تياراتٌ متعاكِسة: نموذج مجالس الطلبة في الجامعات الأردنية

بعد موجة الإصلاحات السياسية التي شهدها الأردن خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت التوقعات المرتبطة بدور الشباب في الحياة العامة، خصوصًا مع التوجه الرسمي نحو إعادة هيكلة نموذج العمل السياسي والبرلماني، وتعزيز حضور الفئات الشابة داخل المجال العام. وقد جاءت مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية بوصفها محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر توسيع أدوات المشاركة السياسية، وترسيخ مفاهيم العمل الحزبي والمؤسسي لدى الأجيال الجديدة. وفي هذا السياق، برزت مجالس الطلبة في الجامعات باعتبارها إحدى المساحات التي يُفترض أن تسهم في إعداد الشباب سياسيًا ومؤسسيًا، وأن تشكل نموذجًا أوليًا للتفاعل مع مفاهيم التمثيل، والانتخاب، والعمل العام.
غير أن الفجوة بين الخطاب الإصلاحي المعلن وبين التطبيق الفعلي داخل الجامعات ما تزال تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التمكين وحدوده، وحول ما إذا كانت البيئة التنظيمية التي تحكم هذه المجالس قادرة فعلًا على إنتاج وعي سياسي ومؤسسي حقيقي، أم أنها تعيد إنتاج نماذج شكلية محدودة التأثير. فالحديث عن تمكين الشباب لا يقتصر على توفير أدوات انتخابية أو إنشاء أجسام تمثيلية فحسب، بل يرتبط بمدى قدرة هذه المساحات على منح الطلبة أدوات الفعل والتأثير والتفاوض، وإتاحة المجال أمامهم لفهم طبيعة العمل المؤسسي وآليات صناعة القرار.
وينطلق هذا المقال من قراءة تعليمات مجالس الطلبة في الجامعات الأردنية، بوصفها الإطار الناظم للعلاقة بين الإدارات الجامعية والقوى الطلابية، ومحاولة فهم طبيعة الأدوار التي تسمح هذه التعليمات بإنتاجها داخل الحرم الجامعي. كما يسعى إلى اختبار مدى انسجام هذه التعليمات مع الأهداف التي تطرحها الدولة ضمن مشروع الإصلاح السياسي وتمكين الشباب، وذلك من خلال تحليل النصوص الحاكمة للمجالس، وقراءة آثارها العملية، وليس الاكتفاء بالتعامل معها بوصفها نصوصًا تنظيمية مجردة. فالسؤال الحقيقي هنا لا يتعلق بوجود مجالس الطلبة بحد ذاته، وإنما بطبيعة الدور الذي يُسمح لها بممارسته، وحدود الفاعلية التي تمتلكها داخل البيئة الجامعية، وما إذا كانت هذه المجالس تشكل فعلًا مدرسة أولية للعمل الديمقراطي والمؤسسي، أم أنها تنتهي إلى إنتاج هياكل شكلية محدودة القدرة والتأثير.؟
هيكلٌ شكليٌّ في جوهرِه؟ أم من المبكّر الحُكم عَليه؟
عند قراءة التعليمات التي تنظم عمل مجالس الطلبة في الجامعات الأردنية، وتحديدا الحكومية منها وعددها عشر جامعات1، وانتقلنا من قراءةٍ سرديةٍ مُختَزِلَةٍ للمادة عن أثرها، إلى قراءة أثر المادة وإدراك عوارضها وما وراء النص، يظهر منذ البداية وجود تباين واضح بين الأهداف المعلنة لهذه المجالس وبين الصلاحيات والأدوات التي تمنحها التعليمات لها فعليًا. فبينما يجري تقديم هذه المجالس بوصفها جزءًا من مشروع التمكين السياسي للشباب، تبدو بعض النصوص الناظمة وكأنها تحدّ من قدرة هذه المجالس على أداء دورها الحقيقي، أو تحصرها ضمن أطر إجرائية ضيقة تقلل من فاعليتها وتأثيرها داخل الجامعة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد نقد متسرع للتجربة أو رفض لفكرة التدرج في الإصلاح، إذ إن أي عملية تطوير سياسي أو مؤسسي تحتاج بطبيعتها إلى وقت كافٍ حتى تتبلور نتائجها. إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في مدى قدرة التعليمات ذاتها على تأسيس بيئة تسمح أصلًا بتراكم الخبرة السياسية والمؤسسية لدى الطلبة. فالإصلاح التدريجي يصبح منطقيًا عندما تكون النصوص الناظمة تبني فعلًا مسارًا قابلًا للتطور، لا عندما تضع حدودًا تمنع هذا التطور منذ البداية.
