الحوثيون عند باب المندب: اليمن من أزمةٍ داخلية إلى معادلة ردعٍ إقليمية

أُعدّت هذه الورقة استنادًا إلى جلسة نقاشية عُقدت مع الأستاذ نبيل البكيري، وبمساهمة تحليلية من الأستاذ عادل دشيلة

  • الانسداد السياسي وغياب المقبولية الاجتماعية دفعا الجماعة إلى مسارٍ بديل قوامه التنظيم المسلح
  • قبول طرفٍ مسلح في عمليةٍ تفاوضية دون اشتراط نزع سلاحه أتاح له أن يراكم شرعيةً سياسية وقوةً عسكرية في الوقت نفسه
  • الأجيال التي تشكّل وعيها قبل 2004 لا خوف عليها؛ الخطر على الجيل الذي وُلد بعده
  • المشكلة الجوهرية في هذا تشكيل المقاومة الوطنية على الساحل الغربي أنه بلا عقيدة قتالية واضحة: خطابه التعبوي الداخلي وجّه بوصلة العداء نحو التيار الإسلامي أكثر مما وجّهها نحو الانقلاب
  • أنجزت إيران، عبر وكيلٍ محلي وبكلفةٍ زهيدة، ما تعجز عنه ترسانات كاملة، وحوّلت الجغرافيا إلى أداة ردعٍ أشد أثراً وأقل كلفة سياسية من السلاح النووي نفسه
  • الخلاصة العملياتية أن الجماعة لا تحتاج إلى إغلاق المضيق، تكفيها قدرة السوق على تصديق أنها قادرة على إغلاقه
  • الخلل الاستراتيجي في منظومة أمن الملاحة في البحر الأحمر يبدأ في صنعاء، ولا يبدأ في المخا أو ذباب أو ميون
  • نحن أمام نظامٍ إقليمي منصهر، لم يبرد بعد في قالبه الجديد، وكلما حاولت الدول تثبيت توازنٍ ما، تحركت من تحته شبكات اللادولة لاختبار صلابته
  • نجاح التجربة الحوثية في انتزاع اعترافٍ أو مكسبٍ استراتيجي سيحوّلها إلى نموذجٍ قابلٍ للتصدير، الجماعة الحوثية هي اليوم أهم أدوات هذه المسألة وأكثرها فاعلية، مع بقاء جوهرها في مكانٍ آخر
  • الرياض تريد غطاءً دولياً واضحاً قبل أي عمليةٍ برية واسعة، ولم تحصل عليه حتى اللحظة، وهذا هو التفسير الأدق لتأخر الحسم أكثر من أي تفسيرٍ يتعلق بالقدرة
  • للمرة الأولى منذ سنوات تواجه الجماعة ضغطاً عسكرياً متزامناً على أكثر من جبهة، وهذا وحده يفسّر جانباً من ارتفاع سقف تصعيدها
  • السؤال الذي يجب أن يُطرح في العواصم العربية اليوم ليس ما إذا كانت الحرب اليمنية ستستمر، السؤال هو ما إذا كانت ستبقى داخل حدودها اليمنية أم ستتحول إلى بوابةٍ لاختبار النظام الإقليمي كله من أطرافه

مضيقٌ بلا أسطول

منذ الثالث من سبتمبر/أيلول الجاري، دخل اليمن أعنف جولات قتاله منذ انهيار هدنة عام 2022، وانتهت الجولة الأولى منها بتحوّلٍ لم يكن وارداً في أي من تقديرات الأعوام الثلاثة الماضية: عودة جماعة الحوثي إلى سواحل البحر الأحمر الجنوبية بعد ثمانية أعوام من إخراجها منها. سقطت المخا وذباب، وتبعتها الخوخة وحيس، وامتدت السيطرة إلى جزر حنيش وجزيرة ميون التي تتوسط المضيق، في عمليةٍ حملت اسماً عقائدياً صريحاً، وأفضت إلى ضمّ ما يقارب خمسة آلاف وأربعمئة كيلومتر مربع إلى نطاق الجماعة، ووضعت مقاتليها على مسافةٍ تقل عن أربعين كيلومتراً من أكبر قاعدة أمريكية في القرن الأفريقي.[1]

هذه الوقائع تُقرأ عادةً بوصفها انتصاراً حوثياً وهزيمةً حكومية، القراءة الأدق تقول إن الطرفين غيّرا موقعهما في المعادلة دون أن يغيّرا طبيعتهما: جماعةٌ جبلية ورثت شريطاً ساحلياً مكشوفاً لا تملك أسطولاً يحميه، وسلطةٌ شرعية فقدت ساحلاً واكتسبت، للمرة الأولى منذ عشر سنوات، منطق غرفة عمليات واحدة. الأرض التي دخلها الحوثيون أرضٌ منبسطة، وخطوط إمدادها تمتد نحو ثلاثمئة كيلومتر في مناطق مكشوفة، وحاضنتها الاجتماعية ليست حاضنتهم. وهي بالضبط الأرض التي خسروها في 2017 خلال أسابيع.[2] المكسب هنا تكتيكي في جوهره، وتحوّله إلى مكسبٍ استراتيجي رهنٌ بعجز خصومهم عن الاستثمار في هشاشته.

