هل بدأت معركة إنهاء الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى؟

في وقت تمرّ فيه العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية بمرحلة غير مسبوقة من التوتر، بفعل تصاعد مشاريع الاستيطان والضم في الضفة الغربية، وتحول الأفعال الإسرائيلية في المسجد الأقصى من خروقات متفرقة للوضع القائم إلى منطق إحلالي أوسع يسعى إلى تقويض الوصاية الهاشمية وإحلال السيادة الإسرائيلية بديلاً عنها، نشر موقع “Eye Middle East” تقريراً لافتاً أشار فيه إلى وجود تحركات أميركية ـ إسرائيلية، وفق مصادر متعددة، لإعادة تشكيل إدارة المسجد الأقصى، بما يؤدي فعلياً إلى إنهاء الوصاية الهاشمية مقابل منح إسرائيل صلاحيات أوسع داخل المسجد.
وبحسب التقرير، فإن الخطة المطروحة تعمل على إعادة صياغة كاملة لطبيعة الإشراف داخل الحرم القدسي، من خلال تقليص دور الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، ومنح إسرائيل المساحة الأوسع في إدارة المكان. ويقوم هذا التصور على نقل ملف الأقصى إلى إطار جديد يُعاد فيه تعريف المسجد باعتباره مساحة دينية مفتوحة لترتيبات أوسع، بما يفتح الباب أمام تكريس الحضور الإسرائيلي داخل الحرم بوصفه أمراً إدارياً وسيادياً، لا مجرد اقتحامات متكررة.
كما يذهب التقرير إلى أن الخطة، وفق المصادر التي استند إليها، لا تنفصل عن مسار أوسع يجري العمل عليه إقليمياً، إذ تُطرح أدوار محتملة لأطراف عربية أخرى في إدارة أو رعاية الترتيبات الجديدة، بما يعني عملياً سحب مركزية الدور الأردني التاريخي في القدس. وهنا تنتقل الأزمة من مجرد إدارة للمكان إلى الصراع على من يملك حق تعريف “الوضع القائم”، ومن يحدد حدود الحركة والصلاة والإشراف والخطاب الديني داخل واحد من أكثر المواقع حساسية في الصراع.
ووفقاً للترتيب الجديد الذي كشفه التقرير، فإن الخطة المقترحة ستمنح اليهود وصولاً متساوياً إلى المسجد الأقصى، وتسمح بإقامة الصلاة اليهودية الجماعية في أي وقت، إلى جانب منح إسرائيل دوراً مباشراً في تعيين الأئمة وكبار مسؤولي المسجد، والمشاركة في الموافقة على مضمون خطب الجمعة. وبهذا المعنى، لا تبدو الخطة مجرد إعادة تنظيم إداري لإدارة الموقع، بل محاولة لإعادة تعريف المسجد الأقصى من موقع إسلامي خاضع للوصاية الهاشمية وإدارة الوقف الإسلامي، إلى فضاء ديني “متعدد الأديان” تُعاد صياغة قواعد السيادة والإشراف داخله.
وتكمن خطورة هذا التصور في أن واشنطن، وفق ما يورده التقرير، تنظر إلى تجريد المسجد الأقصى من هويته الإسلامية وتحويله إلى معلم ديني وسياحي يستضيف الديانات الإبراهيمية بوصفه مدخلاً لإعادة ترتيب وضعه القانوني والسياسي. كما يشير التقرير إلى إمكانية منح بعض الدول العربية أدواراً إشرافية دورية على المسجد، وهو ما يعني عملياً تفكيك مركزية الدور الأردني التاريخي، واستبدال الوصاية الهاشمية بترتيبات إقليمية متغيرة تخضع، في جوهرها، لسقف السيادة الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، يلفت التقرير إلى أن الخطة لم تأتِ على ذكر المواقع المسيحية في القدس، وتركت مصيرها غامضاً، بما يثير مخاوف إضافية بشأن مستقبل هذه المواقع أيضاً، لا سيما في ظل الدور المعترف به للأردن في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة. فغياب الإشارة إلى المواقع المسيحية لا يبدو تفصيلاً هامشياً، بل يعكس احتمال إعادة هندسة شاملة للترتيبات الدينية في القدس، تبدأ من الأقصى ولا تضمن بالضرورة بقاء بقية المواقع المقدسة خارج منطق إعادة التعريف والسيطرة.
