اكتمال مجلس الشعب السوري: بينَ إرث الثورة وبناء الدولة

يدخل مجلس الشعب السوري الجديد الحياة العامة بوصفه إحدى اللحظات الكاشفة في المرحلة الانتقالية: لحظة تختبر فيها السلطة الجديدة شكل التمثيل السياسي، وتختبر فيها سوريا نفسها إمكان الانتقال من إرث الثورة إلى بناء الدولة. وقد جاء إعلان اللجنة العليا السورية للانتخابات، ثم إعلان الأعضاء المعيّنين من قِبل الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد أكثر من سبعة أشهر من الترقب منذ أول انتخابات جرت، ليضع البلاد أمام واحد من أبرز الاستحقاقات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري. [1]
لكن أهمية المجلس لا تقف عند تأخر الإعلان عنه، ولا عند وظيفته التشريعية وحدها، بل تمتد إلى ما قد يفتحه من إمكانات لولادة تيارات سياسية وأحزاب، وإعادة تشكيل النخب، وبناء المؤسسات، وتوسيع المجالين المدني والسياسي. ومن هنا، لا تبدو تركيبة المجلس محصورةً في أسماء الثلث المُكمِّل على أهميتها، بل نافذة على تصوّر إدارة المرحلة الانتقالية لفكرة التمثيل نفسها، وعلى طبيعة الدور المنتظر من أول مجلسٍ يأتي بعد سقوط النظام السابق. وهذا يكتسب وزناً أكبر إذا أُخذ في الاعتبار أنّ ولايته تمتد سنتين ونصفاً قابلة للتجديد، وأنه مرشّح لأن تكون دورته الأولى دورةً تشريعية بامتياز، في ظل حاجة آلاف المراسيم والقوانين إلى المراجعة، إلى جانب مئات مشاريع القوانين المنتظرة للإقرار.
من هنا، لا ينطلق النظر إلى المجلس من أحكام نهائية، بل من جُملة ملاحُظات أوليّة فرضها آلية تشكيله وتركيبته؛ لأنّ المحكّ الأخير سيظل في أدائه وسلوكه أكثر مما هو في لحظة ولادته.
الانتخابات: مسارٌ استثنائي وطويل
أُجريت انتخابات مجلس الشعب السوري وفق نظام انتخابي غير مباشر أقرّه الإعلان الدستوري، ونُظِّم بموجب مرسومين أنشآ اللجنة العليا للانتخابات وحدّدا عدد أعضاء المجلس بـ 210 أعضاء، يُنتخَب 140 منهم بصورة غير مباشرة، فيما يعيّن رئيس الجمهورية 70 عضواً. واعتمدت العملية على “الهيئات الناخبة”، وهي هيئات فرعية شُكّلت في الدوائر الانتخابية وفق معايير محددة، ومنحت صلاحية ترشيح المرشحين وانتخابهم، في محاولة للتعامل مع التحديات التي فرضتها أوضاع النزوح واللجوء على حدٍّ سواء، والانقسام الجغرافي، وتعذّر تنظيم اقتراع عام مباشر خلال المرحلة الانتقالية.
كما وأُجريت الانتخابات على مرحلتين تبعاً لتطوّر السيطرة الميدانية للحكومة السورية على الأراضي السورية. ففي المرحلة الأولى، التي كانت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، استُثنيت المناطق الخارجة آنذاك عن سيطرة الدولة، بما فيها أجزاء من محافظات الحسكة والرقة والسويداء كاملةً وبعض مناطق حلب، واقتصر عدد المنتخبين على 119 عضواً، ضمّ فيه 6 نساء، و14 مقعدٍ تقريباً ذهبت للمكوِّنات الدينية والعرقية. قبل أن تُستكمل الانتخابات لاحقاً في مناطق سيطرة قوّات سوريا الديمقراطية شمال شرقي البلاد التي عادت إلى سيطرة الحكومة خلال عام 2026، وصولاً إلى لحظة إعلان القائمة الرئاسية المكوّنة من 70 عضواً، واكتمال تشكيل المجلس.[2] ورغمَ إمكان فهم هذه الآلية بمنطق الهندسة الانتخابية فهي في أصلها أداة وظيفية لتجويد العملية الانتخابية وما يشوبها بدءاً من القوانين وليسَ انتهاءً بالعملية ذاتها وما أفرزته من نتائج.
وبالنظر إلى هذه الآلية، يَصعُب قراءة تركيبة المجلس باعتبارها انعكاساً لنتائج الانتخابات وحدها؛ إذ إن تصميم العملية الانتخابية نفسها، القائم على الهيئات الناخبة والتعيين الرئاسي، يجعل فَهم هُويّة المجلس مَرتبِطاً بآلية تشكيله بقدر ارتباطه بصناديق الاقتراع، وربما أكثر فهو حصيلة انتخابات وهندسة انتقالية أيضاً ستظهر حدودها وإمكاناتها في سلوكه في قادم الأيّام.
