الحرب الخوارزمية: كيف تحاول الصين تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة نفوذ في النظام الدولي؟
![Robots compete in a boxing event. [Pedro Pardo/AFP]](https://i0.wp.com/politicsociety.org/wp-content/uploads/2026/07/AFP__20250817__69QA2G3__v2__HighRes__TopshotChinaRobotGames-1755497997.webp?fit=1170%2C780&ssl=1)
عندما أعلنت الصين خلال الأيام السابقة عن توسيع برامج التعاون والتدريب[1] في مجال الذكاء الاصطناعي مع دول وتكتلات من الجنوب العالمي، بدا الأمر جزءًا من سباق التكنولوجيا المتسارع،حيث كانت الصين تستخدم هذا المجال في إطار تشكيل النفوذ داخل النظام الدولي، مما يدلل على أن الصراع اليوم لا يتعلق بمن يمتلك الخوارزميات الأكثر تطورًا فحسب، إنما بمن يملك القدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قواعد ومعايير وشبكات نفوذ عابرة للحدود، ومن هنا، يصبح السؤال المطروح ليس فقط ما الذي حققته الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، بل ما الذي ينبغي عليها القيام به لتعظيم المكاسب السياسية والاستراتيجية لهذا التقدم في بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس على التكنولوجيا والمعايير الرقمية. وفي هذا السياق، يمكن فهم هذه التحركات في إطار ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الخوارزمية”، أي استخدام الدول للذكاء الاصطناعي والخوارزميات والبيانات ليس فقط لتعزيز قدراتها التقنية، وإنما أيضًا لبناء النفوذ الخارجي، والتأثير في قواعد الحوكمة الرقمية، وتشكيل شبكات جديدة من الاعتماد المتبادل على المستوى الدولي، ويختلف هذا المفهوم عن الدبلوماسية الرقمية التقليدية التي تركز على توظيف التقنيات في التواصل الدبلوماسي، إذ يتعلق بقدرة الدول على توظيف البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي كأدوات لإعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام الدولي.
وفي الحرب الأخيرة أظهرت المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران وما رافقها من دعم أمريكي لقدرات إسرائيل التقنية والاستخباراتية، أن الذكاء الاصطناعي بات عنصرًا أساسيًا في إدارة الحروب الحديثة، سواء من خلال تحليل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، أو دعم عمليات الاستهداف واتخاذ القرار، أو إدارة الفضاء السيبراني وحملات التأثير المعلوماتي. وفي المقابل، لم يعد استهداف البنية التحتية الرقمية يقتصر على المنشآت العسكرية، إذ شهدت الأزمة موجة من الهجمات السيبرانية[2] التي استهدفت مؤسسات مالية ومنصات رقمية وقواعد بيانات حساسة، في محاولة لتعطيل القدرات التشغيلية للطرف المقابل وتقويض الثقة بمنظوماته الرقمية.
لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي قضية في السياسة الخارجية؟
تاريخيًا كانت مصادر النفوذ الدولي ترتبط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية أو السيطرة على طرق التجارة، أما اليوم، فإن البيانات والخوارزميات والبنية التحتية الرقمية تتحول تدريجيًا إلى مصدر جديد للقوة مما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا تقنيًا فقط، وإنما أداة في التنافس الجيوسياسي، ويمكن قراءة هذا التحول من خلال أدبيات العلاقات الدولية، خاصة مفهوم القوة الناعمة الذي طرحه جوزيف ناي[3]، والذي يشير إلى قدرة الدول على التأثير في سلوك الآخرين دون اللجوء إلى الإكراه المباشر، ولكن ومع استمرار الحرب الأخيرة تحول هذا المفهوم ليخرج من إطار القوة الناعمة إلى إطار القوة الصلبة، ومن هذا المنظور يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تتجاوز بعدها كوسيلة للتأثير غير المباشر فقط، وإنما تحول إلى مورد ترتبط به القدرة على تحقيق التفوق العسكري والسيبراني وصياغة موازين القوة في البيئة الدولية المعاصرة.
