عن دبلوماسية السجاد

حارث أبو بديوي
يذهب مؤرخون وعلماء اجتماع إلى أن بعض السمات الثقافية والسياسية للأمم قد تعود إلى خصائص بيئتها وثقافتها وذاكرتها الطويلة. ولهذا جرى النظر، في أكثر من تجربة إنسانية، إلى الصلة الممكنة بين الجغرافيا وانعكاس تضاريسها على أخلاق الشعوب، وبين أنماط العيش وصور الاجتماع، بل حتى بين الحِرَف والفنون وأنماط التفكير في الزمن والعمل، لأن ما تداوم عليه الأمم قرونًا طويلة لا يلبث أن يترك أثره في الحسّ العام، وفي تخيّل العالم، وفي تصور معنى الانتظار، والخسارة، والربح، والتدرج، والحسم.
من هذه الزاوية، قد لا يكون من التعسف أن نتساءل: هل توجد، ولو على سبيل المجاز التفسيري، صلة ما بين أنماط الإنتاج الشهيرة في حضارة من الحضارات، وبين بعض أساليبها في السياسة والتفاوض وإدارة الأزمات؟ ليس لأن الحرفة تصنع القرار السياسي بصورة ميكانيكية، ولكن لأن التكرار الطويل لبعض أشكال العمل قد يربّي حساسية خاصة تجاه الزمن، ويصوغ علاقة مخصوصة مع الصبر، ويترك أثرًا خفيًا في الطريقة التي يُقترب بها من النتائج.
في الحالة الإيرانية، تبدو هذه الفرضية مغرية للقراءة على نحو خاص. فإيران ارتبطت، في الذاكرة التاريخية والحضارية، بصناعات وحِرف وفنون تقوم على الصبر، وطول النفس، والدقة، والتراكم، والحياكة البطيئة، وفي مقدمة ذلك صناعة السجاد، إلى جانب تقاليد بازارية وتجارية عريقة، وخبرة دولة قديمة تعودت الحياة داخل التعقيد. بيد أن ما يكون مصدر قيمة في الاقتصاد أو الفن أو الحرفة لا يتحول بالضرورة إلى مصدر نجاح حين يُنقل إلى السياسة. بل لعل المشكلة تبدأ، على وجه التحديد، عندما تُدار الدولة بعقل الحرفة نفسها، وحين يُعامل الزمن كما لو كان موردًا متاحًا دائمًا، وحين يُفترض أن كل مأزق يمكن تطويقه بجولة أخرى من التأجيل، أو المراوحة، أو كسب وقت إضافي.
ومن هنا تأتي فكرة “دبلوماسية السجادة”، لا بوصفها مفهومًا رسميًا متداولًا في أدبيات الدولة الإيرانية، وإن كان بعض السياسيين والمفاوضين الإيرانيين قد اعتدّوا بها أو اقتربوا من معناها، بل بوصفها استعارة تفسيرية تصلح لقراءة نمط متكرر في السلوك الإيراني، من حيث التفاوض الطويل، والنفس الممتد، وإبقاء الأبواب مواربة، واختبار احتمالات الخصم إلى النهاية، والمراهنة على أن الزمن نفسه جزء من ميزان القوة.
وهذه القراءة، ابتداءً، ليست في إطار التقييم، ولا تنطلق من الإعجاب بهذه الذهنية أو من إدانتها، بقدر ما تنطلق من مساءلتها، وقبل كل شيء من محاولة فهم إيران أكثر. والسؤال هنا ليس فقط كيف منحت هذه المقاربة إيران قدرة على الصمود والمناورة، بل أيضًا كيف أفضت، في محطات كبرى ومفصلية، إلى خسائر فادحة، وإلى إضاعة فرص، وإلى تأخر في التقاط اللحظة التي لا تنتظر طويلًا.
ذلك أن ما يصلح في الحرفة، وقد يصلح في التجارة، بل وقد يصلح في بعض الفنون التي لا يُطلب فيها إلا الإتقان البطيء، لا يصلح غالبًا في التاريخ. فالتاريخ لا يكافئ على الصبر وحده، ولا يمنح الفرص إلى ما لا نهاية. وهنا، بالذات، تظهر العقدة المركزية في فهم هذه الذهنية: ليست كل لحظة تاريخية صالحة للحياكة. بعض اللحظات تحتاج إلى مقص، لا إلى إبرة.
