لبنان بعد جولة المفاوضات الثالثة: إعلان نوايا ومسارات متناقضة

تدخل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بعد الجلسة الثالثة، مرحلة مختلفة كلياً عمّا عرفه لبنان منذ اتفاق نيسان 1996 وحتى تفاهمات ما بعد حرب تموز 2006، فالمسألة لم تعد مرتبطة بترتيبات أمنية موضعية أو بإدارة اشتباك محدود على الحدود الجنوبية، بل باتت جزءاً من مشروع سياسي – أمني واسع تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية اللبنانية بالكامل، انطلاقاً من عنوان مركزي، وهو إنهاء البنية العسكرية لـ”حزب الله”، وإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية ودور الجيش والعلاقة مع إسرائيل ضمن معادلة إقليمية جديدة.

المفاوضات التي انطلقت في واشنطن لم تُبنى على قاعدة وقف الحرب أولاً ثم الانتقال إلى التسوية، بل جرى عكس المسار التقليدي بالكامل، فالولايات المتحدة وإسرائيل تتعاملان مع استمرار الضغط العسكري باعتباره أداة تفاوضية ضرورية لدفع لبنان نحو تقديم تنازلات تدريجية في ملفات السيادة والسلاح والترتيبات الأمنية.

ولهذا السبب، بدا واضحاً أن تمديد وقف إطلاق النار لم يكن سوى آلية لإبقاء المفاوضات مفتوحة ومنع الانفجار الشامل، لا مقدمة لإنهاء الحرب فعلياً. في المقابل، حاول لبنان انتزاع ضمانات تتعلق بوقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاغتيالات، ومنع توسيع العمليات نحو بيروت والضاحية، لكنّ الجانب الإسرائيلي رفض تقديم التزامات حاسمة قبل الدخول في مسار عملي لنزع سلاح الحزب.

من إدارة الصراع إلى إعادة هندسة لبنان

تكشف طبيعة النقاشات التي دارت في واشنطن أن إسرائيل لم تدخل المفاوضات بهدف الوصول إلى تفاهم أمني محدود، بل بهدف وضع إطار طويل الأمد يعيد صياغة العلاقة مع لبنان بالكامل. ولذلك حضرت على الطاولة ملفات تتجاوز الجنوب والحدود، لتشمل مستقبل الجيش اللبناني، وآليات إعادة الإعمار، وعودة النازحين، وشكل التنسيق الأمني، وحتى احتمالات الانتقال لاحقاً إلى اتفاق سلام شامل.

المسودة التي جرى تداولها تحت عنوان “إعلان نوايا” تعكس بوضوح هذا التحول. فهي تتحدث عن إنهاء الصراع، وترتيبات أمنية دائمة، واحتكار الدولة اللبنانية للسلاح، وتطوير الجيش اللبناني برعاية أميركية، وإنهاء أي دور عسكري للجماعات غير الحكومية، بالتوازي مع مشاريع إعادة إعمار واستثمارات دولية واسعة. عملياً، يجري ربط مستقبل الاقتصاد اللبناني وإعادة بناء الدولة بمدى التقدم في تفكيك القدرات العسكرية لـ”حزب الله”.

وفي هذا السياق، لم يعد الحديث يدور فقط حول جنوب الليطاني، بل حول إعادة تشكيل المجال الأمني اللبناني بالكامل، من الحدود الجنوبية وصولاً إلى الداخل اللبناني. كما أن الطرح الأميركي- الإسرائيلي لا يتعامل مع مسألة السلاح كملف سياسي قابل للتفاوض الداخلي، بل كبرنامج تنفيذي ذي جداول زمنية ومراحل ميدانية وآليات رقابة دولية.

المسار الأمني: غرفة عمليات تتجاوز “الميكانيزم”

أبرز ما كشفته المفاوضات هو الانتقال من نموذج “لجنة الميكانيزم” غير المباشرة إلى نموذج تنسيق أمني مباشر برعاية أميركية. الاجتماع المقرر في البنتاغون في 29 أيار لا يُنظر إليه كمجرد لقاء عسكري تقني، بل كبداية لبناء غرفة عمليات مشتركة لإدارة ملف الجنوب ومتابعة مسار تفكيك البنية العسكرية للحزب.

الإسرائيليون دخلوا المفاوضات حاملين خرائط مفصلة لبنية “حزب الله”، وبنوك أهداف، وخططاً عملياتية لسحب السلاح بشكل مرحلي ومناطقي، مع تصور واضح لدور الجيش اللبناني في هذه العملية. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى لعب دور “ضابط الإيقاع” بين الجانبين، بما يضمن تنفيذ الخطط من دون انهيار كامل للوضع الداخلي اللبناني.

هذا التحول يحمل دلالات خطيرة بالنسبة إلى الداخل اللبناني. فالمؤسسة العسكرية اللبنانية تجد نفسها أمام ضغوط أميركية وإسرائيلية للدخول في دور يتجاوز مهام الانتشار التقليدية إلى المشاركة في عملية إعادة تشكيل التوازن الداخلي اللبناني. ومن هنا برز الحديث عن تشكيل وحدات نخبة داخل الجيش، يجري تدريبها وتجهيزها أميركياً لتكون الذراع التنفيذية لمسار نزع السلاح.

لكن هذا الطرح يصطدم بعقبات بنيوية شديدة التعقيد. فالجيش اللبناني يدرك أن أي انخراط مباشر في مواجهة مع “حزب الله” قد يؤدي إلى انقسامات داخلية خطيرة تهدد تماسك المؤسسة نفسها، خصوصاً أن الحزب لا يزال يمتلك بيئة شعبية وحضوراً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل الدولة والمجتمع.