تراكم الأسباب: كيف صار الحوثيون لاعباً إقليمياً

الخطأ التحليلي الأكثر شيوعاً في قراءة الملف اليمني هو نظرية السبب الواحد، الوصول إلى باب المندب حصيلة تراكمٍ طويل من القرارات الخاطئة والتحالفات المؤقتة، تعود بداياته إلى ثمانينيات القرن الماضي حين فتحت مؤسسة تصدير الثورة الإيرانية قنوات اتصال مع عددٍ من علماء الزيدية في صعدة، رغم التوتر التاريخي بين الزيدية والإثني عشرية الذي بلغ في مراحلَ سابقة حدّ الفتاوى المتبادلة بالتكفير. أثمرت تلك القنوات في التسعينيات تنظيماً ثقافياً توعوياً عُرف باسم “منتدى الشباب المؤمن”، وامتداداً حزبياً خاض انتخابات 1993 و1997 ولم يحصد سوى مقعدٍ أو مقعدين من أصل أكثر من ثلاثمئة.

ذلك الفشل الانتخابي هو المفصل الأول، الانسداد السياسي وغياب المقبولية الاجتماعية دفعا الجماعة إلى مسارٍ بديل قوامه التنظيم المسلح، فانفجرت المواجهة في صعدة عام 2004 واستمرت ستّ جولات حتى 2010، قُتل خلالها مؤسس الجماعة، وانتقلت القيادة داخل الأسرة نفسها وفق منطقٍ هرمي وراثي. وفي كل تلك الجولات جرى التعامل مع الجماعة بوصفها حجر دومينو في لعبةٍ داخلية: استُخدمت لتصفية حسابات رأس النظام مع قياداتٍ عسكرية كان يخشى منافستها، في سياق مشروع توريثٍ لم يكتمل.

المفصل الثاني جاء مع الربيع العربي، نزل الحوثيون إلى الساحات، وتخلّوا ظاهرياً عن خطاب السلاح، ورفضوا المبادرة الخليجية ثم انخرطوا في مؤتمر الحوار الوطني. قبول طرفٍ مسلح في عمليةٍ تفاوضية دون اشتراط نزع سلاحه أتاح له أن يراكم شرعيةً سياسية وقوةً عسكرية في الوقت نفسه، وهو خطأ تأسيسي تدفع المنطقة ثمنه حتى اليوم. انتهى المسار في 21 سبتمبر 2014 بسقوط صنعاء، بتحالفٍ مع الرئيس الأسبق نفسه الذي حاربهم ستّ مرات.

المفصل الثالث هو عقد التحالف العربي، عشر سنوات كان يُفترض أن تُنجز فيها استعادة الدولة، انتهت إلى تشقق الشرعية نتيجة تناقض أجندات طرفيه الرئيسيين، وإلى نشوء تشكيلات مسلحة خارج إطار وزارة الدفاع، وإلى إخراج الحكومة الشرعية من عدن أكثر من مرة. وفي ديسمبر الماضي بلغ هذا التناقض ذروته بإخراج الإمارات من التحالف وتقليص تمثيلها في مجلس القيادة الرئاسي.

المفصل الرابع هدنة 2022، استثمرتها الجماعة في إعادة بناء قواتها وإعادة ترتيب أجهزتها العسكرية والاستخبارية بإشرافٍ إيراني، في وقتٍ كانت فيه الشرعية تستهلك نفسها في خلافاتها الداخلية. والمفصل الخامس هو ما بعد السابع من أكتوبر، كانت الجماعة عشية ذلك التاريخ على حافة انفجارٍ داخلي: اقتصادٌ منهار، رواتب متوقفة، ممارسات قمعية تجاه القبائل والمجتمع المدني، عسكرةٌ شاملة للتعليم والجامعات وحتى المساجد، واحتجاجات في شوارع صنعاء. وفّرت عمليات البحر الأحمر مخرجاً مثالياً من هذا المأزق: شرعيةً خارجية وزخماً إقليمياً وغطاءً أخلاقياً لعمليات تجنيدٍ واسعة استهدفت المراهقين تحت شعار نصرة غزة.