خلال السنوات الماضية انشغل كثير من المحللين بقياس الفجوة التقنية بين الصين والولايات المتحدة، لكن النقاش الأكثر أهمية يتعلق بكيفية توظيف بكين لقدراتها التقنية في خدمة أهدافها السياسية والدبلوماسية، فالصين لا تسعى فقط إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي منافسة للنماذج الأمريكية، بل تسعى أيضًا إلى بناء شبكة من العلاقات والمؤسسات والمعايير الدولية التي تضمن لها دورًا مؤثرًا في تشكيل مستقبل الحوكمة الرقمية العالمية، وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الخطاب[4] الصيني المتزايد حول التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي والدعوة إلى إنشاء أطر عالمية جديدة لتنظيمه وإدارته، كما أن التحركات الصينية في هذا المجال ترتبط بشكل وثيق برؤيتها لدورها داخل ما يُعرف بالجنوب العالمي، ولا يقتصر هذا التوجه على الخطاب السياسي، بل ظهر عمليًا في إطار (طريق الحرير الرقمي[5]) بوصفه أحد مكونات مبادرة الحزام والطريق، حيث استثمرت الشركات الصينية في تطوير البنية التحتية الرقمية وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات في عدد من الدول الآسيوية والأفريقية، ورغم أن هذه المشروعات تُقدم باعتبارها أدوات للتنمية الرقمية، فإنها تسهم في الوقت نفسه في تعميق الاعتماد التكنولوجي على المنظومات الصينية، بما يمنح بكين حضورًا متزايدًا في تشكيل البنية الرقمية للدول الشريكة، ففي الوقت الذي تميل فيه الدول الغربية إلى ربط قضايا التكنولوجيا والحوكمة الرقمية بمنظومات سياسية وقيمية محددة تحاول الصين تقديم خطاب بديل يقوم على فكرة الشراكة التنموية[6] واحترام السيادة الوطنية وعدم فرض نماذج سياسية بعينها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم هذا التوجه بمعزل عن التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، فالإجراءات الأمريكية المتعلقة بتقييد صادرات الرقائق المتقدمة والتكنولوجيا الحساسة إلى الصين دفعت بكين إلى تسريع جهودها لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال التقني. وفي هذا السياق، اكتسبت التجارب الصينية الأخيرة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي أهمية سياسية تتجاوز بعدها التقني، لأنها تمثل محاولة لإظهار قدرة الصين على مواصلة الابتكار رغم القيود المفروضة عليها، وقد أثارت نماذج مثل [7]DeepSeek اهتمامًا واسعًا لأنها عكست قدرة الشركات الصينية[8] على تطوير حلول فعالة في ظل بيئة دولية أكثر تقييدًا.
هل تستطيع “الدبلوماسية الخوارزمية” الصينية إعادة تشكيل النفوذ الدولي؟
رغم ما حققته الصين من تقدم ملحوظ في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن افتراض نجاحها التلقائي في تحويل هذا التقدم إلى نفوذ سياسي عالمي يظل محل نقاش، فامتلاك التكنولوجيا لا يقود بالضرورة إلى امتلاك القدرة على صياغة النظام الدولي أو قيادته، وبينما نجحت بكين في ترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في سباق الذكاء الاصطناعي، فإن الطريق نحو توظيف هذه القدرات في تعزيز النفوذ الخارجي لا يزال يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية والسياسية المتمثلة في:
أولًا، استمرار المنافسة التكنولوجية [9]مع الولايات المتحدة حيث لا تزال واشنطن تمتلك أدوات مؤثرة[10] للحد من وصول الصين إلى بعض التقنيات الحساسة، لا سيما الرقائق الإلكترونية المتطورة والبنى التحتية الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج الأكثر تقدمًا، وقد دفعت هذه القيود الشركات الصينية إلى تبني حلول أكثر كفاءة وابتكارًا، لكنها لم تُلغِ بالكامل حالة الاعتماد الجزئي على التكنولوجيا العالمية وسلاسل التوريد الدولية.