ومن هنا، فإن المشكلة تتمثل في طبيعة النموذج الذي تنتجه التعليمات الحاكمة لها. فبعض الجامعات ما تزال تتعامل مع هذه المجالس باعتبارها أدوات تنظيمية محدودة الوظيفة، تقتصر أدوارها على النشاطات العامة أو التمثيل الرمزي، دون منحها أدوات حقيقية للتفاعل مع القضايا الطلابية أو التأثير في البيئة التشريعية والتنظيمية داخل الجامعة. وفي المقابل، توجد نماذج محدودة حاولت فتح هامش أوسع للحركة والمبادرة، ولو بصورة جزئية، بما يسمح ببناء مساحة أولية للممارسة المؤسسية والسياسية.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن جانبًا مهمًا من التجربة الحالية يحمل عناصر إيجابية تستحق التوقف عندها، خصوصًا فيما يتعلق بشكل العملية الانتخابية نفسها. فقد تبنت غالبية الجامعات أنماطًا انتخابية تتضمن القوائم والتمثيل النسبي والكوتا النسائية، وهي مفاهيم تعكس بصورة عامة الاتجاهات الحديثة في العمل الديمقراطي، وتسهم في تعريف الطلبة بآليات التمثيل السياسي وأدواته. غير أن المشكلة تكمن في أن التركيز انصبّ بدرجة كبيرة على الشكل الانتخابي بوصفه عنوانًا للإصلاح، في حين بقي السؤال الأهم معلقًا: هل يكفي تطوير آلية الانتخاب وحدها لإنتاج وعي سياسي ومؤسسي حقيقي؟
نحو بناءٍ ديموقراطي، أم غيرُ ذلك؟
يبرز التساؤل الحقيقي عند الانتقال من الحديث عن الانتخابات إلى الحديث عن الوظيفة الفعلية لهذه المجالس. فالمقصود من إنشاء مجالس الطلبة لا يتمثل فقط في تنظيم انتخابات أو تشكيل أجسام تمثيلية، بل في خلق بيئة أولية يتعلم فيها الطلبة معنى العمل المؤسسي، وآليات التفاوض، وفكرة التمثيل السياسي، وحدود العلاقة بين القواعد والهيئات المنتخبة. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه المجالس ترتبط بقدرتها على أداء دور يشبه – ولو جزئيًا – وظيفة المؤسسات التمثيلية داخل الدولة، لا من حيث الشكل فقط، بل من حيث الجوهر أيضًا.
وفي هذا الإطار، تبدو الإشكالية أكثر وضوحًا عندما تُحصر وظائف المجالس ضمن أدوار اجتماعية أو تطوعية أو تنظيمية محدودة، مع غياب الأدوات التي تسمح لها بالتفاعل الحقيقي مع القضايا الطلابية أو التأثير في البيئة التنظيمية داخل الجامعة. فبعض التعليمات تنص صراحة على أن المجالس تتبنى قضايا الطلبة وتعمل لتحقيق مصالحهم، لكنها في الوقت نفسه تقيد هذه المهمة ضمن حدود التشريعات والأنظمة القائمة، دون أن تمنح المجلس أي صلاحية فعلية للتنسيب بتعديل هذه التشريعات أو الاعتراض عليها أو اقتراح بدائل لها.
وهنا يظهر التناقض الجوهري: كيف يمكن لكيان يُفترض أنه يمثل الطلبة أن يؤدي دوره التمثيلي، بينما لا يمتلك أدوات حقيقية للتأثير في القرارات أو التعليمات التي تمس مصالحهم بصورة مباشرة؟ فلو افترضنا – على سبيل المثال – وجود اعتراض طلابي واسع على قرار أكاديمي معين، أو على ارتفاع أسعار الخدمات داخل الجامعة، فإن المجلس في كثير من الحالات لا يملك إطارًا قانونيًا واضحًا يسمح له بالتدخل أو التفاوض أو اقتراح تعديل فعلي. وبذلك يتحول دوره من هيئة تمثيلية فاعلة إلى إطار رمزي محدود التأثير، يكتفي بإدارة النشاطات أو المشاركة في الفعاليات دون امتلاك أدوات حقيقية للعمل المؤسسي أو السياسي.