الحاضنة المصنوعة: الخطر الذي ينضج ببطء

لا توجد إحصاءات رسمية ودقيقة تحدد نسبة الزيدية من سكان اليمن، ولا سيما في المرتفعات الشمالية التي تُصنَّف تاريخيًا وجغرافيًا ضمن المجال الزيدي؛ إذ لا يعني الانتماء إلى هذه البيئة بالضرورة انتماءً مذهبيًا زيديًا، كما أن التقديرات المتداولة حول حجم الزيدية تظل غير مؤكدة. وينبغي كذلك التمييز بين الزيدية بوصفها مذهبًا دينيًا ذا امتدادات جغرافية واجتماعية وتاريخية، وبين جماعة الحوثيين بوصفها جماعة سياسية وعقائدية تنتمي إلى المذهب الزيدي، لكنها تتبنى مشروعًا خاصًا يستند في مرتكزاته الدينية إلى تأويل محدد لمفهوم الإمامة وحق آل البيت في القيادة والحكم. وعليه، لا يمكن تحديد حجم الحوثيين داخل المجال الزيدي إحصائيًا بدقة، ومن هذه الزاوية يمكن وصفهم بأنهم أقلية داخل أقلية مقارنة بإجمالي سكان اليمن، مع التأكيد أن هذا توصيف تحليلي لا يستند إلى إحصائية رسمية.

الأهم أن اليمن الجمهوري، منذ 1962 حتى 2014، أنتج أجيالاً تجاوزت المذهبية عملياً، المناهج الدينية التي دُرّست لأكثر من نصف قرن كانت أقرب إلى الفقه المقارن، واستندت إلى تقليدٍ فقهي يمني عريق يُعرف بمدرسة الإحياء والتجديد، وهو تقليد قوامه الأخذ بالدليل وتجاوز المذهبية المغلقة. جيلٌ كامل نشأ دون أن يعرف تصنيفه المذهبي. والحوثية منذ الثمانينيات اشتغلت على عكس هذا التيار تماماً، فبنت محاضن مغلقة في المناطق النائية وحول العاصمة، وربّت فيها شباباً على مقولاتٍ مذهبية تصادمت مع المناهج الرسمية وبنية المجتمع الجديدة، حتى انفجرت في حرب 2004.

هنا يكمن الخطر الحقيقي، الأجيال التي تشكّل وعيها قبل الانقلاب لا خوف عليها؛ الخطر على الجيل الذي وُلد بعده. عشر سنوات مدةٌ كافية لتشكيل جيل: الطفل الذي كان في عامه الأول يوم سقطت صنعاء يبلغ اليوم الثانية عشرة، وقد تشكّل وعيه بالكامل داخل منظومةٍ أعادت صياغة المناهج الدراسية على أساسٍ طائفي، ووظّفت منابر المساجد والإعلام الموجّه والقنوات الفضائية في مسارٍ واحد، وحوّلت المخيمات الصيفية إلى معسكرات تعبئة مبكرة، ومنحت الطلاب درجاتٍ وشهادات مقابل فتراتٍ من “المداومة” في جبهات القتال بدل قاعات الامتحان.[3] هذه الجماعة لم تعد تستورد مقاتليها من المجتمع، صارت تصنعهم داخل مؤسساتها، وهو ما يجعل أي معالجة عسكرية قصيرة الأمد قاصرة عن معالجة أخطر ما في الظاهرة: تحوّلها من تنظيمٍ مسلح إلى مشروع هندسةٍ اجتماعية طويل النفس يهدد بنية النسيج الوطني اليمني.

ثلاث كتلٍ ومركز قرارٍ غائب

في مقابل هذه البنية المتماسكة، يتوزع الطرف الآخر على ثلاث كتل اجتماعية وعسكرية رئيسية، لكل منها منطقها الخاص:

الكتلة الأولى هي التيار الإسلامي المنضوي في التجمع اليمني للإصلاح، الرواية الشائعة التي تروّجها الجماعة الحوثية، ومفادها أن الإصلاح يتخذ موقفاً محايداً ويرفض الانخراط في الحرب، رواية تفتقر إلى الدقة وتؤدي وظيفة نفسية واضحة. الإصلاح هو عمود هذه الحرب ومستهدفها الأول في آن واحد؛ فحين انهار الجيش اليمني بالكامل عام 2015 لم يواجه الانقلاب سوى شباب المقاومة الأولى في تعز وعدن ومأرب وإب، ومعظمهم من قاعدة هذا الحزب، وهم النواة التي جرى دمجها لاحقاً في القوات المسلحة. ما يميّز موقف الإصلاح فعلياً هو رفضه التموضع خارج مؤسسات الدولة؛ فهو رفض القتال بوصفه ميليشيا تحمل اسمه، وطالب الدولة بتحمّل مسؤوليتها في مواجهة الانقلاب، وهذا الالتزام بالشكل المؤسسي هو ما يفسّر لحظة الارتباك والانسحاب في صنعاء أواخر 2014.

الكتلة الثانية هي القوى ذات المرجعية السلفية، وفي مقدمتها قوات العمالقة التي تأسست بدعم التحالف العربي عام 2016، وقوة الطوارئ. قياداتها سلفية، وقاعدتها المقاتلة من عموم القبائل والمناطق اليمنية شمالاً وجنوباً، مع غلبةٍ للطابع الجنوبي بحكم أن مناطق انتشارها محررة. هذه القوات هي التي حررت الساحل الغربي في 2015 و2016، وهي اليوم ثقلٌ عسكري حاسم في إدارة المعارك. مشكلتها البنيوية أنها، رغم تبعيتها الشكلية لوزارة الدفاع، مستقلةٌ عملياتياً ومالياً وإدارياً.

