تفجير جرمانا: ضبابية الفاعل وحدود التوظيف

شهدت مدينة جرمانا في ريف دمشق، مساء الخميس 6 أغسطس/آب 2026، انفجار عبوة ناسفة داخل حافلة صغيرة «سرفيس» تعمل على أحد خطوط النقل الداخلي، عند مفرق الروضة وسط المدينة. وتباينت حصيلة الحادثة خلال الساعات الأولى؛ فبينما تحدثت معلومات أولية عن سقوط قتيلين وإصابة 13 آخرين، عادت مديرية الصحة في ريف دمشق وصححت الحصيلة، مؤكدة تسجيل 14 إصابة، ثلاث منها حرجة، من دون وقوع قتلى.

السياق: الرسائل والدلالة وحدود التوظيف

تقدم المعطيات الأولية المتعلقة بأداة التفجير ومكانه وتوقيته مؤشرات مهمة، وإن لم تكن حاسمة، لفهم طبيعة العملية. فوضع عبوة ناسفة داخل حافلة نقل عام، في شارع مكتظ وفي توقيت يشهد حركة مدنية نشطة، يرفع احتمال أن يكون الهدف إيقاع إصابات بين المدنيين، وخَلق حالة من الخوف داخل منطقة مكتظة، وتوجيه رسالة أمنية إلى سكان جرمانا، من خلال استثمار خصوصية الموقع والهوية الاجتماعية للمدينة لإنتاج أثر سياسي وأمني واجتماعي يتجاوز حجم الخسائر المباشرة.

تزداد حساسية هذه الاحتمالات بالنظر إلى خصوصية جرمانا؛ فالمدينة شهدت خلال سنوات الثورة والحرب تغيرات كبيرة في بنيتها الاجتماعية والديموغرافية نتيجة موجات النزوح الداخلي إليها، مستفيدة من حالة الاستقرار الأمني النسبي التي حافظت عليها لفترات طويلة. وهي، في الوقت نفسه، ساحة تتقاطع فيها اليوم أكثر من جهة أمنية؛ من قوى الأمن الداخلي الرسمية إلى عناصر أمنية محلية درزية أُلحقت بجهاز الأمن العام وذلك نتيجة اتفاق عُقِدَ بين الطرفين على إثر الاشتباكات والأحداث التي شهدتها في المدينة في إبريل/نيسان 2025.

أفرز ذلك ما يمكن وصفه بـ «بنية أمنية هجينة»، تطرح أسئلة فعلية حول تداخل الصلاحيات، ومدى قدرة الدولة على احتكار الملف الأمني داخل المدينة، والثغرات التي قد تنشأ عن تعدد الفاعلين ومراكز القوة. ومع ذلك، فإن الانتقال من هذه المعطيات إلى تحديد هدف العملية أو هوية منفذيها يظل مرهوناً بنتائج التحقيق.

أمّا في سياق زمني أوسع، من الضروري ملاحظة أن هذا الهجوم هو الثالث الذي تشهده منطقة دمشق وريفها خلال أقل من شهر. ففي 2 تموز/يوليو انفجرت عبوة ناسفة داخل مقهى قرب قصر العدل وسط دمشق، ما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة 21 آخرين. وفي 7 تموز/يوليو انفجرت عبوتان ناسفتان قرب فندق «فورسيزنز» في محيط وزارة السياحة، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، وأسفرتا عن مقتل شخص وإصابة 36 آخرين.

يقود تكرار استخدام العبوات الناسفة في دمشق وريفها إلى التساؤل عن وجود نمط أمني آخذ في التشكُّل، وعن طبيعة الجهات القادرة على تصنيع هذه العبوات وزرعها واختيار أهدافها. لكن تشابه الأداة أو تقاطع التوقيت والرسائل المحتملة لا يعني بالضرورة وجود فاعل واحد أو غرفة عمليات واحدة تقف خلف هذه الحوادث جميعاً.

تعدّد الفواعل: بين التنفيذ والتبنّي

إحدى أبرز مشكلات قراءة المشهد الأمني السوري اليوم تتمثل في الخلط بين ثلاث دوائر مختلفة: من ينفذ العملية، ومن يتبناها، ومن يستثمر نتائجها. وقد تتقاطع هذه الدوائر أحياناً، لكنها ليست بالضرورة دائرة واحدة.

ضمن هذا المشهد، تباينت التقديرات بشأن هوية الفاعل ودوافعه؛ فظهرت فرضيات تربط العملية بتطوّرات ملف السويداء، خصوصاً أنها جاءت بعد ساعات قليلة من صدور بيان عن عشائر ومشايخ ووجهاء في جرمانا أكدوا فيه ثوابتهم الوطنية، وشددوا على أن دمشق وجهتهم الأساسية وأن الغوطة عمقهم، واعتبروا علاقاتهم مع محيطهم وجوارهم «خطاً أحمر»، ورفضوا أي تدّخل خارجي أو محاولة لزرع الفتنة، مؤكدين أن المدينة بتنوعها تمثل نموذجاً للسلم الأهلي.

