سوريا ومأزق الأسئلة المؤجّلة.. عن مقابلة الرئيس السوري الشرع

جاءت مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة عبرَ قناة الجزيرة في ظرفٍ استثنائي حسّاس، تزامَن مع اكتمال استحقاق تشكيل مجلس الشعب، وعودة الحديث مجدداً عن تدخّل عسكري سوريٍ في لبنان، وملفات داخلية كان أبرزها حادث طريق دمشق- دير الزور والذي راح ضحيته 35 شخصاً. وفي ظل استمرار ملفات أمنية وسياسية لم تُحسم بعد. فضلاً عن كونها واحدة من أولى الإطلالات المطوّلة للرئيس منذ توليه السلطة، على أن تُستكمل في شقٍ ثانٍ عن حياته الشخصية الأسبوع المقبل، ما رَفعَ سقف التوقعات بشأن طبيعة الإجابات التي سيقدمها حول طبيعة النظام السياسي، هُويّة الدولة، وتصوّرٍ اكثر وضوحاً لآليات إدارة المرحلة الانتقالية، والقضايا الأكثر إلحاحاً داخلياً.
غيرّ أنّ أهمية المقابلة تتجاوز الأجوبة ذاتها، وهي وإن كان بعضها مكرراً أو بدهياً قياساً إلى سلوك وخطاب السلطة خلال الأشهر الماضية، وتعزِّز انطباعاً سَبق أن تشكَّل بحضور ثقل الملفات الخارجية على حساب أولويات الملفات الداخلية إلى ما تكشفه عن طبيعة الخطاب السياسي الذي تتبنّاه السلطة الجديدة. بتركها جزءاً كبيراً من الأسئلة المؤسِّسة للدولة ما يزال مفتوحاً.
بدا واضحاً أنّ المقابلة سعت إلى تقديم مرحلة جديدة في الانتقال من شرعية إسقاط النظام إلى شرعية جديدة قوامها “الإنجاز” وإدارة الدولة، غيرَ أنّ هذا الانتقال في الخطاب سَبَق، إلى حدٍ بعيد، اكتمال الأسس السياسية والمؤسسية التي تمنح هذه الشرعية مضموناً مستقراً. إذ أن المقابلة أوحت بأن الانتقال إلى خطاب الدولة يسير بوتيرة أسرع من بناء الدولة نفسها، وتزيد الانطباع حول تصرّف النظام الانتقالي كما لو كان سلطةً شرعيةً دائمةً.
أمّا الملاحظة الثانية، والمُتمثلة بعمومية الإجابات على القضايا السياسية الكبرى، كإعادة الإعمار، العدالة الانتقالية وبالأخصّ سؤالي الديمقراطية والهوُية.
فسؤال الديمقراطية وهو وإن كان في ذاته إشكالياً واستباقياً تبريرياً، ومن ثمّ توصيفها بالسؤال المُلِّح “سابقاً” في استدعاءٍ لنقاشات الربيع العربي، بل وحتى تضمينه للنقاشات العالمية حول “أزمة الديمقراطية وما بعدها” لربما لمنح أيّ إجابةٍ شرعية وإطار تفسيري أوسع، وبما يخفف من حدّة مساءلتها على مختلف المستويات داخلياً وخارجياً.
ومع التسليم بأن النقاشات حول أزمة الديمقراطية الليبرالية وتراجعها أصبحت حاضرة في الأدبيات السياسية المعاصرة، وأن البحث عن نماذج حكم بديلة بات مطروحاً بشكل جدّي، إلّا أن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن المنطقة العربية لم تستنفد بعد تجربة الديمقراطية أصلاً، فضلاً عن أن هذا النموذج، رغم أزماته، ما يزال الأكثر قدرة على تصحيح اختلالاته من خلال آلياته الداخلية، وفي مقدمتها التداول السلمي للسلطة، والرقابة، والمساءلة، وإمكانية مراجعة السياسات عبر المؤسسات والانتخابات. ومن ثم، فإن استدعاء النقاشات العالمية حول “ما بعد الديمقراطية” لا يكفي وحده لتبرير تجاوز السؤال الديمقراطي في الحالة السورية، أو تأجيل الإجابة عنه.