أما التحدي الثاني فيرتبط بمسألة الثقة الدولية، فنجاح أي دولة في بناء نفوذ عالمي من خلال التكنولوجيا لا يعتمد فقط على جودة منتجاتها أو قدرتها الابتكارية، إنما يتطلب أيضًا قبولًا دوليًا للمعايير والقواعد التي تروج لها، وفي هذا السياق، ما تزال بعض الحكومات تنظر بحذر إلى التوسع الصيني في المجال الرقمي، خاصة في القضايا المتعلقة بحوكمة البيانات والأمن السيبراني والسيادة الرقمية، ما يعني أن قدرة الصين على توسيع حضورها التكنولوجي قد لا تعني بالضرورة قبولًا واسعًا لرؤيتها السياسية والتنظيمية، فالتكنولوجيا يمكن أن تنتشر بسرعة، لكن الشرعية السياسية تحتاج إلى مسار أكثر تعقيدًا وطولًا.
ويبرز تحدٍ ثالث يتمثل في طبيعة النظام الدولي نفسه، فالصين لا تتحرك في فراغ، خاصة في وجود بيئة دولية تشهد تنافسًا متزايدًا على وضع قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي، وبينما تسعى بكين إلى طرح مبادرات[11] جديدة للحوكمة الدولية وتوسيع التعاون مع دول الجنوب العالمي، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها في الوقت نفسه على تطوير أطر ومبادرات منافسة، وبالتالي، فإن مستقبل الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي قد لا يُحسم لصالح نموذج واحد، ولكن قد يتجه نحو تعدد مراكز التأثير وتنافس الرؤى التنظيمية المختلفة.
وهنا، يبدو أن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت الصين ستربح سباق الذكاء الاصطناعي، إنما إذا كانت ستنجح في تحويل هذا التقدم التكنولوجي إلى نفوذ سياسي مستدام، وحتى الآن، لا تزال الإجابة مفتوحة، فالصين حققت تقدمًا مهمًا في بناء أدوات القوة الرقمية، لكنها لم تحسم بعد معركة تحويل هذه الأدوات إلى قيادة دولية معترف بها، وهذا يشير إلى أن تقييم التجربة الصينية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال التفوق التقني، فالأهمية الحقيقية للمقاربة الصينية تكمن في قدرتها على الربط بين التكنولوجيا والتنمية والدبلوماسية، وإذا نجحت بكين في الحفاظ على هذا الربط، وتوسيع شبكات التعاون الرقمي مع الدول النامية، فقد تتمكن من بناء نفوذ طويل الأمد يتجاوز حدود قطاع التكنولوجيا نفسه.
بالضرورة لن يكون الذكاء الاصطناعي وحده قادر على حسم موازين القوة العالمية، لكنه يكشف عن تحول أعمق في طبيعة المنافسة الدولية نفسها، فالدبلوماسية الخوارزمية لا تقوم على تصدير التكنولوجيا فحسب، بل على تصدير المعايير وبناء شبكات الاعتماد الرقمي وصياغة قواعد الحوكمة المستقبلية، ولذلك، فإن السؤال الرئيس لا يتعلق بما إذا كانت الصين ستتفوق تقنيًا على الولايات المتحدة، بل بما إذا كانت ستنجح في تحويل قدراتها التقنية إلى شرعية سياسية ونفوذ معياري مقبول دوليًا، ومن هنا، قد لا يكون الصراع القادم صراعًا على الخوارزميات بقدر ما سيكون صراعًا على من يملك حق تحديد القواعد التي تحكم استخدامها عالميًا.
[1] Xi pitches China as AI partner to developing world, warns against risks and security overreach
[2] Iran conflict shows how digital fight is ingrained in warfare | AP News
[3] ملخص كتاب القوة الناعمة – مجلة الدبلوماسي الدولية
[4] Xi pitches China as AI partner to developing world, warns against risks and security overreach
[5] منتدى “طريق الحرير الرقمي” في الصين يسلط الضوء على التعاون القائم على الذكاء
[6] China offers more inclusive path for global AI governance_China’s Diplomacy in the New Era
[7] Chips, China, and a Lot of Money: The Factors Driving the DeepSeek AI Turmoil | Carnegie Endowment for International Peace
[8] Challenging US dominance: China’s DeepSeek model and the pluralisation of AI development | European Union Institute for Security Studies
[9] A Path Forward on AI Safety for the United States and China | Carnegie Endowment for International Peace
[10] Xi pitches China as AI partner to developing world, warns against risks and security overreach
[11] Xi Jinping’s 2026 World AI Conference Speech: What It Means for China and the Future of AI – Modern Diplomacy