قراءة في تحولات الثقة بالحكومات الأردنية: جعفر حسان وعمر الرزاز بين التحديث السياسي و”الوصفة التكنوقراطية”
إعداد: قسم الأبحاث

تطرح نتائج استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، بعد مرور عامين على تشكيل حكومة الدكتور جعفر حسان، أسئلة تتجاوز التقييم التقليدي لأداء الحكومة ورئيسها وفريقها الوزاري، لتلامس واحدة من أهم المعضلات التي واجهت النظام السياسي الأردني خلال العقود الماضية، وهي أزمة الثقة بين المواطنين والحكومات، وما إذا كان بالإمكان تجاوزها من خلال تحسين الأداء التنفيذي والإداري، أم أن المشكلة أعمق من ذلك، وتتصل بطبيعة تشكيل الحكومات وعلاقتها بالمجتمع وموقعها في عملية صنع القرار السياسي.
تكمن أهمية النتائج الجديدة في أنها تبدو مختلفة عن المسار التاريخي الذي اعتدنا عليه في استطلاعات الحكومات الأردنية؛ إذ تبدأ الحكومات عادة برصيد من التفاؤل والتوقعات، ثم تتراجع شعبيتها تدريجياً مع اصطدام الوعود بالواقع الاقتصادي والسياسي، وتتحول إلى هدف لانتقادات المواطنين ومطالبهم. لكن حكومة حسان استطاعت، بعد عامين، أن تحافظ على مستوى مرتفع نسبياً من الثقة، وأن تحقق تحسناً في تقييم قدرتها على تحمل المسؤوليات مقارنة ببداية تشكيلها.
مع ذلك، فإن قراءة التجربة من زاوية الاستثناء وحدها ستكون ناقصة؛ فقد سبقت حكومة حسان تجربة أخرى تستحق المقارنة، هي حكومة الدكتور عمر الرزاز، الذي حقق بدوره مستويات مرتفعة من الشعبية في بعض مراحل حكومته، قبل أن تتراجع وتعود إلى الارتفاع خلال أزمة جائحة كورونا، لكن بالرغم من التباين الشديد في الخلفية الشخصية وربما المسار المهني لكل منهما، فإنّهما يشتركان في الخلفية التكنوقراطية، والاهتمام بالإدارة والإصلاح المؤسسي، ومحاولة بناء علاقة مباشرة مع المواطنين، وإن اختلفا في درجة حضور الخطاب السياسي وطبيعة الظروف التي واجهها كل منهما.
من هنا يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل تعكس تجربتا حسان والرزاز تفضيلاً أردنياً متزايداً لنموذج رئيس الوزراء التكنوقراطي التنفيذي، على حساب رئيس الوزراء السياسي والحزبي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن التوفيق بين هذا الميل الشعبي ومسار التحديث السياسي الذي يفترض أن يقود، تدريجياً، إلى حكومات حزبية برامجية؟
ماذا تقول أرقام الثقة بالحكومة؟
أُجري استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية خلال الفترة من 10 إلى 26 أيلول 2026، على عينة وطنية بلغت 2012 مواطناً، إضافة إلى 424 من قادة الرأي، بهامش خطأ مقداره 2.5 نقطة مئوية للعينة الوطنية، عند مستوى ثقة 95%.
أظهرت النتائج أن 67% من المواطنين يثقون بالحكومة الحالية، مقابل 66% من قادة الرأي. لكن تفكيك هذه النسبة يكشف عن تفصيل مهم؛ إذ إن 24% فقط من المواطنين يثقون بالحكومة بدرجة كبيرة، بينما يثق بها 43% بدرجة متوسطة. بمعنى آخر، فإن الجزء الأكبر من رصيد الثقة ليس ثقة راسخة أو مطلقة، بل ثقة مشروطة، قابلة للتراجع أو التحسن وفق الأداء والنتائج.
