارج الخليج.
سادسًا: الجغرافيا السياسية للمضيق في المستقبل
مستقبل مضيق هرمز لا يتجه على الأرجح نحو فقدان أهميته، بل نحو تغير شكل أهميته. فمن جهة، ما زال المضيق أحد أهم ممرات النفط في العالم، ومع أن أحجام العبور تراجعت نسبيًا بين 2022 و2024 بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا بحسب EIA، فإنه لا يزال القناة الأهم لعبور صادرات الخليج إلى آسيا، وهي المنطقة التي ستظل، في المدى المنظور، مركز الطلب العالمي على الطاقة. ومن جهة ثانية، فإن الانتقال الطاقي العالمي لن يلغي قريبًا القيمة الجيوسياسية للمضيق، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالنفط الخام، بل أيضًا بالغاز الطبيعي المسال، والبتروكيماويات، وأمن الإمداد، وسلاسل النقل البحري. لهذا فإن هرمز سيبقى في المستقبل المنظور عقدة طاقة وأمن ونفوذ في آن واحد.
لكن التحول الأهم في المستقبل هو أن الصراع على المضيق قد يصبح أقل اعتمادًا على سيناريو “الإغلاق الكامل” وأكثر اعتمادًا على إنتاج الاضطراب المزمن. أي أن الحرب الجيوسياسية حوله ستتمحور حول أدوات مثل التهديد المحدود، الهجمات على السفن، الحرب السيبرانية ضد البنية التحتية للموانئ والطاقة، ورفع كلفة المرور دون الوصول إلى حرب بحرية شاملة. وفي الوقت نفسه، ستسعى القوى الكبرى والدول الخليجية إلى إعادة هندسة الإقليم لتخفيف مركزية هذا الاختناق: مزيد من الأنابيب، مزيد من الموانئ خارج الخليج الضيق، وربما دمج أكبر بين مشاريع الربط التجاري مثل IMEC وبين الحسابات الأمنية البحرية. وعليه، فإن مستقبل المضيق لا يُختزل في سؤال: “هل سيُغلق أم لا؟” بل في سؤال أكثر دقة: من ينجح في توظيفه كأصل جيوسياسي أكثر من كونه عبئًا جغرافيًا؟ إيران عبر الردع، الولايات المتحدة عبر الحماية، أم الخليج عبر الالتفاف الجزئي، أم قوى آسيوية صاعدة تسعى إلى إعادة تصميم خرائط الاتصال والطاقة؟
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع حول المضيق.
السيناريو الأول: مضيق هرمز كسلاح ردع دائم
في هذا السيناريو، تستمر إيران في استخدام التهديد بالمضيق كأداة ضغط دون إغلاقه بشكل كامل.
النتيجة:
- استمرار التوتر
- ارتفاع تكاليف التأمين والشحن
- بقاء المضيق مركزًا للصراع الجيوسياسي.
السيناريو الثاني: عسكرة الممرات البحرية
في هذا السيناريو تتحول المنطقة إلى نظام حماية بحرية دولي دائم تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها.
النتيجة:
- وجود عسكري أكبر
- تقليل احتمالات الإغلاق
- تحويل المضيق إلى نقطة صراع عسكري محتمل.
السيناريو الثالث: ظهور ممرات بديلة
هذا السيناريو يشمل تطوير بدائل مثل:
- خطوط الأنابيب البرية
- الممرات الاقتصادية مثل IMEC
- طرق بحرية بديلة عبر البحر الأحمر
أي اضطراب في مضيق هرمز أو استهداف للناقلات يعزز الانطباع بهشاشة المسارات البحرية، ما يمنح الممرات البرية البديلة – ومنها المسار عبر إسرائيل – أولوية أكبر في الحسابات الاستراتيجية. فالأزمات عادة ما تسرّع التحول من التخطيط طويل الأمد إلى البحث عن حلول فورية.
لكن حتى في هذا السيناريو سيبقى المضيق مهمًا، لأن 80% من صادرات الخليج النفطية تمر عبره.
إن مضيق هرمز يمثل مثالًا واضحًا على كيفية تداخل الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد في تشكيل العلاقات الدولية. فالمضيق
أصبح منصة تنازع على تعريف الأمن الإقليمي والدولي: – إيران تنظر إليه كورقة ردع وتفاوض. – الولايات المتحدة تنظر إليه كاختبار لحرية الملاحة وصدقية الهيمنة البحرية. – دول الخليج تنظر إليه كضرورة لا يمكن الاستغناء عنها بالكامل، لكنها تحاول تقليل هشاشتها تجاهه.