الكتلة الثالثة هي المقاومة الوطنية على الساحل الغربي، التي تشكّلت أواخر 2017 عقب مقتل الرئيس الأسبق، وأُعيد تنظيمها وحشد عناصرها مطلع 2018، وظهرت كقوة فاعلة في أبريل من العام نفسه. تشكيلٌ قوامه بقايا الحرس الجمهوري وشبابٌ انخرطوا بدوافع اقتصادية، جرى تسليحه بأسلحة نوعية وتكتيكية متقدمة حتى قُدّر تعداده بنحو خمسين ألف مقاتل، وظل طوال ثمانية أعوام خارج منظومة وزارة الدفاع. المشكلة الجوهرية في هذا التشكيل أنه بلا عقيدة قتالية واضحة: خطابه التعبوي الداخلي وجّه بوصلة العداء نحو التيار الإسلامي أكثر مما وجّهها نحو الانقلاب، وجرى تموضعه في مناطق تهامية ساحلية لا تربطه بها صلة اجتماعية، فصار أشبه بجزيرةٍ معزولة: تسليحٌ ثقيل بلا حاضنة، وانضباطٌ شكلي بلا عقيدة.

أربعٌ وعشرون ساعة في المخا: تشريح انهيار

سقوط المخا في أقل من يومٍ واحد يُفسَّر في الخطاب الشعبي اليمني بالخيانة، ولكن هنالك خمسة عوامل تضافرت لإنتاج هذا الانهيار: أولها غياب غرفة عمليات موحدة، القوات الموجودة على الساحل كانت تتبع ثلاث مرجعيات على الأقل، ولا تشترك في خطة عملياتية واحدة ولا في تبادلٍ منظم للمعلومات. وثانيها الفراغ العقائدي الذي أشرنا إليه. وثالثها انعدام الحاضنة الاجتماعية في منطقة الانتشار، وهو ما جعل الانسحاب خياراً منخفض الكلفة سياسياً. ورابعها احتمال وجود اختراقاتٍ فردية في صفوف بعض الضباط، وهو احتمالٌ لا يمكن استبعاده ولا يمكن البناء عليه بوصفه سبباً رئيسياً في غياب تحقيقٍ معلن. وخامسها البُعد الإيراني المباشر: تشير تقارير متعددة إلى أن ضابطاً بارزاً في فيلق القدس، يتولى الإشراف على الملف اليمني منذ سنوات، عاد إلى صنعاء قبل أشهر وأدار عملية الساحل الغربي ميدانياً بنفسه عبر شبكة مشرفين.[4] وقد سبق ذلك تصريحٌ لأحد كبار مستشاري المرشد الإيراني تحدّث فيه عن “مفاجآت قريبة” في اليمن.

ثمة عاملٌ سياسي سادس يستحق التسجيل مع تحفظٍ منهجي صريح، تزامن السيطرة الحوثية على الساحل مع انعقاد أول لقاءٍ رفيع بين طهران وأبوظبي منذ اندلاع الحرب الإيرانية، على هامش قمة بريكس في نيودلهي، وصدور إشاراتٍ عن “طيّ صفحة الخلاف” بعد أشهرٍ من الضربات الصاروخية والمسيّرة التي أنهكت الإمارات وأفضت إلى تعليق تجارتها مع طهران.[5] هذا التزامن مؤشرٌ ظرفي يستدعي المتابعة، ولا يرقى إلى مستوى الدليل على صفقةٍ حول الساحل الغربي. ما يمكن تثبيته بيقين أعلى هو أن أبوظبي كانت قد خسرت نفوذها الرسمي على السواحل اليمنية منذ ديسمبر، وأنها اتجهت إلى تعويض ذلك في القرن الأفريقي عبر مشاريع موانئ في بربرة وبوصاصو، وهو مسارٌ اصطدم بدوره بإلغاء مقديشو اتفاقياتها معها مطلع العام.[6] الدولة التي تحوّلت السيطرة على الموانئ إلى ركيزة في سياستها الخارجية هي الخاسر الصافي من وصول فاعلٍ مسلح إلى المضيق، وهذا ما يجعل فرضية الصفقة الإماراتية-الإيرانية أضعف منطقياً مما تبدو عليه سياسياً.

الجغرافيا بديلاً وظيفياً عن القنبلة

قبل أكثر من عشر سنوات قال رئيس يمني أسبق جملةً مرّت حينها دون اهتمام: إذا تمكّن الإيرانيون من الوصول إلى باب المندب عبر الحوثيين، مع سيطرتهم على هرمز، فلن يكونوا بحاجة إلى قنبلة نووية. اليوم صارت تلك الجملة توصيفاً لواقعٍ قائم: أنجزت إيران، عبر وكيلٍ محلي وبكلفةٍ زهيدة، ما تعجز عنه ترسانات كاملة، وحوّلت الجغرافيا إلى أداة ردعٍ أشد أثراً وأقل كلفة سياسية من السلاح النووي نفسه.