إلّا إنّ إجابة الرئيس تستحق الوقوف عندها، فقد قال: “نحن ندفع باتجاه مشاركة الناس وأن يكونَ للناس رأيهم في اختيار حاكمهم وأيضاً القوانين اللازمة لإدارة شؤونهم وهذا قمنا به من خلال مجلس الشعب والذي بدأت أولى جلساته واعتقد أننا نسير باتجاه الصحيح..”، غير أن هذا التصور يثير إشكاليتين؛ الأولى أنه يختزل المشاركة السياسية في بعدها الانتخابي، من دون التطرق إلى بقية مكونات النظام الديمقراطي، مثل الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، المركزية واللامركزية وآليات الرقابة والمساءلة، والشفافية والحوكمة. أمّا الثانية، فتتعلق باتساق هذا الطرح مع البنية المؤسسية القائمة؛ إذ إن مجلس الشعب بصيغته الحالية لا يملك صلاحية اختيار رئيس الجمهورية، فضلاً عن مساءلته أو حتى الحكومة على سبيل المثال.
كما أن تشكيله في دورته الأولى جاء عبر هيئات ناخبة وتعيينات، إلى جانب محدودية صلاحياته الدستورية والسياسية، وهو ما يحدّ من قدرته على أداء الدور التمثيلي والديمقراطي الذي أُحيل إليه في الإجابة. والأهم من مضمون الإجابة ذاتها أنها لم تمثل قطيعة مع الخطاب السابق للرئيس، بل جاءت امتداداً له. فمنذ توليه السلطة، لم تحضر مفردة “الديمقراطية” في خطاباته وفي إجاباته على الأسئلة حولها. حالياً او حتى في تصوّر ما بعد المرحلة الانتقالية في مقدمتها مستقبل النظام السياسي، وغالباً ما جرى استبدالها بمفردات أكثر عمومية، مثل “المشاركة”، و”الشورى”، و”اختيار الناس”، و”التمثيل”، دون تقديم تعريف واضح للمفهوم أو آليات نفاذه لموقعه ضمن تصوّر السلطة للدولة الجديدة. وهيّ ذات الكلمات التي حضرت في كلمة الرئيس في افتتاحية مجلس الشعب، بما ينسجم مع ما أرساه منذ تجربة إدلب من أن الشُّورى “مُعلِمة” وليست “مُلزِمة”.
أمّا عن “سورية” والتي كانت إجابةً لسؤالي هُويّة الدولة والنموذج الذي سيكون بناءً عليه شكل الدولة. وبأن الرئيس “ضد استيراد النماذج ” وهو ما يبدو منطقياً بالنظر إلى اختلاف المجتمعات، وسياقاتها التاريخية، والاجتماعية، والإقليمية. إلا أن ذلك لا يجيب عن السؤال الأصلي؛ فـ”سورية” تعبّر عن الانتماء الوطني للدولة، لكنها لا تعرّف هُويّتها السياسية أو الدستورية أو حتى الدينية، ولا توضح المرجعيات التي ستقوم عليها، أو طبيعة النظام الذي ستتبناه، أو شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويزيدها تعقيداً محاججة الرئيس إلى التشكيك في الحاجة إلى تعريفها من الأساس ” لماذا نقيّد أنفسنا بالتعريفات الثقافية التي اخترعناها ضمن ظروف معيّنة؟ وبأن ” سوريا تشبه سوريا ستكون سوريا وبالشكل الذي يليق بسوريا وحضارتها ونظرتنا إلى مستقبلها”.
غير أن هذه المرونة، وإن كانت مفهومة من منظور إدارة المرحلة الانتقالية، وربما تعكس في أحايين كثيرة محاولة لإحداث قطيعة مع الخطاب الأيديولوجي السابق للرئيس، دونَ أن تكون قطيعة كاملةً أو صريحة. فضلاً عن أن هذا النوع من الخطاب يوفر هامشاً سياسياً واسعاً للمناورة؛ فكلما اتسمت الإجابات بالعمومية، تراجعت الالتزامات المترتبة عليها، وازدادت القدرة على إعادة تفسيرها وفق مقتضيات المرحلة، وبما يقلّص من مساحة المساءلة السياسية والقانونية حولها.