تبدو هذه الملاحظة ضرورية حتى لا نقع في المبالغة في تفسير النتائج؛ فالحكومة لا تتمتع بتفويض شعبي مفتوح، لكنها نجحت في الاحتفاظ بمستوى من القبول لم يكن مضموناً بعد عامين من العمل، وفي ظل ظروف اقتصادية وإقليمية صعبة، كما تتأكد هذه الصورة عند النظر إلى تطور تقييم قدرة الحكومة على تحمل مسؤولياتها، فقد بدأت الحكومة بنسبة 54% عند تشكيلها في أيلول 2024، ثم تراجعت إلى 51% بعد مئة يوم، قبل أن ترتفع إلى 65% بعد مئتي يوم، وتتراجع قليلاً إلى 61% بعد عام، ثم ترتفع إلى 62% بعد عام ونصف، وتصل إلى 64% بعد عامين، أما رئيس الوزراء نفسه، فقد بدأ بنسبة 57% عند التشكيل، وتراجع إلى 55% بعد مئة يوم، ثم قفز إلى 71% بعد مئتي يوم، قبل أن يستقر عند 67% بعد عام، و64% بعد عام ونصف، و66% بعد عامين.
تشير هذه الحركة إلى أن الحكومة لم تحقق صعوداً متواصلاً، لكنها نجحت في تجاوز التراجع المبكر، والمحافظة على مستوى من التقييم الإيجابي أعلى مما بدأت به، والأهم أن الفارق بين تقييم رئيس الوزراء وتقييم الفريق الوزاري بقي قائماً؛ فقد حصل حسان على 66%، مقابل 59% للفريق الوزاري، ما يعكس دور الشخصية القيادية للرئيس في تشكيل صورة الحكومة لدى المواطنين.
تتبدى الصورة بدرجة أكثر تعقيداً عند الانتقال إلى قادة الرأي؛ إذ تراجع تقييم الحكومة لديهم من 69% بعد عام ونصف إلى 59% بعد عامين، وتراجع تقييم الرئيس من 75% إلى 65%، والفريق الوزاري من 60% إلى 53%، ويبدو أنّ هذا التراجع، الذي لا يظهر بالوضوح نفسه لدى العينة الوطنية، يشير إلى فجوة متنامية بين الانطباع الشعبي العام والتقييم الأكثر متابعة وتفصيلاً للأداء الحكومي.
تكمن المفارقة الأخرى – في هذه الأرقام- أن 53% فقط من المواطنين يقولون إنهم يتابعون أداء الحكومة، مقابل 91% من قادة الرأي، مع ذلك فإن الثقة العامة متقاربة جداً بين العينتين. وهذا يثير سؤالاً عن مصادر تكوين الثقة: هل تعتمد على المتابعة التفصيلية للسياسات، أم على الصورة العامة لرئيس الوزراء، والانطباعات المتراكمة عن الاستقرار والخدمات والزيارات الميدانية؟
عمر الرزاز.. الاستثناء الذي سبق حسان
لا يمكن فهم تجربة حسان بصورة كاملة دون العودة إلى تجربة عمر الرزاز، التي تقدم حالة مقارنة مهمة، ليس فقط بسبب الخلفية التكنوقراطية المشتركة، بل أيضاً بسبب التفاوت الكبير في تقييم حكومته خلال مراحل مختلفة.
لقد جاء الرزاز إلى رئاسة الحكومة في حزيران 2018، في أعقاب احتجاجات شعبية واسعة ضد مشروع قانون ضريبة الدخل وسياسات حكومة هاني الملقي، كما منحته ظروف التشكيل رصيداً أولياً من التفاؤل، ارتبط بشخصيته وخلفيته الأكاديمية والإصلاحية، وبالآمال المعقودة على تغيير أسلوب إدارة الحكومة وعلاقتها بالمواطنين.
بيد أنّ هذا الرصيد لم يصمد على وتيرة واحدة، فقد أظهرت استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية تراجع تقييم قدرة الرزاز على تحمل المسؤوليات إلى 47% بعد عام من تشكيل حكومته، مقابل 41% للحكومة و33% للفريق الوزاري، ثم جاءت جائحة كورونا لتعيد تشكيل العلاقة بين الحكومة والمجتمع بصورة استثنائية، ففي خلال المرحلة الأولى من الجائحة، ارتفعت الثقة بإدارة الحكومة للأزمة بصورة لافتة، ووصلت إلى 91% في أحد استطلاعات آذار 2020، قبل أن تتراجع إلى 58% في حزيران من العام نفسه، مع ظهور التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لإجراءات الإغلاق وإدارة الأزمة.