الأرقام تشرح المعادلة، يمر عبر باب المندب ما يقارب ثمانية في المئة من تجارة النفط العالمية وخمسة عشر في المئة من التجارة الدولية.[7] وقد ارتفعت أقساط تأمين مخاطر الحرب من نطاق واحد إلى ثلاثة في المئة من قيمة بدن السفينة إلى نطاق سبعة ونصف إلى عشرة في المئة، حتى صار تأمين ناقلةٍ واحدة يكلّف ما يقارب واحداً وعشرين مليون دولار. وقفزت أجور شحن النفط من الخليج إلى الصين إلى نحو ثمانيةٍ وسبعين دولاراً للطن مقابل متوسطٍ خماسي يبلغ تسعة عشر دولاراً. وتراجعت عبور السفن في باب المندب بنسبة ثلاثين في المئة في يومٍ واحد، فيما هبطت حركة هرمز إلى عشرات قليلة مقابل مئةٍ وعشرين إلى مئةٍ وأربعين سفينة يومياً قبل الحرب.[8]

الخلاصة العملياتية أن الجماعة لا تحتاج إلى إغلاق المضيق، تكفيها قدرة السوق على تصديق أنها قادرة على إغلاقه. الردع هنا يُنتَج بالاحتمال لا بالفعل، وكلفته على الطرف المهدِّد شبه معدومة، وعائده على خصومه كارثي. وهذا بالضبط ما يفسّر إعلان الحصار البحري على السعودية في يوليو الماضي وربطه بإغلاق مطار صنعاء، وإبقاء الممر مفتوحاً أمام بقية الأعلام. الرسالة كانت موجّهة إلى الرياض وحدها، مع حرصٍ محسوب على عدم استفزاز المجتمع الدولي بأكمله في اللحظة نفسها.[9][10]

من هنا يصبح مفهوماً أن الخلل الاستراتيجي في منظومة أمن الملاحة في البحر الأحمر يبدأ في صنعاء، ولا يبدأ في المخا أو ذباب أو ميون. استعادة العاصمة هي المفتاح الحقيقي لأمن الطاقة والملاحة، وأي معالجةٍ تتوقف عند الشريط الساحلي تعالج العَرَض وتترك السبب.

اختبار الأطراف: منطق اللادولة أمام نظامٍ إقليمي منصهر

التوقيت في هذه القضية أثمن من الجغرافيا ذاتها، جاءت عودة الضغط الحوثي في لحظةٍ دقيقة يعاد فيها ترتيب موازين القوى والتحالفات في الإقليم كله: اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا في السابع من أغسطس، ونصّها على أن أي اعتداء على أحد أطرافها اعتداء عليها جميعاً[11]؛ والتحالف البحري الذي أُعلن في الثلاثين من يوليو وبدأ عملياته في منتصف أغسطس بمشاركة خمس عشرة دولة من بينها مصر والأردن وتركيا وباكستان وقطر والكويت والبحرين والسودان وجيبوتي والصومال وبنغلاديش، بقيادةٍ سعودية وقائدٍ مُعيّن.[12]

نحن أمام نظامٍ إقليمي منصهر، لم يبرد بعد في قالبه الجديد، وكلما حاولت الدول تثبيت توازنٍ ما، تحركت من تحته شبكات اللادولة لاختبار صلابته. هنا تكمن فاعلية النموذج الإيراني: بدلاً من اختبار الترتيبات الإقليمية من المركز، يجري اختبارها من الأطراف: من اليمن، ومن العراق كما في استهداف خط الأنابيب الرابط شرقاً وغرباً، ومن البحر الأحمر، وبكلفةٍ أدنى كثيراً من كلفة المواجهة بين الدول.

المعادلة في جوهرها شديدة الاختلال، الدولة تملك حدوداً واقتصاداً ومدناً ومنشآت ورؤى تنموية يجب أن تحميها، والفاعل المسلح يعمل بمنطقٍ مختلف تماماً ولا يملك ما يُستهدف بالقدر نفسه. امتلاك الدولة لقوةٍ عسكرية أكبر لا يعني بالضرورة امتلاكها هامش حركةٍ أكبر، وهو ما يفسّر البطء السعودي الظاهر في الرد. حالة اللادولة صارت أداةً في ميزان القوة بين الدول، وهذه أخطر ما في المشهد الراهن.