ربطت فرضيات أخرى العملية بتنظيم «داعش»، بالنظر إلى عمليات مشابهة نُسبت إليه سابقاً في دمشق وريفها، وإلى محاولاته إعادة التموضع واستثمار هشاشة المرحلة الانتقالية. وتستند هذه الفرضية أيضاً إلى إعلان السلطات السورية في وقائع سابقة توقيف خلايا قالت إن التحقيقات أظهرت ارتباطها بالتنظيم. غير أن هذه الوقائع لا تتجاوز كونها قرائن سياقية، ولا تتحول إلى دليل على مسؤولية التنظيم عن تفجير جرمانا ما لم تظهر نتائج تحقيق تربط بينه وبين العملية.

في موازاة ذلك، أعلنت جماعة تطلق على نفسها اسم «منبر أنصار الرسول»، عبر قناة تابعة لها على «واتساب»، مسؤوليتها عن التفجير، قبل أن تعود في اليوم التالي وتنفي صلتها به. وكانت الجماعة قد وصفت التفجير في بيان التبنّي بأنه «الإنذار الثالث»، واستخدمت لغة طائفية واضحة، مقدمة العملية بوصفها امتداداً لـ«إنذارات» سابقة، وربطتها بما وصفته بـ«التضييق والاحتقار والإهانة لتمسكنا بالسنة»، بعد ما قالت إنه فشل لبيانين سلميين سابقين في تحقيق نتيجة.

لكن بالعودة إلى الأرشيف الرقمي للقناة تكشف صورة أكثر تعقيداً من الرواية التي حاولت الجماعة تقديمها عن نفسها. فالقناة، التي تعرف نفسها بأنها «منبر دعوي اجتماعي»، لها نشاط موثق يسبق العملية بنحو ثلاثة أسابيع، ولا يقتصر على إصدار «بيانين سلميين».

ففي 13 تموز/يوليو نشرت بياناً بعنوان «نذير وبلاغ حاسم» وجهته إلى المكونين المسيحي والدرزي في جرمانا، ووصفته بأنه «الإنذار الأخير»، وشددت فيه على أن أبناء السنة في المدينة ليسوا مجرد «رقم عابر»، بل «الثقل الأرجح والمكون الأكبر والأقوى». وفي 15 تموز/يوليو، بالتزامن مع تظاهرة درزية أحيت ذكرى أحداث السويداء، نشرت القناة بياناً احتفت فيه بما وصفته بانتصار قوات الأمن على المتظاهرين.

وفي 26 تموز/يوليو وظفت القناة نصوصاً دينية ذات دلالات قتالية، قبل أن تزعم، في 2 أغسطس/آب، امتلاك «ذراع سيبرانية» تمكنت من جمع أسماء وصور وأرقام وبيانات شخصية لسكان دروز في جرمانا، مهددة بتنفيذ عمليات إذا استمرت، وفق تعبيرها، «التعديات على أبناء السنة».

الا ان تحليل خطاب الجماعة نفسه يثير قدراً كبيراً من الالتباس. فعلى الرغم من أن لغتها تبدو، في جوانب منها، قريبة من خطاب الجماعات الجهادية والطائفية، فإنها تتبنى في مواضع أخرى خطاباً مختلفاً ومُلتبِساً؛ إذ تطالب الدولة السورية بالتدخل وتحمّلها مسؤولية حماية السنة في جرمانا، وتتحدث عن احترام القانون والحكومة والشريعة، ثم تعود في الوقت نفسه إلى اتهام مؤسسات الدولة بالغياب والعجز، وتستخدم لغة تهديدية تجاه مكوّنات محلية أخرى من مثل المكوّن المسيحي.

على الضفة المقابلة تذهب الجماعة في أحد بياناتها إلى مخاطبة الحكومة مباشرة، متسائلة عن سبب وجود عناصر درزية في الأجهزة الأمنية داخل جرمانا، ومطالبة بأن يكون الأمن العام في المدينة «من أهل السنة بالكامل»، وأن يجري تعزيزه بعناصر من دمشق لـ«تمشيطها» ممن تصفهم ببقايا النظام السابق و«بؤر الخونة الهجرية»، وصولاً إلى استخدام لغة تنفي إمكانية التعايش معهم.

هذه التركيبة الخطابية والتعبوية، إلى جانب ركاكة الصياغة أحياناً قياساً بحجم الادعاءات التي تقدمها الجماعة عن إمكاناتها، تثير أسئلة حول طبيعتها الفعلية: هل نحن أمام تنظيم يمتلك بنية وقيادة وقدرات عملياتية؟ أم خلية محلية محدودة؟ أم واجهة إعلامية تحاول تضخيم حجمها؟ أم اسم يمكن استخدامه لتبنّي عمليات نفذتها جهات أخرى؟ ويزيد التبنّي ثم النفي من صعوبة التعامل مع بياناتها بوصفها دليلاً حاسماً على مسؤوليتها عن التفجير.