من المفيد هنا التمييز بين الثقة بإدارة أزمة محددة وبين التقييم العام لقدرة الحكومة على تحمل مسؤولياتها، وعدم التعامل مع هذه المؤشرات وكأنها تقيس الشيء نفسه، في المقابل تظهر دلالتها السياسية واضحة؛ فقد امتلك الرزاز القدرة على تحقيق مستويات مرتفعة جداً من القبول في لحظات معينة، ولم تكن تجربة حسان الأولى من نوعها في هذا المجال.
من زاويةٍ أخرى تكشف المقارنة عن اختلاف مهم في مصادر الشعبية؛ فالارتفاع الاستثنائي في تقييم الرزاز خلال بداية الجائحة ارتبط بدرجة كبيرة بإدارة أزمة صحية وأمنية غير مسبوقة، بينما يبدو أن رصيد حسان يتوزع بين الأداء التنفيذي والخدمي، والزيارات الميدانية، والشعور العام بالاستقرار في محيط إقليمي مضطرب.
كذلك يختلف الرجلان في الخطاب السياسي؛ فقد جاء الرزاز محملاً بمفاهيم العقد الاجتماعي، والإصلاح السياسي، وتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكان أقرب إلى نموذج التكنوقراطي صاحب الرؤية السياسية الإصلاحية، أما حسان فيقدم نموذجاً أكثر تركيزاً على الإدارة والتنفيذ والمتابعة، مع حضور أقل للمفاهيم السياسية الكبرى في خطابه العام، وبالرغم من أنّه يتبنى بوضوح في ملامح خطابه نموذج التحديث السياسي بوصفه مشروعاً ملكياً- وطنياً أردنياً، وقد كان له دور في تأطيره ومتابعته لما كان مديراً لمكتب الملك، إلاّ أنّ مضامين التحديث السياسي لم تكن حاضرة بقوة في عمل الحكومة واهتماماتها ولا حتى في أغلب خطابها السياسي.
مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في هذا التمييز؛ فالرازز لم يستطع تحويل معظم طموحاته السياسية إلى إصلاحات مؤسسية عميقة، بينما يعمل حسان في مرحلة أُطلقت فيها بالفعل عملية التحديث السياسي، بما تتضمنه من قوانين للأحزاب والانتخابات، ومسار تدريجي نحو حكومات حزبية، فيما تشير تسريبات عديدة إلى أنّه ينوي تطعيم حكومته بقيادات حزبية خلال التعديل القادم المنتظر.
الوصفة التكنوقراطية.. لماذا تنجح؟
يمكن تفسير جانب من القبول الشعبي لحكومة حسان من خلال ما يمكن تسميته بـ”الوصفة التكنوقراطية التنفيذية”، التي تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: الحضور الميداني، والتركيز على الخدمات، وإبراز صورة رئيس الوزراء الذي يعمل ويتابع ويحاسب، ففيما يتعلق بالحضور الميداني، أظهر الاستطلاع أن 79% من المواطنين يؤيدون الزيارات التي يقوم بها رئيس الوزراء إلى المحافظات والمؤسسات والمشروعات، مقابل 75% من قادة الرأي، وبين مؤيدي هذه الزيارات، اعتبرت الغالبية أنها تتيح للرئيس الاطلاع المباشر على أحوال المواطنين ومشكلاتهم.
لا تتعلق هذه النتيجة – بالضرورة- بالزيارات بوصفها نشاطاً إعلامياً فقط، بل بما تحمله من رمزية سياسية؛ فالمواطن الذي يشعر بوجود مسافة كبيرة بينه وبين المسؤول يجد في حضور رئيس الوزراء إلى الميدان إشارة إلى أن الحكومة تحاول تجاوز الحواجز البيروقراطية التقليدية، لكن التأييد الواسع لا يعني أن الجميع مقتنعون بجدوى الزيارات؛ فبين المعارضين لها، رأى 68.3% من أفراد العينة الوطنية أن المشكلة تتمثل في غياب النتائج الملموسة، مما يضع حدوداً واضحة لفاعلية الأسلوب الميداني؛ إذ يمكن للزيارات أن تبني الانطباع الإيجابي، لكنها لا تستطيع المحافظة عليه إلى ما لا نهاية إذا لم تتحول إلى حلول عملية.