الخطورة الأبعد أن نجاح التجربة الحوثية في انتزاع اعترافٍ أو مكسبٍ استراتيجي سيحوّلها إلى نموذجٍ قابلٍ للتصدير. الجماعة الحوثية هي اليوم أهم أدوات هذه المسألة وأكثرها فاعلية، مع بقاء جوهرها في مكانٍ آخر، وما يُختبر اليوم في باب المندب هو صلاحية نموذجٍ كامل لفاعلي اللادولة، من قوات الدعم السريع في السودان إلى أي محاولةٍ لإعادة بناء حزب الله على أساس التجربة اليمنية. السماح لهذه التجربة بالنجاح، في أيٍّ من عناصرها، هو أخطر سمةٍ يمكن أن يتسم بها النظام الإقليمي في مرحلته الحالية.

حسابات الفاعلين: ضبابٌ أمريكي وحساباتٌ متقاطعة

الموقف الأمريكي هو العنصر الأكثر غموضاً، عمليات حماية الملاحة التي قادتها واشنطن ولندن بعد 2023 لم تتجاوز شهراً قبل أن تتوقف فجأة، وتراوح التصنيف الأمريكي للجماعة بين الإدراج على قائمة الإرهاب ورفعها منها ثم إعادتها، وفي الثاني عشر من سبتمبر صرّح الرئيس الأمريكي بأن الحوثيين تواصلوا معه وطلبوا منه عدم التدخل، بعد يومين فقط من رفضه طلباً سعودياً بضرباتٍ جوية مباشرة.[13] تعمل واشنطن على الأرض عبر أكثر من مئة مستشار عسكري في السعودية ودعمٍ استخباري جغرافي مكاني، وتمتنع في الوقت نفسه عن الانخراط المباشر.[14]

إذا كانت ثمة صفقةٌ فعلية في هذا المشهد، فالأرجح أنها أمريكية-حوثية أكثر مما هي إماراتية-إيرانية، ثلاثة اعتبارات تدعم هذا التقدير: أن أبوظبي هي المتضرر الأكبر من ترتيبٍ يمنح طهران ووكلاءها ممراً بحرياً؛ وأن للجماعة شبكة تأثيرٍ يمنية-أمريكية قديمة داخل مراكز الدراسات في واشنطن تعمل بوصفها قناة اتصالٍ غير رسمية مع الغرب؛ وأن قيام بنية ردعٍ عربية-إسلامية لا تقودها الولايات المتحدة، على غرار ترتيب مكة، أمرٌ غير مرغوب فيه أمريكياً. وفق هذه القراءة يصبح ما جرى في الساحل الغربي رسالةً مزدوجة الاتجاه: إلى الرياض بأن البدائل عن المظلة الأمريكية مكلفة، وإلى طهران بأن هامش المناورة متاح.

الرياض تدرك حجم الخسارة، كانت السعودية في مأمنٍ نسبي من تداعيات إغلاق هرمز لامتلاكها مساراً بديلاً عبر البحر الأحمر، ومع وصول الجماعة إلى ميون صارت في المأزق ذاته الذي تعيشه دول الخليج المطلة على الخليج العربي. وقد انتقلت الهجمات إلى عمق أراضيها ومنشآتها في خميس مشيط وأبها وجيزان ونجران، ما يرفع احتمال انتقالها من الدعم غير المباشر إلى انخراطٍ عسكري أوسع.[15] الرياض تريد غطاءً دولياً واضحاً قبل أي عمليةٍ برية واسعة، ولم تحصل عليه حتى اللحظة، وهذا هو التفسير الأدق لتأخر الحسم أكثر من أي تفسيرٍ يتعلق بالقدرة. وفي الخلفية يلوّح الحوثيون بإلغاء اتفاقية جدة لترسيم الحدود، ويطرحون معادلةً صريحة مفادها إما تركهم يحكمون اليمن شمالاً وجنوباً، وإما المطالبة باستعادة مساحاتٍ واسعة من جنوب السعودية.[16]

أما البُعد الدولي الآخر فيتمثل في اصطفافٍ صيني-روسي إلى جانب طهران، مع حديثٍ عن دعمٍ استخباري فضائي للجماعة في رصد الملاحة، وعروض وساطةٍ صينية بين الرياض وطهران وروسية بين الرياض وصنعاء. موسكو تحديداً مستفيدة من كل جبهةٍ تستنزف الانتباه الأمريكي بعيداً عن أوكرانيا، وهو ما يجعل الوساطة الروسية أداة نفوذٍ أكثر منها مسعى تسوية.

حدود الحسم العسكري والسيناريوهات

في المقابل، أظهرت الجولة الحالية تغيراً نوعياً في أداء القوات الحكومية، تعمل التشكيلات الرئيسية اليوم ضمن خطةٍ عملياتية واحدة تحت مظلة وزارة الدفاع وبتنسيقٍ سعودي، وأُعيد تفعيل سلاح الجو، وفُتحت جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والضالع بالتوازي مع الساحل، مع تقدمٍ نحو الحزم والسيطرة على مواقع استراتيجية، بعد أن كانت الحكومة قد أحكمت سيطرتها على حضرموت مطلع العام. للمرة الأولى منذ سنوات تواجه الجماعة ضغطاً عسكرياً متزامناً على أكثر من جبهة، وهذا وحده يفسّر جانباً من ارتفاع سقف تصعيدها.