وهذا النمط من التنظيم لا يؤدي فقط إلى إضعاف المجالس، بل يعيد بصورة غير مباشرة إنتاج ثقافة الإقصاء والعجز السياسي، عبر تقديم نموذج محدود للمشاركة العامة، يقوم على الحضور الشكلي أكثر من الفعل الحقيقي. كما أن خطورة هذا النموذج لا تتعلق بالجامعة وحدها، بل بما يرسخه لدى الطلبة من تصور حول طبيعة العمل العام نفسه، وحدود التأثير الممكن داخل المؤسسات.
وتجدر الملاحظة هنا إلى أن أغلب الجامعات في تعليماتها قد حصرت المجالس للعمل ضمن تشريعات الجامعة وأهدافها وهو أمر لا نرفضه، بل هو واجب وجوده لحفظ النظام، والسير المؤسسي المنظم، ولكن النقد يأتي على أن تعليمات المجالس، لم تضع مخرجا يمكّن هذا الكيان المُمَثِّل من التنسيب بالتّعديل على التشريعات المعمول بها، وهذا يعني أنه غير قادر على التعديل على التعليمات التي تحكمه ذاتها، وبذلك لا يملك هذا الكيان أية صلاحية لخدمة قواعده الطلابية وتحسين البيئة الجامعية ضمن ما يرتضيه الطلبة وضمن ما يحفظ فيه الكيان استقراره ونظامه وسير عمله، هذا هو بيت القصيد.
وفي الحقيقة، من خلال النظر في تعليمات المجالس للجامعات الأردنية، كانت الجامعة الهاشمية قد وضعت مخرجا لمجلس الطلبة ضمن التعليمات، بأن يكون من صلاحيات المجلس، “التنسيب إلى رئيس الجامعة بالتعديل الذي يراه مناسبًا على هذه التعليمات.”2، وجامعة مؤتة أيضا ضمن الفصل الرابع المادة (21/أ) وأيضا جامعة الحسين بن طلال المادة (18/ز/1) و(19/ز) على أن هذا المخرج هو محصورٌ بظاهره ضمن قدرة المجلس على التنسيب لرئيس الجامعة، بالتعديل على تعليمات المجلس الحاكمة له فقط، ولكن ضمنا، تدل هذه المادة على تمكين الفواعل الطلابية داخل هذا المجلس من الضغط والمطالبة بما هو أكثر، والمناورة ضمن حدود التشريعات المعمول بها، وهذا هو ما نحن بحاجته، حتى وإن كانت الفواعل الطلابية في مجملها، لا تدرك بعد كيف تكون عمليات الضغط والمناورة السياسية، واستثمار الفرص القانونية، إلا أن وجود هذا المنفذ ضمن التعليمات يوفر مساحة مفتوحة لقوة طلابية قادمة، قادرة على استثمار الفرصة وزيادة وزن الكيان في الساحة.
هذه المواد الموجودة في تعليمات المجالس للجامعات سالفة الذكر، تتواكب وتوصيات الإصلاح إلى حد ما، ولا تشكل تيارًا معاكسا يثبط من طاقات الطلبة أو يخالف ما ترتئيه الدولة من تمكين الشباب، بل تدعم حجر الأساس ولو بأقل القليل.
عملٌ مؤسّسيّ بنّاءٌ
يقودنا ذلك إلى التساؤل حول طبيعة العمل المؤسسي الذي تؤسس له هذه المجالس: هل نحن أمام نموذج يسهم فعلًا في بناء ممارسة ديمقراطية داخل الجامعة، أم أمام إطار تنظيمي محدود لا يمتلك أدوات إنتاج العمل المؤسسي الحقيقي؟ فبالرغم من أن تعليمات المجالس تنص في أهدافها على تعزيز مبادئ الديمقراطية وترسيخ العمل المؤسسي، إلا أن قراءة النصوص بصورة معمقة تكشف وجود فجوة واضحة بين الخطاب التنظيمي والأدوات الفعلية المتاحة لهذه المجالس.
وتتجلى هذه الإشكالية بصورة خاصة في مسألة النظام الداخلي للمجالس الطلابية. فمع أن العمل المؤسسي يفترض وجود قواعد إجرائية وتنظيمية تنتجها الهيئات التمثيلية ذاتها، فإن غالبية التعليمات لا تمنح المجالس صلاحية وضع نظام داخلي خاص بها، أو اقتراح تعديلات تنظم آليات عملها بصورة مستقلة. وبذلك تصبح المجالس خاضعة بالكامل لإطار تنظيمي جاهز، دون امتلاك أدوات تطويره أو إعادة صياغته.