أما العنصر الثاني، فيتمثل في التركيز على الخدمات العامة والمشروعات التي يستطيع المواطن أن يلمس أثرها مباشرة، إذ أيد 91% من أفراد العينة الوطنية التأمين لعلاج السرطان للفئات العمرية المشمولة، وأيد 97% مشروع النقل المدرسي الحكومي، ورأى 86% أن بناء 86 مدرسة جديدة يمكن أن يسهم في معالجة الاكتظاظ، أما في مجال التحول الرقمي، فقد أفاد 89% من مستخدمي الخدمات الرقمية بأنها وفرت عليهم مراجعة المؤسسات الحكومية. تعكس هذه النتائج استعداد المواطنين لتقدير الإجراءات الإدارية والخدمية الواضحة، حتى في ظل استمرار المشكلات الاقتصادية الكبرى.
ثمة ضرورة هنا في التمييز بين تأييد مشروع حكومي وبين التحقق من نجاحه الفعلي؛ فبعض الأسئلة تقيس الموقف من مبادرات معلنة أو متوقعة، وليس بالضرورة نتائجها النهائية. ولذلك لا يجوز تحويل نسب التأييد المرتفعة تلقائياً إلى دليل على تحقق الإنجاز الكامل.
العنصر الثالث – من الوصفة التكنوقراطية- يتعلق بشخصية رئيس الوزراء وأسلوب العمل، وبالرغم من الاختلاف بينهما في الخلفية الثقافية والاجتماعية والمهنية، إلاّ أنّ كلاً من حسان والرزاز يشتركان في صورة المسؤول الذي يعمل لساعات طويلة ويتابع التفاصيل، وإن كان هذا الانطباع يحتاج إلى مؤشرات أكثر موضوعية قبل اعتماده تفسيراً علمياً للشعبية، بينما يمكن القول إن المواطن الأردني، الذي خبر حكومات كثيرة ووعوداً متكررة، أصبح أكثر ميلاً إلى تقدير الجدية الإدارية والقدرة على المتابعة، وربما أصبح أقل اهتماماً بالخطاب السياسي الذي لا يجد له ترجمة مباشرة في حياته اليومية.
الاستقرار الإقليمي.. العامل الذي لا يجوز تجاهله
من الخطأ تفسير القبول الشعبي لحكومة حسان من خلال أدائها التنفيذي وحده؛ فالحكومة تعمل في واحدة من أكثر المراحل الإقليمية اضطراباً، في ظل الحرب على غزة، وتصاعد التهديدات في الضفة الغربية، واتساع نطاق المواجهات الإقليمية، والمخاوف المتعلقة بأمن الأردن واستقراره، إذ تكشف نتائج الاستطلاع أن 56% من الأردنيين يرون أن الأمور في البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 33% يرون أنها تسير في الاتجاه الخاطئ. لكن الأهم من النسبة نفسها هو تفسير المواطنين لهذا الاتجاه؛ إذ إن 48.2% ممن يعتقدون أن الأمور تسير بصورة إيجابية يعزون ذلك إلى الأمن والاستقرار، مقابل 20.4% يتحدثون عن التطور والإصلاح.
تحمل هذه الأرقام دلالة سياسية كبيرة؛ فالاستقرار لم يعد مجرد عامل ضمن عوامل تقييم الأداء العام، بل أصبح، في ظل الأزمات الإقليمية، أحد أهم محددات المزاج الشعبي، قد تكون هذه الظروف قد منحت حكومة حسان فرصة للاستفادة من ارتفاع قيمة الاستقرار في الوعي العام، تماماً كما منحت جائحة كورونا حكومة الرزاز فرصة لتعزيز صورتها في مرحلة معينة، إلاّ أنّ الفارق أن إدارة الاستقرار في الأردن ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي نتاج عمل مؤسسات الدولة المختلفة، وفي مقدمتها المؤسسة الملكية والأجهزة الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، لذلك ينبغي الحذر من نسبة هذا الرصيد كله إلى رئيس الوزراء، في الوقت الذي يبدو فيه من باب التحليل السياسي عدم تجاهل انعكاسه الإيجابي على تقييم الحكومة.