وإذا كانت آلية تشكيل المجلس تحدّ من إمكان اعتباره انعكاساً مباشراً للإرادة الانتخابية، فإن صلاحياته الدستورية بدورها تطرح تساؤلات إضافية حول دوره الفعلي خلال المرحلة الانتقالية، خصوصاً محدودية أدوات الرقابة، مثل حق منح وحجب الثقة عن الحكومة، فضلاً عن المراسيم التشريعية التي صدرت رغم أنها من صلاحيات المجلس فقط. وهو ما سيفرض على المجلس ثِقلاً في الأدوات التي من الممكن أن يطوّرها ويستثمرها لتجاوز هذه المحدودية في أدوات الضغط والتأثير.
تركيبة المجلس وتركيبة التعيين: ملاحظاتٌ أوليّة
سادت التوقعات بأن يكون التمثيل تعبيراً عن النُّخبةِ الحاكمة في سوريا ممثلةً بـ هيئة تحرير الشام والتي تحوّلت اليوم إلى طبقةٍ سياسية في سوريا موزّعة على مراكز صنع القرار بمستوياته المختلفة، عزّزها الحديث عن احتمالات تعيين أسماء من الوزراء والمسؤولين في الدولة لضمان رئاسة المجلس وانسجامها مع إدارة البلاد. غيرَ أنّ الإعلان عن التعيينات الذي جاءً بعد طولِ ترقّب وجدلٍ تَبِعَهُ أظهر تركيباً مختلفاً عمّا كان متوقعاً، سواءً من حيث الخلفيات السياسية والاجتماعية والانتماءات المناطقية، فضلاً عن الجمع ما بينَ مجتمعي ما قبل الثورة وما بعدها، وإن ظلّ الثقل بطبيعة الحال لصالح الأخيرة.
وقد ضمّ التشكيل المُكمِّل أعضاءً من الائتلاف السوري المُعارض والذين يقدّر عددهم بحوالي 9 مقاعد من أبرزهم أنس العبدة وبدر جاموس، وقادة فصائل سابقة مثل منذر سرّاس القائد العام لفيلق الشام محافظة حمص والمعروف أيضاً بارتباطه وعلاقته مع الأوساط التركية، وايضاً القائد السابق في حركة أحرار الشام حسن دغيم، وكذلك كنان النّحاس، وشيوخ عشائر ووجهاء اجتماعيين خصوصاً في شمال شرق سوريا. وكان لافتاً تعيين الشيخ عبد المنعم الناصيف رئيس مجلس القبائل والعشائر السورية، والذي دعا العشائر والقبائل السورية “للنفير العام” في أحداث تمّوز/يوليو الماضي في السويداء. وقد يعكس اختيار شخصية بهذا الموقع الرمزي إدراكاً متزايداً لدور العشيرة والقبيلة كفاعل اجتماعي وسياسي وعسكري عائد إلى واجهة المشهد السوري، خصوصاً بعد حضورها خلال أحداث السويداء وأحداث شمال شرق سوريا مطلع هذا العام. و وهو ما لا يبدو منفصلاً عن محاولة استيعاب عودة هذا الفاعل ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية، في مقابل استبعاد أو غياب شخصيات عشائرية أخرى ذات وزن وثُقل. إذ أصدرت قبيلتي البقارة/البكّارة والبوسرايا بياناتِ تتنقد تهميش كلّ منهما في حصّة التعيين. وهو ما يعكس التنافس داخل البنية العشائرية نفسها حول أحقية التمثيل، ويشير إلى أن إدماج العشائر في مؤسسات المرحلة الانتقالية لا يرتبط فقط بحجم حضورها الاجتماعي، بل أيضاً باختيار ممثليها والجهات القادرة على احتكار تمثيلها السياسي. وعلى المستوى الجغرافيّ كان الثقل الأكبر لصالح محافظة حلب بمجموع 46، وبأقلّ نسبة لمحافظات الجنوب عموماً في مؤخرتها محافظة السويداء بمجموع مقعدين.