وفي مقاربة توضيحية، يمكن الاستناد إلى المادة (83) من الدستور الأردني، التي نصت صراحة على حق مجلس الأمة في وضع نظامه الداخلي، باعتبار ذلك أحد الأسس المرتبطة بترسيخ العمل المؤسسي وتنظيم الإجراءات البرلمانية. ومن هذا المنطلق، يصبح غياب مساحة مشابهة داخل المجالس الطلابية مؤشرًا على محدودية البيئة المؤسسية التي تعمل ضمنها.
ومع ذلك، تظهر بعض النماذج الجامعية التي حاولت فتح هامش محدود للحركة، مثل الجامعة الهاشمية وجامعة مؤتة وجامعة الحسين بن طلال، من خلال منح المجالس صلاحية التنسيب بتعديل التعليمات الحاكمة لها. وعلى الرغم من أن هذا الحق ما يزال محدودًا من حيث النطاق والتأثير، إلا أنه يفتح مساحة أولية للمبادرة والتفاوض، ويمنح الطلبة قدرة – ولو جزئية – على المشاركة في تطوير الإطار التنظيمي الذي يحكم عملهم.
كما يبرز نموذج الجامعة الألمانية الأردنية، التي نصت تعليماتها على التوافق بين أعضاء البرلمان الطلابي لوضع أسس النظام الداخلي وإقرارها حسب الأصول، وهي خطوة تعكس إدراكًا نسبيًا لأهمية إشراك الطلبة في تنظيم آليات عملهم المؤسسي. غير أن هذه المساحات تبقى محدودة مقارنة بحجم الدور الذي يُفترض أن تؤديه هذه المجالس داخل البيئة الجامعية.
وفي المقابل، ما تزال غالبية الجامعات تفتقر إلى أي مساحة فعلية تسمح للمجالس بالمناورة أو التفاوض أو التأثير الحقيقي في بيئتها التنظيمية، الأمر الذي يبقي هذه المجالس ضمن حدود الدور الشكلي أكثر من كونها مؤسسات طلابية قادرة على إنتاج فعل تمثيلي حقيقي. نلاحظ أيضا ضمن التعليمات المعمول بها أن مالية المجالس، يأتي تمويلها ضمن عدة بنود، ومنها ما تخصصه الجامعة من ميزانيتها السنوية لمجلس الطلبة على النحو التالي:
| الجامعة | ميزانية المجلس / الاتحاد | نص المادة في التعليمات |
| الجامعة الأردنية | 40 ألف دينار للفصلين الأول والثاني، 20 ألف دينار للفصل الصيفي | “تتكون موارد الاتحاد المالية من المبلغ الذي تخصصه الجامعة كسلفة مالية بواقع أربعين ألف دينار لكل من الفصل الدراسي الأول والفصل الدراسي الثاني وعشرين ألف دينار للفصل الصيفي” |
| جامعة اليرموك | لا يوجد تخصيص لسقف محدد ضمن التعليمات | “منحة مالية سنوية تقدمها الجامعة” |
| جامعة مؤتة | 20 ألف دينار سنويا | “مساهمة الجامعة بمبلغ (20,000) عشرون ألف دينار سنويا من موازنة الجامعة لتغطية نفقات الاتحاد” |
| جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية | لا يوجد تخصيص لسقف محدد ضمن التعليمات | “منحة مالية سنوية تقدمها الجامعة”، ولكن تم تحديد السقف الأعلى في تعريف الموازنة بحيث لا يزيد على 30 ألف دينار |
| الجامعة الهاشمية | دينار عن كل طالب مسجل في كل فصل دراسي باستثناء الفصل الصيفي | ” منحة مالية سنوية تقدمها الجامعة بواقع دينار عن كل طالب مسجل في كل فصل دراسي باستثناء الفصل الصيفي ” |
| جامعة آل البيت | لا يوجد تخصيص لسقف محدد ضمن التعليمات | “المخصصات المالية التي يحددها مجلس الجامعة في بداية كل سنة مالية في ضوء الحاجات الضرورية للمجلس” |
| جامعة البلقاء التطبيقية | التعليمات غير متوفرة على الموقع الالكتروني | |
| جامعة الطفيلة التقنية | التعليمات غير متوفرة على الموقع الالكتروني | |
| جامعة الحسين بن طلال | لا يوجد تخصيص لسقف محدد ضمن التعليمات | ” مخصصات مالية سنوية يقررها مجلس الجامعة ” |
| الجامعة الألمانية الأردنية | لا يوجد تخصيص لسقف محدد ضمن التعليمات | “المبلغ الذي تخصصه الجامعة سنويا في الموازنة” |
وتجدر الإشارة إلى أن التعليمات التي لا تحدد بصورة واضحة سقفًا ماليًا ثابتًا أو آلية دقيقة لتخصيص موازنات المجالس الطلابية، تطرح إشكالية تتعلق بمبادئ الحوكمة والشفافية المؤسسية. فغياب الوضوح في تحديد الموارد المالية لا يؤثر فقط على الجوانب الإدارية، بل ينعكس أيضًا على قدرة المجالس في التخطيط وبناء استراتيجيات عمل مستقرة وقابلة للاستمرار.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عند الأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الزمنية القصيرة لعضوية المجالس الطلابية، إذ تنص غالبية التعليمات على أن مدة العضوية سنة واحدة فقط، مع احتمالية تغير أعضاء المجلس بصورة شبه كاملة في كل دورة انتخابية. وهذا يعني أن الخبرات المتراكمة لا تنتقل بصورة مؤسسية مستقرة، بل تبدأ المجالس الجديدة غالبًا من نقطة تأسيسية متكررة، الأمر الذي يضعف قدرتها على التخطيط طويل المدى، ويخلق حالة من التردد والبطء في إدارة الموارد وبناء الأولويات.