إسرائيل: تفاوض تحت النار

المفارقة الأساسية في هذا المسار أن إسرائيل تتفاوض فيما تواصل عملياتها العسكرية. فتل أبيب لا ترى أي تناقض بين الحرب والتفاوض، بل تعتبر أن استمرار الضغط الميداني هو الوسيلة الوحيدة لفرض شروطها. ولهذا رفضت وقف العمليات العسكرية بشكل شامل، وتمسكت بحقها في تنفيذ ضربات واغتيالات واستهدافات داخل الأراضي اللبنانية بحجة منع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية.

الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على معادلة مزدوجة، الاستمرار في العمليات العسكرية لإضعاف الحزب واستنزافه، بالتوازي مع دفع لبنان الرسمي إلى الانخراط في ترتيبات أمنية طويلة الأمد. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على ربط أي انسحاب من الجنوب بأي تقدم عملي في ملف السلاح.

كما أن إسرائيل لا تبدو مقتنعة بإمكانية الفصل الكامل بين الساحة اللبنانية والمواجهة الإقليمية الأوسع مع إيران. ولذلك تسعى إلى تحويل لبنان إلى ساحة نموذجية لإعادة رسم قواعد الاشتباك الجديدة في المنطقة، بما يضمن تقليص النفوذ الإيراني وإضعاف أدواته العسكرية المباشرة.

واشنطن ومحاولة إنتاج “لبنان جديد

المقاربة الأميركية الحالية تتجاوز فكرة احتواء الأزمة اللبنانية إلى محاولة إعادة إنتاج الدولة اللبنانية ضمن معادلة أمنية جديدة. فالإدارة الأميركية تعتبر أن الحرب الأخيرة فتحت نافذة نادرة لإعادة صياغة التوازنات اللبنانية، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية والانهيار الداخلي والضربات التي تعرض لها “حزب الله”.

ولهذا تربط واشنطن بين ثلاثة مسارات متوازية:

  • إعادة بناء الجيش اللبناني وتوسيع دوره الأمني.
  • إطلاق مسار سياسي ـ تفاوضي مباشر مع إسرائيل.
  • إدخال لبنان في منظومة دعم اقتصادي وإعادة إعمار مشروطة بالإصلاحات الأمنية والسياسية.

وبدا أن الولايات المتحدة تعمل على بلورة وثيقة شاملة تتضمن مراحل زمنية لنزع السلاح، وآليات رقابة عبر الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة، وتقارير متابعة دورية، إضافة إلى إمكان فرض عقوبات على الجهات التي تعرقل التنفيذ.

كما يجري البحث في صيغة أمنية جديدة لما بعد “اليونيفيل”، في ظل التوجه الأميركي ـ الإسرائيلي لإنهاء دور القوة الدولية الحالية بحلول نهاية 2026، واستبدالها إما بقوة متعددة الجنسيات أو بترتيبات أمنية مختلفة تتلاءم مع المرحلة المقبلة.

المعضلة اللبنانية: بين الواقعية السياسية والانفجار الداخلي

أمام هذا المشهد، تبدو الدولة اللبنانية محاصرة بين ضرورات متناقضة. فمن جهة، هناك حاجة ملحة لوقف الحرب ومنع الانهيار الكامل واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار وفتح باب إعادة الإعمار. ومن جهة أخرى، فإن الانخراط الكامل في المشروع الأميركي ـ- الإسرائيلي يحمل مخاطر داخلية هائلة، قد تبدأ بتفجير العلاقة بين الدولة و”حزب الله”، ولا تنتهي عند احتمال اهتزاز بنية النظام السياسي والأمني اللبناني نفسه.

ولهذا يحاول لبنان الرسمي اعتماد مقاربة “الخطوة مقابل خطوة”: انسحاب إسرائيلي تدريجي يقابله توسع في انتشار الجيش وضبط أمني مرحلي، مع تجنب أي صدام مباشر وسريع مع الحزب. لكن هذه المقاربة لا تبدو حتى الآن كافية لإقناع واشنطن وتل أبيب، اللتين تريدان التزامات أكثر وضوحاً وجدولة زمنية دقيقة لمسار نزع السلاح.

في المقابل، يدرك “حزب الله” أن ما يجري يتجاوز الجنوب والسلاح، ليطال موقعه بالكامل داخل المعادلة اللبنانية والإقليمية. ولذلك من غير المتوقع أن يتعامل مع هذه المفاوضات كمسار تقني أو أمني محدود، بل كجزء من محاولة استراتيجية لإنهاء دوره الإقليمي وإعادة إنتاج لبنان ضمن بيئة سياسية وأمنية جديدة.

مسار طويل بلا ضمانات

المسار الذي انطلق في واشنطن لا يبدو قريباً من إنتاج تسوية نهائية سريعة، بل أقرب إلى عملية طويلة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة في لبنان والمنطقة. الولايات المتحدة تحاول إدارة تفاوض تدريجي تحت سقف الحرب، فيما تسعى إسرائيل إلى استثمار التفوق العسكري لفرض وقائع استراتيجية جديدة، بينما يحاول لبنان الرسمي تجنب الانهيار والانفجار الداخلي في آن واحد.

لكن المعضلة الأساسية تبقى أن أحد أبرز الأطراف المعنيين مباشرة بهذه الترتيبات، أي “حزب الله”، ليس موجوداً على طاولة التفاوض، رغم أنه الطرف الأكثر تأثيراً في الميدان. وهذا ما يجعل أي تفاهمات مستقبلية معرضة دائماً للاهتزاز، طالما أن التوازن الحقيقي بين الحرب والسياسة لا يزال يُحسم على الأرض أكثر مما يُحسم داخل غرف التفاوض.

زر الذهاب إلى الأعلى