حزب الأمة الأردني… هوية جديدة وإرث قديم

تناول المستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع، الدكتور محمد أبو رمان، في مقال نشرته صحيفة “العربي الجديد” بعنوان “حزب الأمة الأردني… هوية جديدة وإرث قديم”، التحولات التي يشهدها حزب الأمة في الأردن، “جبهة العمل الإسلامي سابقاً”، بعد انتخاب معاذ الخوالدة أميناً عاماً جديداً للحزب، في أول انتخابات قيادية بعد تغيير اسمه، وبعد حظر جماعة الإخوان المسلمين التي ارتبط بها الحزب تاريخياً وشكّلت مرجعيته السياسية والتنظيمية عقوداً طويلة.

وأشار أبو رمان إلى أن انتخاب الخوالدة يحمل دلالتين واضحتين؛ الأولى جيلية، فهو من مواليد 1985، وينتمي إلى جيل أصغر من القيادات التاريخية التي تعاقبت على قيادة الحركة الإسلامية والحزب، وكان من القيادات الشبابية وشارك في الحراك الشعبي عام 2011. أما الدلالة الثانية فتتعلق بموقعه داخل الخريطة الداخلية للحزب، إذ يُحسب على الاتجاه الأكثر اعتدالاً ومرونة، في مقابل منافسه النائب أحمد القطاونة، المحسوب على تيار الصقور.

ولفت المقال إلى أن نتيجة الانتخابات كشفت عن تقارب كبير في موازين القوى، بعدما حصل الخوالدة على 382 صوتاً مقابل 369 للقطاونة، قبل أن ينسحب الأخير من جولة الإعادة.

وبيّن أبو رمان أن معادلة القيادة الجديدة لم تُحسم بالكامل، إذ لا يزال أمام الخوالدة، وفق النظام الأساسي الجديد، اختيار أعضاء المكتب التنفيذي الذين يحتاجون إلى موافقة مجلس الشورى، مشيراً إلى أن “حضوراً قوياً للتيار الأكثر تشدداً في المجلس” يضع الأمين العام الجديد أمام اختبار مبكر يتعلق بتشكيل مكتب تنفيذي يستطيع العمل معه ويحظى في الوقت نفسه بقبول التوازنات الداخلية.

وأضاف أن المسألة الأهم لا تتعلق بالأسماء، بل بالسياسات التي ستنتج من تركيبة القيادة الجديدة، مشيراً إلى أنه إذا انتهى الأمر إلى مكتب تنفيذي توافقي بين الاتجاهين، فقد يجد الخوالدة نفسه أمام هامش محدود لإحداث تحولات كبيرة في خطاب الحزب وسلوكه السياسي وبناء مسارات جديدة للتعامل مع التحديات المقبلة.

وتناول المقال مستقبل الحزب بعد حظر جماعة الإخوان المسلمين، مشيراً إلى أن الجماعة أصبحت قانونياً خارج المشهد المسموح به، وأن الحكومة حظرت أنشطتها والانتساب إليها، مع بقاء اتجاهات، وفق النقاشات الداخلية، تتمسك بالاسم والرمزية التاريخية للجماعة وبفكرة استمرار التنظيم بصورة أو بأخرى إلى جانب الحزب المرخص.

واعتبر أبو رمان أن إحدى المهمات الرئيسية أمام القيادة الجديدة تتمثل في “حسم هذه المنطقة الرمادية، والفصل الواضح بين مرحلتين”، أي الانتقال من حزب كان يُنظر إليه بوصفه الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين إلى حزب سياسي قائم بذاته، له هويته الوطنية وبنيته التنظيمية وقيادته وقراره المستقل، من دون وجود قيادة موازية أو مسميات تنظيمية تعيد إنتاج البنية السابقة في الداخل.

كما أشار إلى تحدٍّ آخر يتعلق بضبط الخطاب السياسي والعلاقة بين القيادة الحزبية والكتلة النيابية، في ظل ما وصفه بتفاوت واضح في اللغة والسقوف السياسية، لافتاً إلى الحاجة إلى بناء أطر تنسيق أكثر فاعلية، من دون تحويل الكتلة النيابية إلى مجرد امتداد إداري للمكتب التنفيذي، وبما يضمن أن تعكس في النهاية التوجهات العامة للحزب وخياراته السياسية.

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الدولة، أشار أبو رمان إلى أن الحزب لا يزال قوة المعارضة الرئيسية في البلاد، وقد حقق في انتخابات 2024 نتيجة غير مسبوقة بحصوله على 31 مقعداً من أصل 138، لكنه أوضح أن هذه النتيجة لا يمكن التعامل معها بوصفها رصيداً ثابتاً قابلاً للتكرار تلقائياً في الانتخابات المقبلة، في ظل تغير البيئة السياسية وتوتر العلاقة مع دوائر القرار.

وطرح المقال سؤالاً استراتيجياً حول الصيغة التي يريدها الحزب لعلاقته مع الدولة خلال المرحلة المقبلة؛ بين اتجاه نحو ترميم العلاقة وإرسال رسائل سياسية جديدة وبناء الثقة وتحديد مساحة أكثر وضوحاً للمعارضة الممكنة، واتجاه يتمسك بخط معارض أكثر صلابة انطلاقاً من رؤية ترى أن المشكلة ليست في الحزب بقدر ما هي في سياسات الحكومات.

وأشار أبو رمان إلى أنه “لا توجد إجابة سهلة عن هذا السؤال”، موضحاً أن المسألة لا تتعلق بمجرد الاختيار بين الاعتدال والتشدّد، بل بتعريف الوظيفة السياسية التي يريد حزب الأمة القيام بها في النظام السياسي الأردني الجديد.

ولفت المقال إلى أن صعوبة هذا السؤال تزداد مع التحولات الإقليمية والدولية، من الحرب في غزّة ومستقبل الضفة الغربية والقدس والسياسات الإسرائيلية، إلى التغير في البيئة الدولية المحيطة بالحركات الإسلامية وصعود اتجاهات أكثر تشدداً تجاهها في عدة عواصم غربية.

واختتم أبو رمان مقاله بالإشارة إلى أن حزب الأمة اجتاز في فترة قصيرة منعطفات متعددة، شملت حظر جماعة الإخوان المسلمين، وتغيير اسم الحزب، وقضايا ومحاكمات طاولت بعض أعضائه ونوابه، ثم انتقال القيادة إلى جيل جديد.

وأكد أن السؤال الحقيقي “ليس ما إذا كان الحزب سيغير أسماء قياداته أو وجوه مكتبه التنفيذي، بل ما إذا كان يستطيع الانتقال فعلاً من جبهة العمل الإسلامي بما حملته من إرث العلاقة العضوية والتاريخية مع الجماعة، إلى حزب الأمة بوصفه حزباً سياسياً أردنياً يعيد تعريف هويته ووظيفته وعلاقته بالدولة وقاعدته الاجتماعية”، معتبراً أن المساحة بين “الهوية الجديدة والإرث القديم” ستحدد، على الأغلب، مستقبل الحزب خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى