من «جورنال الباشا» إلى “الشرق العربي”: عن دور الجريدة الرسمية في بناء الدولة الحديثة ونخبتها في الشرق الأوسط

حارث أبو بديوي
في تاريخ النهضة الحديثة في الشرق الأوسط، كثيرًا ما يُشار إلى المدارس، والبعثات، والإدارات، والقوانين والجيوش، بوصفها أدوات الانتقال إلى الدولة الحديثة. غير أن ثمة أداة أخرى، لعبت دورًا بالغ الأهمية في هذا التحول، وهي “الجريدة الرسمية”.
الجريدة الرسمية، في بداياتها، كانت واحدة من الوسائل التي بدأت من خلالها الدولة الحديثة تخاطب جهازها، وتنظّم إدارتها، وتعلن قراراتها، وتصنع لغة مشتركة بين المركز والأطراف.
لقد كانت، في جوهرها، مدرسة مبكرة للبيروقراطية الحديثة، ووسيلة لصناعة نخبة تعرف كيف تقرأ الدولة، وتنقل رسائلها إلى المجتمع.
قبل الجريدة الرسمية، كان القرار السياسي والإداري ينتقل غالبًا عبر الفرمانات والرسائل الخاصة ورجال الإدارة والمنادين في الأسواق والطرقات. وكان أثر القرار مرتبطًا بمن يحمله، ومَن يصل إليه. أما مع ظهور الصحافة الرسمية، فقد بدأ القرار يأخذ صورة جديدة؛ نص منشور، مؤرَّخ، محفوظ، يمكن الرجوع إليه، والاحتجاج به، والبناء عليه.
من هنا، صارت الجريدة الرسمية، مع مطلع القرن التاسع عشر، جزءًا من بنية الدولة نفسها. إذ انتقل الحكم من المشافهة إلى الوثيقة. ومن خلالها، بدأت لغة الدولة الحديثة بالتشكل.
ولعل من المهم أن ننتبه هنا، إلى ارتباط ظهور الجرائد الرسمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمشاريع إصلاحية كبرى، في لحظات أرادت فيها السلطة، في أكثر من نموذج، أن تعيد بناء الإدارة، وتنظم الجيش، وتضبط القضاء، وتوحّد الضرائب، وتربط المركز بالأطراف.
ومن هذه الزاوية بالذات، يمكن فهم «جورنال الباشا» و«الوقائع المصرية» في مصر، و«تقويم وقائع» في الدولة العثمانية، و«وقائع اتفاقية» في إيران، و«الرائد التونسي» في تونس، و«الزوراء» في بغداد، و«الشرق العربي» في بدايات الدولة الأردنية.
بطبيعة الحال، فإن الطباعة نفسها، كانت جزءًا من هذا التحول.
صحيح أن العالم الأوروبي قد عرف المطبعة بالحروف المتحركة منذ منتصف القرن الخامس عشر مع غوتنبرغ، إلا أن اعتماد الطباعة بالحروف العربية والعثمانية في المجال الإسلامي العثماني، تأخر كثيراً، لأسباب متعددة، منها التحفظات “الفقهية” على طباعة النصوص الشرعية، ومصالح طبقة النساخ والخطاطين، ثم ضيق جمهور القراءة، وبطء الحاجة الإدارية إلى النشر المنتظم.
في الأثناء، كانت ظهرت مطابع غير المسلمين داخل الدولة العثمانية، لغايات دينية بحتة، وداخل المؤسسات الدينية. لكن المطبعة التركية العثمانية لم تظهر رسميًا إلا سنة 1727، وبإذن محدود لطباعة الكتب غير الدينية.
مع القرن التاسع عشر، صارت المطبعة حاجة إدارية. فالدولة التي تريد الإصلاح لم تعد قادرة على الاكتفاء بالأمر الشفهي أو الرسالة الخاصة. كانت بحاجة إلى نص منشور، وإلى قناة رسمية تجعل القرار قابلًا للتداول والرجوع إليه.
من هنا، تبدأ قصة الجريدة الرسمية بوصفها واحدة من أدوات النهضة الإدارية التي مهدت لقيام الدولة الحديثة.
عن دور الجريدة الرسمية في بناء الدولة الحديثة ونخبتها في الشرق الأوسط
تأتي التجربة المصرية في مقدمة تجارب الصحافة الرسمية في المنطقة. صحيح أن «الوقائع المصرية» صدرت سنة 1828، إلا أن مصر عرفت قبل ذلك مسارًا مبكرًا جعل الطباعة جزءًا من وعي الدولة الحديثة بذاتها.
لقد تركت الحملة الفرنسية على مصر، أواخر القرن الثامن عشر، أثرًا عميقًا في هذا المجال، حين جاءت معها المطابع التي استخدمها نابليون في الإدارة والدعاية والبيان السياسي. ولم تكن مطبعة الحملة الفرنسية مؤسسة مصرية بالمعنى المحلي، لكنها كشفت مبكرًا عن القوة السياسية والإدارية للمطبوع؛ كيف يمكن للسلطة أن تخاطب، وتعلن، وتشرح، وتوثّق، وتدير عبر النص المطبوع.
غير أن التحول الحاسم لم يقع مع الحملة الفرنسية نفسها، بل مع مشروع محمد علي باشا. فقد انتقلت الطباعة في عهده من أثر عابر حملته قوةٌ أجنبية إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة الناشئة. ولم يتعامل محمد علي مع المطبعة بوصفها أداة ثقافية فقط، بل بوصفها جزءًا من مشروع الحكم والإدارة وبناء الجيش والمدارس والدواوين. ومن هنا، جاءت مطبعة بولاق، في عشرينيات القرن التاسع عشر، لتصبح الطباعة جهازًا من أجهزة الدولة الحديثة.
لكن، بين أثر مطبعة نابليون وصدور «الوقائع المصرية»، تبرز تجربة شديدة الأهمية هي «جورنال الباشا» أو «جورنال الخديوي». فقد ظهر هذا الجورنال، ويُرجّح أن بداياته تعود إلى سنة 1813، بوصفه نشرة حكومية مبكرة في عهد محمد علي باشا، أي قبل صدور «الوقائع المصرية» بنحو خمسة عشر عامًا.
لم يكن «جورنال الباشا» صحيفة جماهيرية موجهة إلى عموم الناس، بل كان أقرب إلى أداة إدارية داخل جهاز الدولة. كان يُطبع في عدد محدود لا يتجاوز غالبًا مئة نسخة، ويوجَّه أساسًا إلى كبار الموظفين ورجال الإدارة. وكان يصدر بالعربية والتركية، ويُعنى بنشر الأخبار الحكومية وما يتصل بشؤون السلطة والإدارة.
هنا، تكمن أهميته. إذ مثّل تجربة مبكرة في تنظيم العلاقة بين القرار والإدارة. لقد أدركت دولة محمد علي، قبل اكتمال كثير من مؤسساتها، أن الحكم الحديث لا يحتاج إلى الجيش والدواوين والضرائب وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى قناة مكتوبة ودورية تخاطب جهاز الدولة، وتربطه بالمركز، وتحول الخبر الإداري من أمر عابر إلى نص محفوظ.
الدولة العثمانية؛ “تقويم وقائع” والقرار المركزي المنشور
ثم جاءت «الوقائع المصرية» سنة 1828، لتمنح هذا المسار شكله الأكثر انتظامًا وعلنية. فقد صدرت بأمر من محمد علي باشا، في سياق مشروعه الواسع لبناء دولة مركزية حديثة شمل الجيش، والدواوين، والمدارس، والمصانع، والبعثات، والإدارة المركزية. وكانت في بداياتها موجهة أساسًا إلى موظفي الدولة وضباط الجيش وطلاب البعثات، وصدرت بالعربية والتركية العثمانية قبل أن تستقر لاحقًا بالعربية.
وهذا يكشف أن وظيفتها الأولى لم تكن صحافة جماهيرية، بل وظيفة إدارية وتأسيسية؛ تنظيم جهاز الدولة، وتوحيد لغة المركز والأطراف، وتحويل القرار من أمر شفهي أو ديواني إلى نص رسمي منشور. وبذلك، تبدو «الوقائع المصرية» تتويجًا لمسار كامل من مطبعة نابليون التي كشفت قوة المطبوع، ومطبعة بولاق حوّلت الطباعة إلى مؤسسة حكومية، و«جورنال الباشا» الذي جرّب النشرة الإدارية المحدودة، لتجيء «الوقائع المصرية» وتؤسس الجريدة الرسمية المصرية بالمعنى الأوضح.
بعد «الوقائع المصرية» بثلاث سنوات، صدرت «تقويم وقائع» سنة 1831، في عهد السلطان محمود الثاني، بوصفها الجريدة الرسمية العثمانية. وجاء صدورها في سياق إصلاحي سبق مرحلة التنظيمات الكبرى، لكنه مهّد لها من حيث الوظيفة الإدارية والسياسية.
كانت الدولة العثمانية، الممتدة على ولايات واسعة ولغات وجماعات متعددة، تواجه سؤالًا عمليًا: كيف يمكن للمركز أن يجعل قراراته معروفة وملزمة في الأطراف؟ وقد جاءت «تقويم وقائع» جزءًا من الجواب. فهي لم تكن حدثًا صحفيًا فقط، بل أداة من أدوات إعادة بناء المركزية العثمانية، وتنظيم علاقة إسطنبول بالولايات، ومنح القرار الرسمي صفة العلنية والمرجعية.
وقد امتد هذا المنطق لاحقًا إلى بعض الولايات العثمانية، فظهرت صحف رسمية محلية مثل جريدة «سوريا» في دمشق سنة 1865، وكانت تنشر بالعربية والتركية أوامر الولاية وأخبارها. غير أن هذه التجارب بقيت أقرب إلى أذرع إدارية للسلطة العثمانية في الولايات، منها إلى مشاريع إصلاحية مستقلة أو لحظات تأسيس دولة جديدة.
ومع قيام الجمهورية التركية، أعيد تأسيس الجريدة الرسمية في سياق سياسي جديد. فقد أنشأت الجمعية الوطنية الكبرى في أنقرة الجريدة الرسمية سنة 1920، وصدر أول عدد منها باسم «Cerîde-i Resmiyye» في 7 فبراير 1921، أي قبل إعلان الجمهورية التركية سنة 1923. وهو ما قد يدل على أن الدولة الجديدة احتاجت، حتى قبل اكتمال شكلها الدستوري النهائي، إلى أداة تنشر بها قوانينها وقراراتها وتؤسس شرعيتها المكتوبة.
إيران؛ “وقائع اتفاقية” وإصلاح الدولة القاجارية
في إيران، صدرت «وقائع اتفاقية» سنة 1851 بأمر من “أمير كبير”، الوزير الإصلاحي البارز في الدولة القاجارية. وقد جاءت في سياق إصلاحات هدفت إلى تقوية الدولة، وتنظيم الإدارة، ومواجهة الفساد، وربط المركز بالأطراف.
تكمن أهمية المثال الإيراني في أنه لا ينتمي إلى المجال العثماني المباشر، بل إلى دولة مستقلة سياسيًا واجهت السؤال نفسه: كيف تنتقل السلطة من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات؟ وكانت الجريدة الرسمية إحدى الإجابات العملية عن هذا السؤال.
أدرك أمير كبير أن الإصلاح لا يكتمل بإصدار الأوامر وحدها، بل يحتاج إلى وسيلة تجعل هذه الأوامر معلنة ومنظمة ومحفوظة.
كانت «وقائع اتفاقية» جزءًا من مشروع بناء الدولة القاجارية الحديثة، ومحاولة لجعل الدولة أكثر قابلية للقراءة، وأكثر قدرة على مخاطبة إدارتها ومجتمعها بلغة مكتوبة ومنظمة.
في تونس، صدر «الرائد التونسي» سنة 1860. وتنبع أهميته من أنه ظهر قبل الحماية الفرنسية، وفي سياق إصلاحي تونسي كان يسعى إلى تحديث الإدارة والجيش والقانون والتعليم.
وقد لا يُنسب تأسيس «الرائد» مباشرة إلى رئيس الوزراء المصلح الكبير خير الدين التونسي بصيغة حاسمة، لأن ظهوره سبق تولي خير الدين أبرز أدواره السياسية والفكرية. لكن الصحيح أنه وُلد في المناخ الإصلاحي نفسه الذي سيغدو خير الدين لاحقًا أحد أبرز رموزه. ولذلك، يمكن فهمه بوصفه جزءًا من بيئة تونسية أرادت أن تنقل الحكم من العرف الإداري المتناثر إلى النص المنشور، ومن سلطة الأشخاص إلى سلطة التنظيم.
لقد مثّل «الرائد التونسي» ذاكرة قانونية وإدارية مبكرة للدولة التونسية. وتستمر أهميته في كونه يربط التجربة التونسية الحديثة بجذر إصلاحي سابق على الاستعمار، ويذكّر بأن فكرة الدولة المكتوبة لم تكن وافدة فقط مع الإدارة الاستعمارية، بل كانت جزءًا من محاولات إصلاح محلية مبكرة.
بغداد؛ “الزوراء” والمطبعة بوصفهما أداة إصلاح
في بغداد، صدرت «الزوراء» سنة 1869، في عهد الوالي العثماني الإصلاحي مدحت باشا. وقد ارتبط صدورها بإدخال المطبعة إلى الولاية، إذ لا تقوم الجريدة الرسمية بمجرد الرغبة في النشر، بل تحتاج إلى بنية إدارية ومادية تجعل النشر منتظمًا ومستمرًا.
صدرت «الزوراء» بالعربية والتركية، وتُعد أول صحيفة عراقية والجريدة الرسمية لولاية بغداد العثمانية. وقد أدت دورًا مزدوجًا؛ إبلاغ السكان من جهة، وتنظيم العلاقة بين مركز الولاية ومؤسساتها من جهة أخرى. ومن خلالها دخلت بغداد طورًا جديدًا من الإدارة المكتوبة.
لم يكن مدحت باشا ينظر إلى المطبعة والصحيفة بوصفهما زينة ثقافية، بل بوصفهما جزءًا من أدوات الإصلاح. فحيث أراد الوالي تحديث الإدارة، ظهرت الحاجة إلى مطبعة وصحيفة رسمية.
وتكمن أهمية «الزوراء» في أنها تمثل حلقة وسطى بين الجريدة الرسمية المركزية والجريدة الرسمية المحلية. فهي لم تؤسس دولة مستقلة، لكنها ارتبطت بمشروع إصلاحي واضح في ولاية كبرى، وبمحاولة تحديث الإدارة العثمانية في العراق عبر المطبعة والنص الرسمي.
شرق الأردن؛ “الشرق العربي” وبدايات الدولة الأردنية
تكتسب التجربة الأردنية أهمية خاصة لأنها ارتبطت بالبدايات الأولى لتأسيس الإمارة. فبعد وصول الأمير عبدالله بن الحسين إلى شرق الأردن، وبدء تشكل مؤسسات الحكم والإدارة، ظهرت الحاجة إلى أدوات رسمية للنشر والتوثيق والإعلان. وفي هذا السياق، صدرت «الشرق العربي» سنة 1923، بوصفها الجريدة الرسمية لحكومة شرقي الأردن، وظهر عددها الأول في عهد الأمير عبدالله بتاريخ 28 أيار/ 1923.
لم تكن «الشرق العربي» مجرد صحيفة في بلد ناشئ، بل جزءًا من البنية الأولى للدولة الأردنية. فقد جاءت في مرحلة كانت فيها الإمارة تؤسس نواة مؤسساتها، وتنظم علاقتها بالمجتمع، وتبني لغتها الإدارية والسياسية. ومن اللافت أن صدور الجريدة الرسمية جاء في وقت مبكر من عمر الإمارة، بما يدل على إدراك مبكر لأهمية النشر الرسمي في تثبيت الدولة وإشهار قراراتها.
وقد ارتبط اسم محمد الشريقي بهذه المرحلة، بوصفه من رجال الإدارة والثقافة الذين أسهموا في بدايات العمل الصحفي والرسمي في شرق الأردن. وتذكر مصادر التراث الملكي الأردني أن «الشرق العربي» نشرت الأنظمة والقوانين والمعاهدات والاتفاقيات والقرارات والبلاغات والإعلانات الرسمية والأوامر الأميرية، وأن محمد الشريقي تولى إدارتها والكتابة فيها.
هذا يوضح أن تأسيس الدولة الأردنية لم يكن عملًا سياسيًا وإداريًا فحسب، بل كان أيضًا عملًا مطبعيًا ونشريًا. فالدولة الناشئة احتاجت، منذ وقت مبكر، إلى صحيفة تنشر أخبارها وقراراتها وتبني صورتها أمام مواطنيها ومحيطها. وفي هذا المعنى، كانت «الشرق العربي» جزءًا من ذاكرة التأسيس الأردنية، لا مجرد ورقة رسمية عابرة.
وفي سنة 1926، تغيّر اسم «الشرق العربي» إلى «الجريدة الرسمية لحكومة شرق الأردن»، ثم صار بعد الاستقلال «الجريدة الرسمية للمملكة الأردنية الهاشمية». ويعكس هذا التطور في الاسم تطور الدولة نفسها؛ من إمارة في طور التأسيس، إلى حكومة أكثر تنظيمًا، ثم إلى مملكة مستقلة لها سجلها القانوني والإداري المستمر.
الصحافة الرسمية وتشكيل نخبة الدولة
لم تكن أهمية الجريدة الرسمية، إذن، محصورة في نشر القوانين والقرارات. فقد أسهمت أيضًا في تشكيل طبقة وسيطة بين الدولة والمجتمع. كان جمهورها الأول محدودًا؛ موظفو الإدارة، القضاة، رجال الدواوين، الضباط، التجار، المتعلمون، الكتّاب، والأعيان المحليون. لكن محدودية هذا الجمهور لا تقلل من أهميته، لأن هؤلاء لم يكونوا مجرد قراء عاديين، بل كانوا الفئة القادرة على فهم النص الرسمي وشرحه ونقله إلى المجتمع.
هنا، تلتقي التجربة التاريخية للجريدة الرسمية مع ما ستعرفه دراسات الاتصال لاحقًا باسم نظرية التدفق على مرحلتين. فقد راجعت هذه النظرية التصور المبكر الذي كان يرى الرسالة الإعلامية كأنها تنتقل مباشرة من الوسيلة إلى الجمهور، وقالت إن الرسالة تمر غالبًا عبر فئة من قادة الرأي، يتلقونها أولًا، ثم يعيدون تفسيرها ونقلها إلى محيطهم الاجتماعي.
وإذا أُسقط هذا الفهم على بدايات الدولة الحديثة في الشرق الأوسط، أمكن القول إن الجريدة الرسمية ساهمت في تشكيل نواة هذه الفئة الوسيطة. فالموظف الذي يقرأ القرار، والقاضي الذي يستند إلى النص، والتاجر الذي يتابع الأنظمة، والكاتب الذي يشرح مضمون ما نُشر، كانوا جميعًا جزءًا من طبقة بدأت تتعلم لغة الدولة وتعيد نقلها إلى الناس.
بهذا المعنى، لا تقاس أهمية الجريدة الرسمية بعدد قرائها المباشرين، بل بموقع هؤلاء القراء ودورهم. فقد صنعت حول النص الرسمي جمهورًا خاصًا، قريبًا من الإدارة، قادرًا على تحويل القرار المنشور إلى معرفة اجتماعية وسياسية. وبذلك، لم تكن الجريدة الرسمية وسيلة اتصال عمودية فقط من السلطة إلى المجتمع، بل كانت مدرسة أولى للنخبة الإدارية والقانونية التي ستتعامل مع الدولة الحديثة وتشرح لغتها.
تكشف هذه التجارب، من «جورنال الباشا» و«الوقائع المصرية» إلى «الشرق العربي»، أن الجريدة الرسمية لم تكن مجرد صحيفة حكومية أو سجل قانوني، بل كانت أداة من أدوات النهضة الإدارية وتأسيس الدولة الحديثة. فمن خلالها صار القرار مكتوبًا، ومنشورًا، ومحفوظًا، وقابلًا للرجوع إليه. ومن خلالها أيضًا ظهرت لغة الدولة الحديثة، وتكوّن حولها جمهور قادر على قراءتها وتفسيرها ونقلها.
لقد ساعدت الصحافة الرسمية الدولة على أن تنتقل من السلطة التي تصدر أوامرها في دوائر مغلقة، إلى المؤسسة التي تملك نصًا عامًا، وسجلًا محفوظًا، وذاكرة قابلة للمراجعة.