الثقة المرتفعة والاقتصاد المتعثر
على الجهة المقابلة للملاحظات السابقة تظهر المفارقة الأبرز في نتائج الاستطلاع عند الانتقال من مؤشرات الثقة إلى مؤشرات الأوضاع الاقتصادية والمعيشية؛ فبينما تحافظ الحكومة على مستوى مرتفع نسبياً من القبول، يرى 44% من المواطنين أن أوضاعهم الاقتصادية أسوأ مما كانت عليه قبل عام، مقابل 43% يقولون إنها لم تتغير، و12% فقط يشعرون بتحسنها.
صحيح أن نسبة من يرون تراجع أوضاعهم انخفضت من 51% في استطلاع نيسان 2026 إلى 44% في الاستطلاع الحالي، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن الأغلبية الساحقة لم تشعر بتحسن اقتصادي مباشر، بينما تزداد أهمية هذه النتيجة عند النظر إلى ترتيب المشكلات التي يعتقد المواطنون أنها تتطلب تدخلاً حكومياً فورياً؛ فقد جاءت البطالة وقلة فرص العمل وضعف الدخل في المرتبة الأولى بنسبة 49.1%، تلتها قضايا الفقر وغلاء المعيشة بنسبة 18.6%، ثم الاقتصاد والاستثمار والمالية العامة بنسبة 7.1%.، إذ توضح هذه الأرقام أن الحكومة استطاعت بناء رصيد من الثقة رغم عدم قدرتها، حتى الآن، على إحداث تحول ملموس في الظروف الاقتصادية للأغلبية.
يمكن تفسير هذه المفارقة بعدة احتمالات؛ فقد يكون المواطنون أكثر واقعية في توقعاتهم من الحكومات، ويدركون أن معالجة البطالة والفقر تحتاج إلى وقت أطول من عمر حكومة واحدة، وربما يميزون بين المشكلات الاقتصادية الهيكلية المتراكمة وبين الجهد الذي تبذله الحكومة لمعالجتها، وقد يكون الشعور بالاستقرار، في ظل الظروف الإقليمية، قد خفف من أثر الإحباط الاقتصادي على تقييم الحكومة، إلاّ أنّ هذه التفسيرات تبقى فرضيات تحتاج إلى اختبار مستقل؛ فالاستطلاع يثبت وجود التباين بين الثقة والتقييم الاقتصادي، لكنه لا يحدد بصورة قاطعة الأسباب التي أنتجته، أما الأمر الأهم فيتمثل في أن استمرار هذه المفارقة قد يصبح تحدياً جدياً للحكومة؛ فالثقة المبنية على الانطباع الإيجابي والجهد الإداري يمكن أن تصمد لفترة، لكنها ستواجه اختباراً أصعب إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية دون تحسن ملموس.
هل ينتصر التكنوقراط على السياسيين؟
تقودنا المقارنة بين حسان والرزاز إلى سؤال يتجاوز الشخصيتين، ويتعلق بطبيعة النموذج الحكومي الذي يبدو أكثر قبولاً لدى المواطنين الأردنيين، فقد توحي التجربتان بأن رئيس الوزراء التكنوقراطي، الذي يركز على الإدارة والخدمات والإنجاز العملي، يمتلك فرصاً أكبر لبناء الثقة من رئيس الوزراء الذي يقدم نفسه بوصفه شخصية سياسية أو حزبية. لكن هذا الاستنتاج يحتاج إلى الحذر؛ لأن الاستطلاع لم يسأل المواطنين مباشرة عن تفضيلهم بين الحكومات التكنوقراطية والحزبية، كما أن الأردن لم يخض بعد تجربة مكتملة لحكومة حزبية برامجية يمكن مقارنتها بصورة عادلة بالحكومات التكنوقراطية.
