هل حان الوقت لدمقرطة رأس المال في الأردن؟

في كل مرة يُطرح فيها مفهوم الديمقراطية، تتجه الأنظار تلقائياً إلى السياسة؛ إلى الانتخابات، والبرلمانات، والأحزاب، وحرية التعبير، وتداول السلطة. وقد رسخت التجارب الحديثة هذا الفهم بوصفه المعيار الرئيس لقياس نضج الدول واستقرارها. لكن ثمة سؤالاً لا يقل أهمية، وربما أصبح أكثر إلحاحاً في ظل التحولات الاقتصادية العالمية: هل يمكن أن تكون الثروة أيضاً أكثر ديمقراطية؟
ليست القضية هنا دعوة إلى المساواة المطلقة في الملكية، ولا إلى إعادة إنتاج أفكار اقتصادية تجاوزها الزمن، وإنما إلى البحث عن مؤسسات تجعل النمو الاقتصادي أكثر شمولاً، وتمنح المواطنين فرصة عادلة للمشاركة في إنتاج الثروة، لا الاكتفاء بالاستفادة من نتائجها بعد توزيعها.
لقد انشغل الفكر السياسي، منذ جون لوك، بحماية الملكية بوصفها أحد الحقوق الأساسية للإنسان، ثم جاء آدم سميث ليؤكد أن الأسواق لا تزدهر إلا عندما تعمل داخل إطار من القواعد والثقة والأخلاق. وفي العقود الأخيرة، أوضح الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل دوغلاس نورث أن التنمية لا تصنعها الموارد وحدها، بل المؤسسات التي تنظم استخدامها، بينما ذهب أمارتيا سن إلى أن التنمية الحقيقية تتمثل في توسيع قدرات الإنسان وخياراته، لا في رفع متوسط الدخل فحسب.
وعندما نجمع هذه الرؤى معاً، يبرز سؤال مختلف: إذا كانت الديمقراطية تهدف إلى توزيع القوة السياسية ومنع احتكارها، فهل ينبغي أن نفكر أيضاً في مؤسسات تقلل من تركّز الفرص الاقتصادية، وتوسع دائرة المشاركة في ملكية الأصول المنتجة؟
هنا تبرز الشركة المساهمة العامة، ليس بوصفها مجرد شكل قانوني لتنظيم الأعمال، بل باعتبارها واحدة من أهم الابتكارات المؤسسية في الاقتصاد الحديث.
فقد نجحت هذه المؤسسة في حل معضلة صاحبت النشاط الاقتصادي لقرون طويلة؛ إذ أتاحت تجميع آلاف المدخرات الصغيرة في مشاريع كبرى، وربطت بين رأس المال والإدارة، ووفرت إطاراً قانونياً يضمن توزيع الحقوق والمسؤوليات والعوائد بين أعداد كبيرة من المساهمين. ولم تكن أهميتها في جمع الأموال فقط، بل في تحويل الاستثمار من نشاط يقتصر على القادرين إلى فرصة يمكن أن يشارك فيها قطاع أوسع من المجتمع.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الشركة المساهمة العامة مجرد شركة، وإنما مؤسسة تبني الثقة. فهي تقوم على الإفصاح، والشفافية، وحماية حقوق المساهمين، والمساءلة، واستقلالية الإدارة، وهي جميعها عناصر أصبحت اليوم أصولاً اقتصادية بقدر ما هي مبادئ قانونية. فالأسواق لا تعمل بكفاءة إذا غابت الثقة، والاستثمار طويل الأجل لا يزدهر إذا ارتفعت درجة عدم اليقين، ورأس المال يبحث دائماً عن البيئات التي تحكمها قواعد مستقرة ومؤسسات قوية.
ولهذا السبب لم تعد الحوكمة في الاقتصاد الحديث قضية تنظيمية هامشية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في القدرة التنافسية للدول والشركات. فكلما ارتفعت جودة الحوكمة، انخفضت تكلفة رأس المال، وتحسن تقييم الشركات، وازدادت قدرتها على جذب المستثمرين، وتعززت فرصها في تحقيق نمو مستدام.