اختبار الدولة والرواية الأمنية

هذا الالتباس ليس غريباً على المشهد السوري الحالي، حيث تتكاثر الأسماء والقنوات والحسابات، ويصبح من الصعب أحياناً التمييز بين تنظيم حقيقي مستقر، وخلية محلية محدودة، وواجهة إعلامية، واسم يُستخدم لتبنّي عمليات أو تضخيم أثرها.

لكن الأهم أن الغموض المحيط بالعملية يضاعف أثرها الرمزي والنفسي والسياسي. فبصرف النظر عن هوية الفاعل، يؤدي غياب رواية أمنية حاسمة إلى خلق حالة من التشويش وانعدام الثقة، ويسمح بتوظيف الحادثة لإظهار عجز الدولة السورية عن ضبط المجال الأمني.

من هذه الزاوية، يمثل تفجير جرمانا اختباراً جديداً لقدرة الدولة السورية على تثبيت احتكارها للأمن داخل المدن ذات البنية الأمنية والاجتماعية المركبة، أكثر مما يشكل، في المعطيات المتاحة حتى الآن، دليلاً كافياً على عودة موجة إرهابية واسعة. وتبقى هذه الاستنتاجات فرضيات قابلة للمراجعة في ضوء ما ستكشفه التحقيقات.

الخاتمة: مَنْ يملك الرواية؟

حتى كتابة هذا التعليق، لم تعلن وزارة الداخلية السورية أن التحقيق أثبت مسؤولية «منبر أنصار الرسول» عن العملية، كما لم تعلن توقيف مشتبه بهم أو تحديد هوية منفذيها. لذلك يبقى التبنّي، على أهميته، خيطاً من خيوط التحقيق، لكنه لا يحسم هوية من أعد العبوة وزرعها، ولا طبيعة الشبكة التي تقف وراء العملية.

كما أن ظهور جماعات وأسماء تتبنى استهدافات ثم يخفت حضورها أو تختفي، كما حدث مع «سرايا أنصار السنة» وجماعة «أولي البأس»، يعكس سيولة المشهد التنظيمي والأمني، ويجعل من المبكر التعامل مع «منبر أنصار الرسول» باعتبارها تنظيماً يمتلك بالضرورة الهيكل والقدرات التي يوحي بها خطابه الإعلامي.

في المقابل، تبدو النتائج السياسية والأمنية التي أحدثها التفجير أكثر وضوحاً من هوية منفذيه حتى الآن: زعزعة الثقة بقدرة الدولة السورية الجديدة على ضبط الأوضاع الأمنية وبسط سيطرتها، وإثارة الخوف والانقسام داخل مجتمع ذي بنية مركبة، وتعميق التوترات داخل البيئة الدرزية وبين قطاعات منها والدولة، وإعادة ملف السويداء، بكل ثقله الدموي والسياسي، إلى واجهة المشهد. كما تفتح الحادثة مجالاً لتوظيفها من جانب قوى الأمر الواقع في السويداء، وربما من إسرائيل أيضاً، التي سعت خلال المرحلة الماضية إلى تقديم نفسها باعتبارها حامية للدروز.

ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن التفجير استهدف طائفة بعينها. فقد يكون جزء من أثره المقصود، أو الفعلي على الأقل، إظهار هشاشة الوضع الأمني واختبار قدرة الدولة على فرض سلطتها والأهم التحكّم في روايتها وخطابها بما يحييد عاملي الاستثمار والتجييش الطائفي والشائعات. فالعملية تستطيع تحقيق جزء من غاياتها حتى من دون إيقاع أعداد كبيرة من الضحايا؛ إذ يكفي وقوع تفجير داخل حافلة نقل عام وفي منطقة مكتظة لإعادة إنتاج الشعور بانعدام الأمان وطرح الأسئلة حول فاعلية المقاربة الأمنية. في ظل تعدد التهديدات الأمنية وما تواجهه المؤسسات من تحديات على مستوى الإمكانيات البشرية والعملياتية.

ومن هنا، فإن المشكلة التي يكشفها تفجير جرمانا ليست أمنية فقط، ولا يمكن اختزالها في قدرة الدولة على منع كل عملية؛ فهذا معيار لا تستطيع تحقيقه حتى الدول الأكثر استقراراً. المسألة تتعلق أيضاً بقدرة المؤسسات على التحقيق السريع والمهني، وتحديد المسؤولية، وامتلاك رواية موثوقة ومقنعة لما حدث.

فعندما تتأخر هذه الرواية أو تضطرب، تصبح الساحة مفتوحة أمام الجماعات والحسابات والقوى المحلية والإقليمية لتقديم رواياتها الخاصة، وعندها لا يعود الغموض مجرد نتيجة لعدم اكتمال التحقيق، بل يتحول هو نفسه إلى أداة في الصراع السياسي والأمني

زر الذهاب إلى الأعلى