وفي المُقابل ، يُلاحَظ غياب عدد من الفواعل السياسية والاجتماعية التقليدية عن المشهد، كرجال الدين والشبكات الدينية والعلمائيّة في دمشق، وطبقة التُجّار في حلب، وتبنّيهم ودعمهم لمرشحٍ أو صناعي. بالمقابل صعود فواعل جديدة في المشهد، كالعشيرة في دير الزور برمزيتها، خصوصاً بعد عودة العشيرة والقبيلة كفواعل أساسي في المشهد السوري منذ سقوط النظام وهو ما قد يرجع إلى علاقاتها مع الإدارة الجديدة ابتداءً ومن ثم شعورها بعودة التمثيل بقيام حكم ” سني”، وتيار آخر يمكن وصفه بأنه ثوري حداثي بتمثيل واسع، ينتمي إلى الثورة وقيمها من دون اصطفاف أيديولوجي حاد. وقد يكون هذا أحد آثار سنوات الثورة نفسها، كما قد يرتبط أيضاً بغياب المعلومات الكاملة عن بعض من ترشحوا، وبصورة أكبر عن بعض من عُيّنوا.
رغم ذلك يُمكن ومن زاوية اجتماعية ومهنية أكثر منها سياسية، يمكن قراءة المجلس بوصفه يضم كتلًا متداخلة: كتلة ثورية ذات خلفية عسكرية، وكتلة تكنوقراط ومهنيين تضم أكاديميين وأطباء ومهندسين ومحامين وقضاة منشقين، وفاعلين في المجتمع المدني والإغاثي ووجهاء محليين، ورجال أعمال، وكتلة عشائرية متمركزة في شمال شرق البلاد. غير أن هذه التكوينات تبدو، حتى الآن، أقرب إلى مظلة تمثيلية واسعة منها إلى كتل سياسية متماسكة؛ أي إلى محاولة لتوسيع قاعدة التمثيل وإضفاء قدر من التوازن والطمأنة الداخلية والخارجية، أكثر من كونها تعبيراً عن اصطفافاتٍ صلبة داخل المجلس.
ولعل هذا ما يفسر أيضاً ترك المجلس، في صيغته الحالية، من دون هوية سياسية نهائية واضحة، تماماً كما هو حال ملفات كبرى ما تزال معلقة: العلاقة بين الدين والدولة، وشكل النظام الاقتصادي، وطبيعة النظام السياسي، وموقع المكونات السياسية الأخرى في الحياة العامة. فالمجلس، بهذا المعنى، يَعكس انتقالاً لم تستقر خرائطه بعد، أكثر مما يعلن نهاية ذلك الانتقال.
ويؤكد هذا الاستنتاج أنّ المرشحين، خلال الانتخابات، لم يقدموا أنفسهم بوصفهم ممثلين لتيارات أو أحزاب، باستثناء كتلة واحدة في دمشق، وذلك بسبب غياب الأحزاب المنظمة قانونياً، وتبعثر كثير من كوادرها، وعدم عودة عدد كبير منها إلى البلاد. كما لم تُنتج الانتخابات ولا التعيينات، حتى الآن، كتلًا أيديولوجية واضحة أو تنافساً قائماً على البرامج. ومع ذلك، يلحظ أنّ الغالبية تميل، في معناها المجتمعي والثقافي العام، إلى التيار المحافظ، وإن بدرجات متفاوتة بين محافظة وأخرى.
وبعيداً عن الجدل المتضمّن حول عدد النساء في المجلس المنتخبات والمعيّنات على حدٍ سواء كمُحصِّلة 21 مقعداً إلّا أنه من اللافت أن التمثيل النسائي لم يراعِ الاختلافات بين كلّ المدينة، والريف، والبادية، والأطراف. واقتصاره في تمثيله على المُدن. وهو جدلٌ وصِدامٌ قديم-جديد في السياق السوريّ.
الملاحظة الثانية وهيّ من فترة الانتخابات: إذ لم يقدم أيّ مرشح نفسه عن تيارٍ أو حزب باستثناء كتلة واحدة في دمشق، لعدم وجودها وتبعثر قوتها وتنظيمها، وعدم عودة الكثير من كوادرها للبلاد. إضافةً إلى غياب الأحزاب السياسية المنظَّمة قانونيًا وحملات التنافس القائمة على البرامج، وهو القانون الذي سيكون على جدول أعمال المجلس لإقراره. لم تُفرز الانتخابات ولا التعيين كتلًا أيديولوجية واضحة أو اصطفافاتٍ منظّمة أو صلبة داخل مجلس الشعب حتى الآن..
رغم الحِراكات المناطقية التي يتم الحديث عنها من أجل ضمان رئيس المجلس والاتفاقات غير المُعلنة لتوحيد المواقف مثل أعضاء مجلسي في الشعب في كلّ من حلب واندماج دمشق وريفها كتكل وهو ما يطرح سؤالا يستحق المتابعة حول التحوّل نحو الانتماءات المناطقية في المرحلة الانتقالية.