لكن الأهمية الحقيقية للشركات المساهمة العامة لا تتوقف عند هذا الحد. فالتحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصادات اليوم لا يتمثل فقط في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل في ضمان أن يكون هذا النمو أكثر شمولاً وعدالة واستدامة.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن الناتج المحلي قد يرتفع، وأن الشركات قد تحقق أرباحاً قياسية، بينما تتسع في الوقت ذاته فجوات الثروة والدخل، ويشعر جزء كبير من المواطنين بأنهم خارج دائرة الاستفادة من التحولات الاقتصادية. ولذلك لم يعد السؤال الذي يطرحه الاقتصاديون هو: كيف نحقق النمو؟ بل أصبح: من يملك هذا النمو؟ ومن يشارك في صناعته؟
هنا تتقاطع فكرة الشركات المساهمة العامة مع مفهوم التنمية المستدامة. فهذه الشركات، عندما تُدار وفق أعلى معايير الحوكمة، تستطيع أن تجمع في الوقت نفسه بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية.
فهي اقتصادياً تعبئ المدخرات وتمول الاستثمار وتولد فرص العمل وتدعم الابتكار. واجتماعياً توسع قاعدة الملكية وتعزز الثقة بالمؤسسات وتتيح للمواطنين المشاركة في تكوين الثروة، لا الاكتفاء بالحصول على جزء من عوائدها. وبيئياً تستطيع أن تقود الاستثمار في الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الموارد، والاقتصاد الدائري، والمشروعات منخفضة الانبعاثات.
ومن هنا، فإن الشركة المساهمة العامة ليست مجرد أداة للتمويل، بل منصة مؤسسية لتحقيق تنمية أكثر توازناً. ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في الحالة الأردنية، حيث تمضي الدولة في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، وتسعى إلى رفع معدلات النمو، وتعزيز الاستثمار، وتطوير قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والمياه، والتعدين، والنقل، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي.
غير أن نجاح هذه الرؤية لا يعتمد فقط على حجم الاستثمارات التي يمكن جذبها، وإنما أيضاً على طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين هذه الاستثمارات والمجتمع. فهل ستبقى المشروعات الوطنية الكبرى مشاريع يشاهدها المواطن من الخارج؟ أم يمكن أن تصبح، في بعض الحالات التي تسمح طبيعتها الاقتصادية والتنظيمية بذلك، مشاريع يشارك في ملكيتها واستثمارها، إلى جانب الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية، ضمن أطر قانونية ومالية مدروسة؟
هذا السؤال لا يتعلق بالشعبوية الاقتصادية، ولا يعني أن كل مشروع يجب أن يطرح للاكتتاب العام، فلكل مشروع خصائصه ومتطلبات تمويله ومخاطره. لكنه يفتح نقاشاً مشروعاً حول الكيفية التي يمكن بها توسيع قاعدة الملكية في بعض الأصول الإنتاجية الوطنية، بما يعزز الثقة، ويعبئ المدخرات المحلية، ويربط المواطن بصورة أوثق بالاقتصاد الوطني.
ولعل الفرق الجوهري بين التنمية التقليدية والتنمية الأكثر شمولاً يكمن هنا. فالأولى تركز على توزيع الإيرادات بعد تحقيق النمو، بينما تركز الثانية على توسيع فرص المشاركة في تكوين الثروة منذ البداية. فإعادة توزيع الدخل تظل أداة مهمة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها لا تغني عن بناء اقتصاد يتيح لعدد أكبر من المواطنين امتلاك حصص في الأصول المنتجة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر مؤسسات خاضعة للحوكمة والرقابة.
إن اتساع قاعدة الملكية لا يعني فقط زيادة عدد المستثمرين، بل يعني أيضاً توسيع دائرة المسؤولية والانتماء. فالمواطن الذي يمتلك سهماً في شركة ناجحة، أو يشارك عبر صندوق استثماري في مشروع وطني، لا ينظر إلى الاقتصاد بوصفه شأناً بعيداً عنه، بل باعتباره جزءاً من مستقبله الشخصي ومستقبل أسرته.
وهذا ما يمكن تسميته بـ”المواطنة الاقتصادية”؛ أي العلاقة التي تجعل المواطن شريكاً في صناعة القيمة الاقتصادية، لا مجرد مستهلك لها أو متلقياً لآثارها.
ولا يعني ذلك أن الشركات المساهمة العامة تمثل حلاً سحرياً لكل تحديات التنمية، فهي تحتاج إلى سوق رأس مال عميق، وإطار تشريعي متطور، وهيئات رقابية مستقلة، وإفصاح صارم، وحماية فعالة لحقوق المستثمرين، وثقافة مالية تعزز الاستثمار المسؤول. ومن دون هذه المقومات قد تتحول إلى أداة للمضاربة أو تركّز الملكية، وهو ما يتعارض مع الغاية التي ننشدها.