يبقى النقص الجوهري في الغطاء الجوي، ويبقى الخط الرابط بين تعز وعدن هو المفصل: قطعه يحوّل مناطق الشرعية إلى جيوبٍ متقطعة، وتأمينه يحفظ تواصلها الجغرافي. وتظل صافر في الشرق ورقةً اقتصادية حاسمة.[17] في المقابل، فإن الكلفة الإنسانية للجولة الحالية تجاوزت مئة ألف نازح خلال أيام، وآلافاً عبروا إلى جيبوتي، في بلدٍ يعيش أصلاً واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم وتحتاج خطته الإنسانية لعام 2026 إلى أكثر من ملياري دولار.[18]

ثلاثة سيناريوهات تحكم المرحلة المقبلة:

أولها استمرار الضغط الحكومي المتزامن باتجاه الجوف وسفيان مع تأمين الساحل الغربي، بما يقطع الخط بين صنعاء وصعدة ويقلّص قدرة الجماعة على التهريب والإمداد البحري، ويعيدها إلى التفاوض من موقعٍ أضعف.

وثانيها حملة أوسع باتجاه العاصمة، وهو سيناريو يتطلب تحولاً نوعياً في موازين القوى يتجاوز المعطيات الراهنة، ويطرح سؤال “ماذا بعد؟” بحدّته الكاملة، إذ يحتاج اليمن حينها إلى رعايةٍ عربية لعمليةٍ سياسية شاملة تمنع تحوّل الفراغ إلى صراعٍ جديد.

وثالثها الاحتواء البحري: إبعاد الجماعة عن المناطق التي تمنحها القدرة على تهديد الملاحة مع إبقائها في معقلها الجبلي. هذا الخيار هو الأقل كلفةً عسكرياً والأعلى كلفةً إنسانياً وسياسياً، لأنه يترك جماعةً عقائدية مسلحة تحكم كتلةً سكانية واسعة، ويمنحها وقتاً لإعادة التنظيم، وينقل خطوط الحرب دون أن ينهيها.

المؤشرات التي ستحسم الفارق بين هذه المسارات محددة وقابلة للرصد: توفير غطاءٍ جوي فعّال للقوات الحكومية؛ حصول الرياض على غطاءٍ سياسي دولي؛ انتقال التحالف البحري من الإعلان إلى الدوريات وقواعد الاشتباك؛ صمود خط تعز-عدن؛ تفعيل ترتيب مكة عملياً أو بقاؤه في حدود الردع الرمزي؛ وأخيراً سلوك طهران إذا تعرضت الجماعة لانتكاسةٍ كبرى، وهو المتغير الأخطر، لأن انتقال المواجهة من غير المباشرة إلى المباشرة ينقل الحرب من إطارها اليمني إلى إطارٍ إقليمي واسع.

الخاتمة

أي تفكيكٍ للجغرافيا السياسية اليمنية سيتبعه تفكيكٌ لجغرافيا دول الجوار، ما يجري في باب المندب شأنٌ يمس الأمن القومي العربي في صميمه، ويمس الأردن تحديداً بحكم ارتباط حركة موانئه ومساره التجاري بأمن البحر الأحمر، وبحكم عضويته في التحالف البحري الجديد. وقد سبق للأردن أن قدّم مبادرةً إنسانية لنقل المسافرين اليمنيين عبر ناقله الوطني في ذروة أزمة إغلاق مطار صنعاء، ورفضتها الجماعة، في مؤشرٍ على أن الملف الإنساني نفسه صار ورقة تفاوضية بيدها.

يترتب على ذلك أربع خلاصات: الأولى أن المقاربة الأمنية الخالصة، القائمة على حماية الممرات وتأمين سلاسل الإمداد، ستنتج تهدئةً مؤقتة وتترك المولّد الأصلي للتهديد قائماً؛ فأزمة اليمن أزمة دولةٍ ومشاريع ما دون الدولة وانقسامٍ سياسي ومظالم متراكمة لم تُعالج.

والثانية أن هزيمة الجماعة عسكرياً ليست شرطاً لإنهاء التهديد، وتجريدها من المواقع التي تمنحها القدرة على ابتزاز الملاحة الدولية شرطٌ كافٍ لدفعها إلى تسويةٍ سياسية عادلة.

والثالثة أن وساطةً عربية جادة بين الرياض وأبوظبي لإعادة ترتيب المشهد اليمني صارت ضرورة، لأن استمرار تناقض الأجندتين هو المورد الأهم الذي تتغذى عليه الجماعة منذ عشر سنوات.

والرابعة أن أي تغيّر في موازين القوى، مهما كان حجمه، لن يتحول إلى سلامٍ مستدام دون معالجة شكل نظام الدولة والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، ودون مسار عدالةٍ انتقالية تصالحية حقيقي.