أما الغياب الأكثر لفتاً فهو غياب الإخوان المسلمين، رغم كل ما أثير عن مشاركتهم في حلب، ورغم دعوتهم إلى إجراء الانتخابات قبيل حصولها، ومحاولاتهم مدّ جسور مع الإدارة الجديدة. وهو غياب يبدو متوقعاً من زاوية إرث الثمانينيات، وما أصاب الجماعة خلال سنوات الثورة، وتشظيها في الخارج، لكنه يظل محل ترقب، ولا سيما على مستوى الإقليم الذي يراقب موقع الجماعة ونشاطها في سوريا. وكذلك لوحظ غياب أسماء كبيرة من التيار المدني برزت خلال سنوات الثورة وما قبلها.
وعلى مستوى التيار المدني أيضاً لوحظ غياب الأسماء الكبيرة البارزة التي برزت على الساحة خلال سنوات الثورة وما قبلها من مثل معاذ الخطيب الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري المعارض الذي زار الشرع قبل مدة وكان هنالك حديث عن إمكانية تعيينه في المجلس قبلَ أن يتم الحديث عن رفضه. وبما يتصل في ذات السياق من حيث الغياب يُلاحظ غياب التعيين الكردي من شخصيات محسوبة على “قسد” أو مقرّبة منها. رغمَ إع حصول المكوّن الكردي على 6 مقاعد 3 منها لصالح “المجلس الوطني الكردي” المعروف بعلاقته المتوترة مع قسد، وهو ربما في محاولة لتحجيم دورها وتهميشها بما يحدّ من الوزن التمثيلي الذي كان يمكن أن يمنحها قوةً إضافية في المواقف التفاوضية، ولا سيما في مراحل دمجها.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول، بتقدير أولي، إن المجلس يميل في غالبيته إلى يمين الوسط، من غير أن تكون هويته السياسية قد تبلورت نهائياً. فهو أقرب، حتى الآن، إلى بنية انتقالية مفتوحة على إعادة التشكُّل، وسيُحكم عليه لاحقاً من خلال موقعه الفعلي من السلطة التنفيذية والقضائية، ومن مؤسسة الحكم برمتها.
خاتمة
في السياقات الانتقالية، يكثر الحديث عن الانتخابات، وعن الاستشهاد بتجارب متعثرة وناجحة ومترددة في آن، من العراق ولبنان إلى ليبيا، وصولاً إلى بعض بلدان أفريقيا وأميركا اللاتينية. غير أنّ لكل تجربة خصوصيتها، حتى وإن أمكن الاستئناس بغيرها. والثابت هنا أنّ العملية الانتخابية، وتشكيل المجالس التشريعية، يظلان معطىً أساسياً في بناء التوافقات، وإزالة آثار الموروث الاستبدادي، وتجديد النخب السياسية، خصوصاً في المراحل الانتقالية.
لكن مسارات الانتقال لا تسير بخط مستقيم، ولا تكفي فيها النظرية وحدها. ولذلك تبدو التجربة السورية جزءاً من هذا النمط العام، لا استثناءً منه. ورغم كل ما شاب التجربة من الانتخابات وتشكيل الهيئات الناخبة إلى التعيين وشكله، وسيظل نجاحها أو تعثرها رهناً بما سيصحبها من سلوك سياسي ومؤسسي، وفي المقدمة من ذلك سلوك المجلس الجديد نفسه: قدرته على الحفاظ على استقلاله، وعدم تحوله إلى أداة وظيفية، ونجاحه في التعامل مع الملفات الثقيلة الملقاة على عاتقه خصوصاً تأثيره على السياسات العامة ومصير الدولة في مرحلتها الانتقالية، ثم ما يمكن أن يفتحه من إمكانات لعقد انتخابات ديمقراطية تمثيلية كاملة في دورته القادمة، ومن ثمَّ لعودة المجتمع المدني السوري بوصفه سنداً ضرورياً، لا تفصيلاً هامشياً، في حماية المسار الانتقالي وبناء الدولة.
[1] كتبت هذه المادة قبلَ الإعلان عن تأجيل انعقاد أولى جلسات المجلس حتى إشعارٍ آخر، والتي يُرجّح فيها أن السبب زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا في ذات يوم انعقاده. غيرَ أن مصادر تشير إلى أنّ عدّة سبب تقف وراء ذلك منها الاعتراضات من قبل أعضاء المجلس على لائحة تعليمات الجلسة، وأخرى إلى عدم التوافق حتى اللحظة حول “رئاسة المجلس” ومحاولة التحكّم فيها وضمانها من إدارة البلاد.
[2] مع الإشارة إلى بقاء 3 مقاعد مخصصة لمحافظة السويداء عن طريق الانتخاب. إضافةً إلى مقعد شاغر للنائب المتوفى المنتخب مصطفى كلثوم، الممثل عن منطقة جسر الشغور التابعة لمحافظة إدلب.