ولعل هذا هو مدخل مناسب إلى فهم ما يمكن تسميته “استراتيجية الصبر الإيرانية”، أو “دبلوماسية السجادة”. فإيران، في كثير من محطاتها، لا تبدو مولعة بالحسم المبكر، ولا شديدة الثقة بالنتائج التي تولد من الاندفاع. إنها تميل، في كثير من أحوالها، إلى شيء آخر: إلى الحياكة، إلى التدرج، إلى الإقامة الطويلة داخل التعقيد، إلى امتحان الأعصاب، إلى إبقاء الاحتمالات مفتوحة، إلى تحويل الوقت نفسه إلى مادة للصراع. كأنها، في لحظات الأزمات الكبرى، تجلس وراء نول سياسي قديم، لا تنظر إلى المشكلة بوصفها عقدة ينبغي قطعها سريعًا، بل نسيجًا ينبغي تطويقه، واستيعابه، واستنزافه، وإدخاله في صورة أوسع لا تتضح إلا في آخر الطريق.
وفي هذا المنطق شيء من خبرة الإمبراطوريات القديمة التي عاشت طويلًا وهي تدير مساحات واسعة، وتوازن بين أطراف مختلفة. وفيه، كذلك، شيء من تقاليد البازار، حيث لا تُحسم الصفقة دائمًا لمن يتكلم أولًا، بل لمن يعرف كيف يطيلها، ويختبر أعصاب خصمه، ويؤجل السعر الأخير إلى اللحظة التي تصبح فيها الشروط أفضل. وفيه أيضًا شيء من المعنى الشيعي للصبر والاحتمال والانتظار، بوصفها مكونات لوعي جماعي يمنح المعاناة معنى، وللمراوحة وظيفة، وللزمن دورًا أخلاقيًا وتاريخيًا. وقد يضاف إلى ذلك كله شيء من الحس الثقافي الإيراني نفسه، الذي ألف فنونًا تقوم على التراكم والزخرفة والتفصيل واكتمال الصورة في النهاية لا في البداية.
لكن التاريخ، على خلاف السجاد، ليس صبورًا دائمًا مع من يُحسنون الصبر. فالسجادة تحتمل عقدة أخرى، وخيطًا آخر، وزخرفة إضافية، من غير أن تنهار الصورة. بل قد يزداد بهاؤها كلما طال زمن صنعها. أما التاريخ ففيه لحظات لا تنتظر. فيه أبواب لا تبقى مفتوحة طويلًا، ونوافذ قد لا تُفتح إلا مرة. ومن هنا تنشأ المفارقة العميقة في التجربة الإيرانية: أن ما كان مصدر قوة فيها، أي الصبر، قد تحول في بعض المنعطفات الكبرى إلى سبب من أسباب فوات الأوان.
ولا أقصد، بطبيعة الحال، أن أختزل إيران كلها، هنا، في صفة ثقافية واحدة، أو أن أسقط عليها حكمًا حضاريًا جامدًا من طراز تلك الأحكام الكسولة التي تريح كاتبها أكثر مما تفسر موضوعها. فالتاريخ الإيراني أعقد من ذلك، وأغنى من ذلك، وأشد تناقضًا من أن يُرد إلى ميل واحد أو نزعة واحدة. غير أن ثمة نمطًا متكررًا لا يخطئه التأمل: ميلًا إلى التفاوض الطويل، إلى اختبار الزمن، إلى افتراض أن الوقت نفسه يمكن أن يبدل موازين القوة أو يحسّن، على الأقل، شروط الخروج من الأزمة. وهذا النمط ينجح أحيانًا نجاحًا لافتًا، لكنه ينقلب أحيانًا أخرى على أصحابه.
من كأس الإسكندر إلى كأس النووي مرورًا بـ«كأس السم»
ولعل أول ما يقدمه التاريخ من شواهد في هذا الباب هو مشهد داريوس في مواجهة الإسكندر. هذا المشهد قد يكشف شيئًا عن العلاقة بين الزمن والقرار. هناك كانت إمبراطورية ما تزال تظن أن الوقت يسمح بالمساومة، وأن الخسارة الكبيرة لا تمنع إمكان إعادة تشكيل التوازن عبر الرسائل والعروض والمصاهرات والتنازلات. وفي الجهة الأخرى كان هناك خصم قرر، في تلك اللحظة بالذات، أن يطوي الصفحة كلها دفعة واحدة.
هذا المشهد القديم سيعود، بصور مختلفة، في تأخر إدراك أن إيقاع العالم قد سبق إيقاع الدولة. ويكفي أن ننتقل إلى العصر القاجاري لنرى هذا المعنى بوضوح أكبر وأكثر قربًا. فهناك كان ثمة عالم كامل يتغير من حول إيران، وإمبراطوريات أجنبية تضغط، وبنية داخلية تتآكل، وخزينة تصرخ، وإدارة تهرم. لكن الذي حدث، في أكثر من مرة، لم يكن جراحة تاريخية كبرى، بل رُقعًا متتالية: امتيازات، وقروض، وتسويات مؤقتة، ومسكنات تؤجل الانفجار بدلًا من معالجة جذره. كأن الدولة عرفت أن الزمن ليس في صالحها، لكنها تصرفت كما لو أن يومًا إضافيًا قد يصنع المعجزة.