لكن عندما تتوافر هذه الشروط، تصبح الشركات المساهمة العامة أكثر من مجرد وسيلة لتعبئة الأموال؛ تصبح مؤسسة تبني الثقة، وتعزز الحوكمة، وتربط المجتمع بالاقتصاد، وتوفر قاعدة صلبة لتحقيق تنمية مستدامة.
وفي الأردن، حيث يتقاطع مشروع التحديث الاقتصادي مع مسارات التحديث السياسي والإداري، ربما يكون من المناسب توسيع النقاش ليشمل بعداً رابعاً يمكن تسميته بالتحديث المؤسسي للاقتصاد؛ أي بناء مؤسسات اقتصادية قادرة على الجمع بين الكفاءة، والشفافية، والمشاركة، والاستدامة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في السنوات المقبلة قد لا يكون فقط، كيف نجذب مزيداً من الاستثمارات؟ بل أيضاً، كيف نجعل عدداً أكبر من الأردنيين شركاء في هذه الاستثمارات عندما يكون ذلك ممكناً ومجدياً اقتصادياً؟
وربما يفرض هذا الواقع سؤالاً مشروعاً: متى كانت آخر مرة شهد فيها الأردنيون تأسيس شركة مساهمة عامة جديدة من خلال طرح عام واسع يتيح للمواطنين المشاركة في ملكيتها منذ انطلاقها؟ فرغم النشاط المستمر في سوق رأس المال من خلال زيادات رؤوس الأموال وحقوق الاكتتاب وإعادة هيكلة بعض الشركات، فإن سوق الإصدار الأولي لا يبدو بالحيوية نفسها التي تتطلبها مرحلة التحديث الاقتصادي، الأمر الذي يستدعي إعادة التفكير في البيئة التشريعية والتمويلية والتنظيمية المحفزة لإنشاء شركات مساهمة عامة جديدة، لا سيما في القطاعات ذات الأولوية الوطنية. إن السؤال هنا ليس سؤالاً تاريخياً بقدر ما هو سؤال تنموي: هل ينتج اقتصادنا مؤسسات جديدة تستوعب المدخرات الوطنية وتفتح أبواب الملكية أمام المواطنين، أم يقتصر دور السوق على تداول ملكية شركات قائمة؟
والتجارب الدولية تقدم نماذج تستحق التأمل. ففي دول مثل سنغافورة وماليزيا، أسهمت الشركات المساهمة العامة المدرجة في تمويل البنية التحتية، والمطارات، والموانئ، والطاقة، وربطت المدخرات المحلية بالمشروعات الاستراتيجية. وفي فرنسا، طُرح جزء من أسهم شركة الكهرباء الوطنية للاكتتاب في إطار سياسة هدفت إلى توسيع قاعدة الملكية مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي للدولة. كما شهدت المملكة العربية السعودية اكتتابات كبرى في شركات وطنية عززت عمق سوق المال، ووسعت مشاركة المواطنين والمؤسسات الاستثمارية في ملكية أصول استراتيجية. ولا تعني هذه التجارب أن هناك نموذجاً واحداً يصلح للجميع، لكنها تؤكد أن الشركات المساهمة العامة يمكن أن تكون أداة فعالة لتعبئة رأس المال الوطني، وتعميق الأسواق المالية، وإشراك المجتمع في تمويل المشروعات الكبرى متى صُممت الأطر القانونية والحوكمية بصورة سليمة.
فالأمم لا تُقاس فقط بحجم ناتجها المحلي، ولا بعدد المشروعات التي تنجزها، وإنما كذلك بقدرتها على بناء مؤسسات تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في المستقبل الذي يُبنى أمامهم.
إذا كان الأردن يستعد لتنفيذ مشروعات استراتيجية في المياه، والسكك الحديدية، والتعدين، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، فكم شركة مساهمة عامة جديدة يمكن أن تولد من رحم هذه المشروعات خلال العقد المقبل؟ وكم مواطن يمكن أن يصبحوا شركاء في ملكيتها بدلاً من أن يظلوا متلقين لنتائجها فقط؟
وربما تكون هذه هي المهمة الأعمق للشركات المساهمة العامة في القرن الحادي والعشرين، ليس فقط إنتاج الأرباح، بل إنتاج الثقة، وتوسيع الملكية، وتعزيز الشراكة المجتمعية، وتحويل التنمية من مشروع اقتصادي تديره المؤسسات إلى مشروع وطني يشارك فيه المجتمع بأسره.