السؤال الذي يجب أن يُطرح في العواصم العربية اليوم ليس ما إذا كانت الحرب اليمنية ستستمر، السؤال هو ما إذا كانت ستبقى داخل حدودها اليمنية أم ستتحول إلى بوابةٍ لاختبار النظام الإقليمي كله من أطرافه. الإجابة عن هذا السؤال تُكتب الآن في الجوف وتعز وعلى ضفتي مضيقٍ لا يزيد عرضه على ثلاثين كيلومتراً.


[1] Al Jazeera Centre for Studies, “Expansion and Exposure: The Paradox of Houthi Control of Bab al-Mandeb,” September 2026, https://studies.aljazeera.net/en/policy-briefs/expansion-and-exposure-paradox-houthi-control-bab-al-mandeb.

[2] Ibid

[3] Manal Ghanem, “Curriculum Changes to Mold the Jihadis of Tomorrow,” Yemen Peace Forum, Sana’a Center for Strategic Studies, November 5, 2021, https://sanaacenter.org/ypf/curriculum-changes-to-mold-the-jihadis-of-tomorrow/; Justice 4 Yemen Pact, “Militarizing Summer: Houthi Use of Summer Camps for Child Recruitment and Indoctrination in Yemen,” May 20, 2025, https://justice4yemenpact.org/militarizing-summer-houthi-use-of-summer-camps-for-child-

[4] Al Jazeera Centre for Studies, “Expansion and Exposure.”

[5] Lauren Morganbesser, “Iran and the UAE Meet in New Delhi,” Semafor, September 13, 2026, https://www.semafor.com/article/09/13/2026/iran-and-the-uae-meet-in-new-delhi.

[6] “Somalia Cancels All Agreements with the UAE, Including at Major Ports,” Middle East Eye, January 12, 2026; Michael DeAngelo, Yale Ford, and Liam Karr, “Somalia Cancels UAE Agreements; Sudan-Pakistan Arms Deal: Africa File, January 15, 2026,” Critical Threats Project, January 15, 2026, https://www.criticalthreats.org/analysis/somalia-cancels-uae-agreements-sudan-pakistan-arms-deal-potential-inter-congolese-dialogue-africa-file-january-15-2026.

[7] “Somalia Cancels All Agreements with the UAE”; DeAngelo, Ford, and Karr, “Somalia Cancels UAE Agreements.”

[8] Sarah Shamim, “How Shipping Insurance Rates Are Rising, as Hormuz, Bab al-Mandeb Shut Down,” Al Jazeera, July 23, 2026, https://www.aljazeera.com/economy/2026/7/23/how-shipping-insurance-rates-are-rising-as-hormuz-bab-al-mandeb-shut-down; Jonathan Saul and Michael Jones, “War Risk Insurance Costs Surge for Southern Red Sea Voyages After Houthi Attacks,” Insurance Journal, July 23, 2026, https://www.insurancejournal.com/news/international/2026/07/23/878788.htm.

[9] “هل يسرّع إعلان الحصار الحوثي للسعودية من وتيرة الحرب في اليمن؟” [Will the Houthi Declaration of a Blockade on Saudi Arabia Accelerate the War in Yemen?], Al Jazeera Net, July 20, 2026, https://www.aljazeera.net/politics/2026/7/20/.

[10]  “Treaty of Jeddah (2023),” Wikipedia; “تهديد الحوثيين للملاحة السعودية يفتح جبهة في البحر الأحمر” [Houthi Threats to Saudi Shipping Open a Front in the Red Sea], Al-Quds Al-Arabi, 2026.

[11] “اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. تحالف ردعي بين السعودية وباكستان وتركيا” [Mecca Mutual Defense Agreement: A Deterrence Alliance between Saudi Arabia, Pakistan, and Turkey], Al Jazeera Net, August 7, 2026, https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2026/8/7/.

[12]  Al Jazeera Staff, “Saudi Arabia Announces Start of Red Sea Defence Alliance: Will It Work?,” Al Jazeera, August 14, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/8/14/saudi-arabia-announces-start-of-red-sea-defence-alliance-will-it-work; “Saudi Arabia Launches 14-Nation Coalition to Secure Red Sea Routes,” AGBI, July 30, 2026.

[13] Al Jazeera Centre for Studies, “Expansion and Exposure.”

[14]  “Trump Says Houthis Asked US Not to Intervene in Yemen,” Middle East Eye, September 12, 2026; “Trump Says Houthis Asked US Not to Intervene in Yemen,” Dawn, September 12, 2026.

[15] Al Jazeera Centre for Studies, “Expansion and Exposure.”

[16] Al Jazeera Staff, “Saudi Arabia Announces Start of Red Sea Defence Alliance”; “Saudi Arabia Launches 14-Nation Coalition.”

[17] Al Jazeera Centre for Studies, “Expansion and Exposure.”

[18]  United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), “Yemen Humanitarian Crisis Deepens as Aid Agencies Appeal for US$2.16 Billion to Assist Millions in 2026,” 2026.

زر الذهاب إلى الأعلى