وهذا، في ظني، من أدق ما ينبغي قوله عن “دبلوماسية السجادة”: إنها لا تخطئ دائمًا لأنها عاجزة عن القرار، بل لأنها أحيانًا تثق أكثر مما ينبغي في فضيلة التأجيل. تظن أن يومًا آخر قد يحمل مخرجًا، وأن جولة جديدة قد ترفع السعر، وأن خصمها قد يملّ أو ينقسم أو يضعف، وأن الزمن، ما دام ممتدًا، لا بد أن يأتي بحل أو يخفف من كلفة المشكلة. وبطبيعة الحال، هذا صحيح أحيانًا، بل لعل هذا هو أحد أسرار البقاء الإيراني. غير أن بعض الأزمات تنضج بالتأجيل، وبعضها يتعفن به.
ولعل أزمة الرهائن بعد الثورة الإيرانية من أوضح أمثلة ذلك في العصر الحديث. فالحدث لم يكن مجرد احتجاز دبلوماسي، بل كان، في وعي كثيرين، إعلانًا عن قطيعة مع ترتيب كامل من العلاقات غير المتكافئة. لكن الأزمة التي تبدأ قوية بالرمز قد تنقلب، إذا طال أمدها أكثر مما ينبغي، إلى قيد طويل على صاحبها. وما ربحته الثورة في المشهد، دفعت جزءًا من ثمنه في الأفق الأبعد: علاقة مسمومة ومزمنة مع الغرب، وصورة دولية رسخت إيران بوصفها دولة تميل إلى الإقامة الطويلة داخل الأزمة. هنا انتصر الرمز، لكن الأفق الاستراتيجي ضاق.
ثم تأتي الحرب العراقية الإيرانية، وهي ربما المثال الأبلغ والأقسى معًا. هنا بدت إيران، في جانب من تجربتها، وكأنها التجسد الكامل لفكرة الصبر الاستراتيجي: قدرة هائلة على الاحتمال، وتعبئة عقائدية ومجتمعية، واستعداد للعيش في قلب الاستنزاف، وإيمان بأن النفس الطويل نفسه جزء من النصر. ولا يمكن إنكار أن هذه القدرة كانت حقيقية، وأنها منحت إيران طاقة صمود استثنائية، وأنها سمحت لها بأن تحول الألم إلى وقود. لكن الحرب ما لبثت أن دخلت، شيئًا فشيئًا، في أفق الاستنزاف المفتوح، وتحول الزمن من مورد تعبئة إلى آلة استهلاك للأرواح والاقتصاد والمعنى. وهنا يبدأ المأزق الحقيقي. إذ ليس كل ما يصلح لصنع الصمود يصلح، بالقدر نفسه، لصنع الخروج الذكي من الحرب.
وحين جاء القبول المرّ بوقف الحرب، كان ذلك اعترافًا قاسيًا بأن ثمة لحظة تجاوزها الزمن. إن صورة “تجرع كأس السم” تختصر أكثر من خاتمة حرب؛ إنها تختصر مأزقًا في الرؤية نفسها.
ويصل هذا المنطق، في العصر الحديث، إلى واحدة من أكثر ساحاته تعقيدًا: الملف النووي. وهنا أتقنت إيران لعبتها المفضلة إلى أقصى حد: تفاوض طويل، وأبواب لا تُغلق نهائيًا، ومسارات متعددة، ورسائل مركبة، وخطوة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف، واختبار دائم لقدرة الخصوم على الحفاظ على وحدة موقفهم. وقد حققت هذه المقاربة مكاسب، أو أجّلت بعض الخسائر، أو منحت إيران قدرة على البقاء داخل اللعبة رغم اختلال موازين القوى. لكنها راكمت، في المقابل، أثمانًا لا تقل حقيقة: عقوبات، وضغط على الداخل، وإنهاك اقتصادي، وتوتر أمني، واستنزاف بطيء للقدرة على الاحتمال. وهنا تتكشف الحقيقة الأشد مرارة: يمكن للدولة أن تكسب الوقت، وأن تخسر بالوقت نفسه.