إلّا أنه مع ذلك تحمل في المقابل كلفاً سياسية؛ وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول مدى إمكانية استمرار هذا الغموض، ومتى ستصبح هذه القضايا بحاجة إلى إجابات أكثر تحديداً على اعتبار أنها أسئلةً مؤسِّسة للنقاش الوطني، ولبناء توافقات سياسية ومجتمعية أوسع، وصياغة عقد اجتماعي جديد تتحدد في إطاره هوية الدولة، وطبيعة نظامها السياسي، والعلاقة بين السلطة والمجتمع.
وبقدر ما حضر في المقابلة من قضايا وإجابات، يبرز سؤال ما لم يحضر وغاب عنها. فقد كان الثقل الأكبر للملفات الخارجية والإقليمية، ولا سيما في الحديث عن العلاقات مع دول الجوار، لبنان والعراق على وجه الخصوص. أما داخلياً، فقد حظيت التطورات في شمال شرق سوريا وملف دمج قوات سوريا الديمقراطية بمساحة أكبر، وهو ما يكتسب دلالة خاصة بالنظر إلى حساسية اللحظة، في ظل تصاعد مؤشرات التوتر السياسي والعشائري في محافظة الحسكة، إثر نصب “خيمة الحرب” من قبل شيوخ العشائر العربية ضد قسد، على خلفية اعتراضات تتعلق بتهميش المناطق ذات الغالبية العربية، وعدم إشراكها بصورة كافية في التعيينات الإدارية أو خطط التنمية والخدمات، رغم التفاهمات الأخيرة بين دمشق و”قسد”. وهي التي جمّدت مرحلياً إثر تدّخل فريق من الرئاسة السورية.
في المقابل، وإذا كان التركيز قد انصب على شمال شرق سوريا، فإن ذلك يقابله غياب لافت لملف لا يقل أهميةً ولا حساسيةً وهو ملف السويداء، رغم الإشارة له عرضياً من المحاور أثناء المقابلة دونَ التوسع له في الحوار. خصوصاً مع مرور عام على أحداث تمّوز/يوليو الدامية في المحافظة، الملف الأكثر إلحاحاً وصعوبةً وفيما يبدو تأجيلاً لحسم الملف. إذ تضمّ المحافظة العديد من التحديات الرئيسية التي تواجه سوريا، وكلها تجتمع في حيز جغرافي ضيّق للغاية: غياب الدولة، اللامركزية، والعلاقة مع الأقليات، وتضارب روايات الضحايا والسرديات، والعدالة الانتقالية، وشبكات اقتصاد الحرب والمليشيات، إضافة إلى التدّخل الإسرائيلي. وهيّ ملفات ليست حكراً على السويداء وحدها، إلّا أنها ترِكتها وثقلها وطريقة التعامل معها يشكِّلان مؤشراً هاماً على مستقبل سوريا.
ورغمَ حديث الرئيس عن “سعي بلاده إلى عقد اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة دول عربية” أبدى في ذات الوقت عدم تفاؤله بنجاح الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان نتيجةً وجود “ثغرات فيه” وبأن المسار السوري منفصل تماماً”.. إذ لم يوضح كيف وما ما المُختلف خصوصاً مع الازدياد المضطرد في التوغلات الإسرائيلية الأخيرة في الجنوب السوري وتوسعها خصوصاً خلال الأيام الماضية في الريف الغربي لمحافظة درعا. وهو ما يفتح تساؤلات حول كيفية مقاربة السلطة الجديدة للتحديات الأمنية والسياسية في الجنوب السوري ككلّ، وما إذا كانت ستعالجها ضمن تصوّر وطني شامل أم عبر ترتيباتٍ منفصلة لكلّ ملف.
ختاماً، تشكِّل هذه النقاط الثلاث الحاضرة والغائبة منها والأسئلة المؤجَّلَةٍ منها في مَجموعها؛ ملامح التحدي الحقيقي أمام السلطة الجديدة. لأنها ستحدد طبيعة الانتقال من شرعية التحرير إلى شرعية الدولة، وحدود قدرة السلطة على بناء شرعية سياسية ومؤسسية أكثر استقراراً.