ومن هنا، فإن الرهان على تراكم الخبرة الشخصية للأعضاء بوصفه بديلًا عن وضوح البنية المالية والتنظيمية، يبقى افتراضًا غير عملي، خصوصًا في ظل غياب قواعد ثابتة يمكن البناء عليها أو التنبؤ بها. فالإدارة المؤسسية الفاعلة تقوم أساسًا على وضوح الموارد واستقرارها النسبي، لأن التخطيط يصبح أكثر صعوبة كلما غابت القدرة على قياس الإمكانات المتاحة أو توقعها.
كما أن غياب السقوف المالية المحددة داخل بعض التعليمات يفتح المجال أمام تفاوتات محتملة في آليات التخصيص من عام إلى آخر، تبعًا لعوامل إدارية أو مؤسسية مختلفة، وهو ما يثير تساؤلات مرتبطة بعدالة التوزيع واستقرار الدعم المخصص لهذه المجالس.
ويأتي هذا النقاش ضمن إطار الحديث عن العمل المؤسسي البنّاء، باعتبار أن أحد أهم شروط بناء أي نموذج مؤسسي يتمثل في قدرة الكيان على إدارة نفسه ضمن قواعد واضحة ومستقرة ومتوافق عليها. فالمجالس الطلابية لا يمكن أن تتحول إلى مؤسسات فاعلة ما لم تمتلك مساحة تسمح لها بالمشاركة في تنظيم بيئتها الإدارية والمالية، ضمن إطار قانوني يحفظ استقرار الجامعة ويعزز في الوقت نفسه دور الطلبة في إدارة شؤونهم التمثيلية بصورة أكثر نضجًا ومأسسة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الجامعات التي منحت المجالس مساحة للتنسيب بتعديل التعليمات أكثر قدرة على تأسيس بيئة مؤسسية قابلة للتطور، حتى وإن لم تكن هذه المساحات كافية بصورة كاملة، لأنها تفتح المجال أمام تراكم الخبرة التفاوضية والتنظيمية لدى القوى الطلابية، بدل إبقائها ضمن أطر جامدة محدودة التأثير.
خِتامًا
أتت هذه المقالة نتيجة لقراءة موضوعية في التعليمات التي تنظم عمل المجالس في الجامعات، وتقاطُعِ هذه التعليمات مع جوهر العملية الإصلاحية التي تؤسس لها الدولة ويؤسس لها المجتمع في سبيل الارتقاء بجيل الشباب القادم وتمكينه من أن يفهم كيف يُدار المشهد، ليكون جاهزا بأن يصبح أحد النخب المؤثرة في المجتمع الأردني، وفاعلا يملك تصورًا عما يجري وما ينبغي فعله، ويأتي هذا النقد في هذا المقال خدمة لعقول القوى الطلابية، وتوجيها لمن لا يعرف منها، حول تفاصيل هذه التعليمات، بأن يستثمر ما بين يديه في سبيل خدمة ذاته وخدمة قواعده الطلابية، وأيضا في سبيل وضع الإصبع على مكامن الخلل، والتوصية بتصويب ما له أن يخمد الطاقات الشابة أو أن يوجهها نحو الطريق الخطأ، حفاظا على الأردن وخدمة لتراب الوطن العزيز.
المصادر والمراجع