الإقامة على الحافة، أو: تطبيع اللااستقرار
وهذا هو جوهر المفارقة الإيرانية، في ظني. فإيران، في أكثر من تجربة، لم تُحسن فقط الصبر، بل أحسنت أيضًا الإقامة الطويلة على الحافة: لا حرب كاملة ولا سلام كامل، لا تسوية نهائية ولا قطيعة نهائية، لا حسم أخير ولا تراجع أخير، بل عيش مديد داخل المنطقة الرمادية، حيث يبقى كل شيء مفتوحًا ومؤجلًا وقابلًا لإعادة التفسير. وقد منحت هذه القدرة إيران، بلا شك، مرونة كبيرة، ومجال مناورة واسعًا، وإمكانًا لاستنزاف الخصوم واختبار أعصابهم. غير أن لهذه المهارة ثمنًا عميقًا، وربما كان هذا الثمن من أكثر الأثمان خفاءً وخطورة في آن.
فالدولة التي تعتاد إدارة نفسها من الحافة قد تنسى، مع مرور الزمن، أن الحافة ليست مقامًا طبيعيًا، ولا موضعًا صحيًا للاستقرار الطويل. صحيح أن الوقوف على الحافة قد يمنح رؤية أوسع، وقد يوفر قدرة أعلى على المناورة، وقد يسمح بتأجيل السقوط مرة بعد مرة، لكنه في النهاية يظل وضعًا مرهقًا، متوترًا، وغير مستقر في جوهره. إن الإقامة الطويلة على الحافة تُنتج عقلًا سياسيًا يبرع في التوازن، لكنه يفقد شيئًا فشيئًا حساسية الأرض الصلبة؛ ويتقن النجاة من السقوط إلى حد أنه ينسى أن النجاة المتكررة ليست بديلًا عن الطمأنينة، وأن تفادي الانهيار ليس هو نفسه بناء الاستقرار.
وهنا، ربما، تكمن المشكلة الأعمق في “دبلوماسية السجادة”: أنها تصنع، مع الزمن، فلسفة سياسية كاملة للعيش على الحافة؛ فلسفة ترى أن التوتر الدائم قابل للإدارة، وأن القلق الدائم يمكن تحويله إلى أسلوب حكم، وأن البقاء في المسافة الفاصلة بين الحرب والسلام، وبين الانفجار والتسوية، يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. لكن هذا الوهم هو بذاته أحد أكثر الأوهام كلفة. فالحواف لا تمنح الأمان، بل تؤجله. وكلما طال مقام الدولة على الحافة، صار نزولها إلى الأرض الصلبة أكثر صعوبة، لأن التوازن القلق يتحول، بمرور الوقت، إلى إدمان سياسي ونفسي واستراتيجي.
ولهذا، فإن أحد أخطر مآلات هذه الفلسفة ليس فقط إضاعة الفرص، ولا فقط رفع كلفة التردد، بل تطبيع اللااستقرار نفسه؛ أي تحويل العيش في حال الشدّ العصبي الدائم إلى أمر مألوف، بل إلى ما يشبه العقيدة العملية في الحكم والسياسة. وعندئذ لا تعود الدولة تبحث عن نهاية للأزمة بقدر ما تبحث عن أفضل طريقة لإدارتها. وهنا، بالضبط، يتحول الصبر من فضيلة إلى فخّ.
لذلك لا يجوز أن نفهم “دبلوماسية السجادة” على أنها ضعف خالص، أو حكمة خالصة. هي، في حقيقتها، سلاح ذو حدين. كانت عبقرية حين استُخدمت تكتيكًا، وحين عمل الزمن فعلًا لصالح إيران، أو حين كان خصومها أقل صبرًا منها وأسرع خضوعًا للتعب والتناقضات الداخلية. لكنها انقلبت عبئًا حين اقتربت من مرتبة العقيدة، وحين جرى التعامل مع الصبر لا بوصفه خيارًا بين خيارات، بل بوصفه الحقيقة السياسية الأعلى، الصالحة لكل حرب وكل تفاوض.
لقد علّمت السجادة إيران، مثلما علّمت غيرها من الحضارات التي عرفت فنون الصبر والتراكم، أن الصورة الكبرى لا تولد من أول خيط، وأن العقد الصغيرة قد تصنع في النهاية معنى مهيبًا. لكن السياسة ليست سجادة، والتاريخ ليس نولًا مفتوحًا إلى الأبد. ففي لحظات معينة لا ينتصر من يضيف عقدة أخرى، بل من يعرف أن وقت العقد انتهى. هناك لحظات لا تحتاج إلى مزيد من الخيوط، بل إلى يد تقطع وتقرر وتحسم قبل أن ينطفئ الضوء.