المشكلة هنا ليست في التكنوقراط بوصفهم أصحاب خبرة وكفاءة، بل في تحويل الكفاءة الإدارية إلى بديل عن السياسة نفسها، فالحكومة، مهما بلغت قدرتها التنفيذية، ليست مجرد جهاز لإدارة الخدمات والمشروعات؛ إنها مؤسسة سياسية تتخذ قرارات تتعلق بتوزيع الموارد والأولويات الاقتصادية والضرائب والإنفاق العام، وتتعامل مع مصالح اجتماعية متعارضة، وتحدد خيارات تمس حياة المواطنين ومستقبل الدولة، وهذه القرارات لا يمكن اختزالها في الكفاءة الفنية، لأنها تنطوي على اختيارات سياسية وقيمية ينبغي أن تكون قابلة للنقاش والمساءلة.
من هنا تبدو تجربة الرزاز مختلفة نسبياً عن تجربة حسان؛ فقد كان الأول أكثر حضوراً في الخطاب السياسي الإصلاحي، لكنه لم ينجح في تحويل ذلك الخطاب إلى تحول مؤسسي كبير، بينما يقدم الثاني نموذجاً تنفيذياً أكثر وضوحاً، في مرحلة يفترض أنها تؤسس للانتقال نحو حكومات حزبية، وهنا تظهر مفارقة لافتة: قد ينجح رئيس الوزراء التكنوقراطي في تحسين أداء الحكومة وبناء الثقة بها، لكن نجاحه نفسه قد يعزز الاعتقاد بأن الحكومات الحزبية ليست ضرورة ملحة، وأن بالإمكان الاستمرار في الاعتماد على شخصيات تنفيذية ذات كفاءة، من دون الانتقال إلى نموذج سياسي مختلف.
التحديث السياسي أمام اختبار الكفاءة والتمثيل
لا يمكن فصل هذه المفارقة عن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه الملك عبد الله الثاني، والذي يقوم، في أحد أبعاده الرئيسية، على تطوير الحياة الحزبية والبرلمانية وصولاً إلى حكومات ذات قواعد سياسية وبرامجية، إذ يفترض هذا المسار أن تتحول الأحزاب تدريجياً من مؤسسات انتخابية محدودة التأثير إلى فاعلين يمتلكون برامج سياسية واقتصادية، وقادرين على المشاركة في تشكيل الحكومات وتحمل مسؤولية القرارات والنتائج، بيد أنّ نجاح النموذج التنفيذي في كسب القبول الشعبي يطرح تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة، لا تستطيع الأحزاب أن تطالب بدور حكومي أكبر اعتماداً على شرعيتها الانتخابية وحدها، من دون أن تقدم كفاءات وبرامج واقعية ومقنعة. ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن يتحول نجاح رئيس وزراء تكنوقراطي إلى مبرر لتأجيل التطور المؤسسي نحو حكومات أكثر تمثيلاً ومساءلة.
لا يوجد، من الناحية النظرية أو العملية، تناقض ضروري بين الكفاءة التكنوقراطية والحكومة الحزبية؛ فالحكومة الحزبية الناجحة تحتاج إلى خبراء ومديرين أكفاء، كما أن الحكومة التكنوقراطية تحتاج إلى رؤية سياسية تحدد الأولويات وتفسر الخيارات أمام المواطنين، إنما تظهر المشكلة عندما يصبح التكنوقراط بديلاً عن التمثيل السياسي، أو عندما تتحول الحزبية إلى محاصصة للمناصب على حساب الكفاءة، أما في الحالة الأردنية، ربما يتمثل التحدي الحقيقي في بناء نموذج هجين يجمع بين الجانبين؛ حكومة تستند إلى قاعدة سياسية وبرنامج واضح، لكنها تضم شخصيات ذات خبرة وقدرة تنفيذية، وتخضع للمساءلة البرلمانية والشعبية عن نتائج سياساتها.