وعلى الرغم من الاعتراف التاريخي والدولي بالدور الأردني في إدارة هذه المواقع، فقد حذّر مسؤولون أردنيون، على مدى سنوات، من أن هذه الترتيبات تتآكل تدريجياً بفعل سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. فقد شجعت هذه الحكومات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، صعود الجماعات اليمينية المتطرفة الساعية إلى فرض حضور يهودي أكثر ثباتاً داخل الحرم القدسي، من خلال مداهمات الشرطة، وزيادة اقتحامات النشطاء اليهود المتطرفين، والدعوات المتكررة من وزراء إسرائيليين لمنح اليهود حق الصلاة في الموقع. وقد غذّى هذا المسار الاتهامات بأن إسرائيل لا تغيّر الوضع القائم دفعة واحدة، بقدر ما تعمل على تفكيكه تدريجياً عبر وقائع متراكمة تتحول لاحقاً إلى مطالب سياسية وقانونية.
إن هذا التوجه يكتسب بعداً أيديولوجياً من خلال الأسماء التي يوردها التقرير، ولا سيما السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المعروف بخلفيته الإنجيلية. فحضور هاكابي في دعم تصور ينهي سلطة الوقف الإسلامي المدعوم من الأردن، ويعيد تعريف المسجد الأقصى باعتباره “مركزاً متعدد الأديان”، لا يمكن فصله عن الرؤية التي تتبناها قطاعات واسعة من الصهيونية المسيحية تجاه القدس. وهي رؤية لا تنظر إلى المدينة بوصفها فضاءً سياسياً خاضعاً لترتيبات قانونية وتاريخية قائمة، بقدر ما تصفها مركزاً دينياً ولاهوتياً في مشروع استعادة السيادة اليهودية على “أرض الميعاد”.
وهنا يظهر التقاطع بين الصهيونية المسيحية والمشروع الإسرائيلي في القدس. فالصهيونية المسيحية، خصوصاً في نسختها الإنجيلية الأميركية، لا تكتفي بدعم إسرائيل سياسياً أو دبلوماسياً، بل تمنح سياساتها في القدس بعداً لاهوتياً يربط السيطرة الإسرائيلية على المدينة بتحقق نبوءات دينية وتصورات خلاصية. لذلك، فإن دعم شخصيات إنجيلية مؤثرة، مثل هاكابي، لأي مسار يعيد تشكيل إدارة الأقصى، يعكس انتقالاً من الدعم السياسي التقليدي لإسرائيل إلى محاولة توفير غطاء ديني وأيديولوجي لمشروع يمس أحد أكثر المواقع حساسية في الصراع.
أما ذكر جاريد كوشنر في التقرير، فيحيل إلى بعد آخر من المسألة، إذ لا يتعلق الأمر بالصهيونية المسيحية وحدها، وإنما بتحالف أوسع بين اليمين الإسرائيلي، وشخصيات أميركية قريبة من دوائر ترامب، وأطراف ترى في إعادة هندسة القدس جزءاً من مقاربة إقليمية جديدة تتجاوز الأطر التقليدية للصراع. وبهذا المعنى، لا تبدو الخطة مجرد إعادة ترتيب إداري للمسجد الأقصى، بل جزءاً من مشروع أوسع يتداخل فيه الديني بالسياسي والإقليمي: صهيونية دينية إسرائيلية تدفع نحو تكريس السيادة، وصهيونية مسيحية تمنح هذا الدفع شرعية لاهوتية، وشبكات نفوذ أميركية تعمل على ترجمته إلى ترتيبات سياسية قابلة للتنفيذ.