من الثقة الشخصية إلى الثقة المؤسسية
تكشف المقارنة بين حسان والرزاز عن مشكلة أعمق في العلاقة بين المواطن والحكومة في الأردن؛ فجزء مهم من الثقة يبدو مرتبطاً بشخص رئيس الوزراء، وخلفيته وأسلوبه في الإدارة والتواصل، أكثر مما يرتبط بمؤسسة حكومية مستقرة أو برنامج سياسي قابل للاستمرار بعد تغير الأشخاص، فليس هذا الأمر جديداً في التجربة الأردنية؛ إذ شهدت البلاد رؤساء حكومات تمتعوا برصيد من الشعبية والقبول، لكن ذلك لم يتحول بالضرورة إلى ثقة مؤسسية مستدامة في الحكومات بوصفها مؤسسات مسؤولة أمام المجتمع، ويظهر هذا البعد في استمرار تفوق تقييم رئيس الوزراء على تقييم فريقه الوزاري، وفي قدرة بعض الشخصيات على تحسين صورة الحكومة دون أن يعني ذلك تغيراً جذرياً في تقييم المواطنين لأوضاعهم الاقتصادية أو للخدمات العامة.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إنتاج رئيس وزراء ناجح، بل في بناء آليات مؤسسية تسمح بتكرار النجاح، وتضمن استمرار السياسات الناجحة ومساءلة الحكومات عن الإخفاقات، فالثقة الشخصية، مهما كانت مرتفعة، تبقى معرضة للتآكل مع تغير الظروف والأشخاص، بينما تستند الثقة المؤسسية إلى وضوح المسؤوليات والبرامج، وإمكانية المحاسبة، وقدرة المواطنين على التأثير في الخيارات العامة من خلال المؤسسات التمثيلية.
في الخلاصة: ماذا تقول لنا تجربة حسان؟
لا يمكن التقليل من أهمية ما حققته حكومة جعفر حسان في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية؛ فقد نجحت، بعد عامين، في المحافظة على مستوى جيد من الثقة، وتحسين تقييم قدرتها على تحمل المسؤوليات، وبناء صورة إيجابية لرئيس الوزراء بوصفه مسؤولاً تنفيذياً يتابع التفاصيل وينزل إلى الميدان، إلاّ أنّ التجربة لا تمثل قطيعة كاملة مع تاريخ الحكومات الأردنية؛ فقد سبقتها تجربة عمر الرزاز، التي شهدت ارتفاعات استثنائية في القبول الشعبي، وإن اختلفت أسبابها وظروفها ومساراتها.
تسمح التجربتان بطرح فرضية مفادها أن الأردنيين يمنحون وزناً كبيراً للكفاءة التنفيذية والجدية الإدارية والاقتراب من مشكلاتهم اليومية، وربما أصبحوا أكثر ميلاً إلى تقييم الحكومات وفق ما تفعله، لا وفق ما تقوله عن نفسها، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انتصار التكنوقراط على السياسة، ولا يمثل حكماً شعبياً برفض الحكومات الحزبية. بل ربما يكشف عن ضعف التجربة الحزبية وعدم قدرتها، حتى الآن، على تقديم نموذج حكومي منافس ومقنع.
ما سبق يقودنا إلى المفارقة الرئيسية؛ فنجاح حسان قد يكون دليلاً على أهمية الكفاءة التنفيذية، لكنه لا ينبغي أن يصبح دليلاً على عدم الحاجة إلى التطور السياسي. فالأردن لا يحتاج إلى الاختيار بين حكومة جيدة في الإدارة وحكومة تمتلك قاعدة سياسية، بل إلى الانتقال نحو حكومات تستطيع الجمع بين الأمرين، في الخلاصة، لن تُكسر «لعنة الحكومات» بصورة نهائية بمجرد نجاح رئيس وزراء في الاحتفاظ بشعبيته لعامين أو أكثر، وإنما عندما تصبح الثقة بالحكومة نتيجة طبيعية لبرنامج واضح، وكفاءة تنفيذية، وتمثيل سياسي، ومساءلة مؤسسية، لا استثناءً يرتبط بشخصية رئيس الوزراء أو بظروف إقليمية عابرة.