عن طقوس الرحيل والعزاء في إيران؛ الذاكرة، الأربعين، والروح الكربلائية

حارث أبو بديوي
في أواخر أيامه، لم يكن الدكتور محمد مصدّق يريد من الدنيا كثيراً. هذا الرجل الذي اقتحم الذاكرة الإيرانية الحديثة من باب التأميم، ومسيرة طويلة عريضة، حافلة، من العمل الوطني السياسي والبرلماني، لم يطلب في آخر أيامه طلباً دنيوياً، ولا تسويةً شخصية مع زمنٍ قاسٍ أخرجه من المسرح السياسي وترك له الاسم والتاريخ.
ما أراده الدكتور مصدق، كان، للوهلة الأولى، أبسط من ذلك بكثير، لكنه في إيران الشاه تحديداً كان أكثر خطورة؛ أن يُدفن حيث أراد، وأن تقام له جنازة، ومراسم وداع، تليق برجلٍ صار، في الضمير الإيراني، أكبر من مجرد رئيس وزراء سابق.
والثابت تاريخياً أن الدكتور مصدق أوصى بأن يُدفن قرب شهداء 30/يوليو 1952، وطلب نقل رغبته ورجاءه الأخير هذا إلى الشاه، نفس الشاه الذي سبق وأن أطاح برئيس وزرائه الأكثر شعبية في إيران منذ “أمير كبير”، رئيس وزراء ناصر الدين شاه القاجاري.
غير أن هذه الرغبة لم تُنفَّذ، وبالأدق، لم يجرؤ الوسيط الذي وصلت إليه الرسالة أن ينقلها إلى الشاه، فدُفن دكتور مصدق، خلافا لوصيته ورجائه الأخير، بعد وفاته عام 1967، في “أحمد آباد”، داخل نطاق إقامته الجبرية تقريباً.
وليس ضرورياً، في هذا الموضع، أن نتوقف طويلاً عند كل تفصيل في الرواية التي أوردها إحسان نراقي عن التردّد في رفع رغبة مصدّق الأخيرة إلى الشاه، بقدر ما يهمنا أن نفهم منطقها العميق، الذي ينسجم تماماً مع ما هو ثابت تاريخياً؛ لم تكن الدولة تخشى جثمان رجلٍ عجوز، بل كانت تخشى جنازةً قد لا تبقى جنازة. لأن الجنازة في إيران ليست، في كثير من الأحيان، وداعاً لميتٍ فحسب، بل قد تكون استدعاءً حيّاً لسيرة، ولقيم، ولمرحلة، ولأسئلةٍ أرادت السلطة أن تواريها مع صاحبها.
في بلادٍ كهذه، تعرف الدولة أن بعض الموتى يصبحون، بعد رحيلهم، أكثر قابليةً للبقاء في الذاكرة، وربما أكثر مما كانوا عليه في حياتهم.
الموت في إيران شكل آخر للحضور هذا، في تقديري، مدخل آخر، إلى محاولة فهم إيران، من تلك الطريقة الخاصة التي يفهم بها المجتمع الموت، ويقيم حوله طقوساً ومواعيد ومعاني تجعل الراحل لا يغيب مرةً واحدة، ولا يُسلَّم إلى النسيان دفعةً واحدة.
ففي مجتمعات كثيرة، ينتمي الموت إلى باب الختام، يموت الإنسان، يُدفن، يُعزَّى به أياماً، ثم يأخذ الزمن في محو أثره شيئاً فشيئاً.
أما في إيران، فإن الموت كثيراً ما يكون انتقالاً من حياةٍ الجسد إلى حياة الذكرى وإلى الحضور، المستمر الطويل، رمزياً.
ولهذا، لا تنتهي القصة عند الصلاة والدفن، وإنما تبدأ بعدها حلقات أخرى؛ اليوم الثالث، والسابع، ثم الأربعين، ثم الذكرى السنوية، وما يتخلل ذلك من مجالس ترحيم، وزيارات، واستعادةٍ دائمة لاسم الراحل وصورته ومكانه في حياة من بقي بعده.
وتكشف دراسات متخصصة أن الحداد في إيران تشكّل تاريخياً من تفاعل عناصر دينية ومحلية واجتماعية، مع بقاء توصية الفقه الجعفري وغيره بالإسراع في الدفن.
ومعنى ذلك، ببساطة شديدة، أن الإيرانيين لا يتعاملون مع الموت بوصفه نهاية إجرائية لحياةٍ انطفأت، ولكن، بوصفه عبوراً إلى صيغة أخرى من البقاء.
والحزن نفسه لا يُترك هناك فوضى عاطفية خاماً، بل يُنظَّم ويُوزَّع على الزمن، كأن المجتمع يرفض أن يخسر ميته مرةً واحدة، فيختار أن يخسره على مراحل، وأن يرافقه في هذا العبور محطةً بعد محطة؛ لتبدو كل محطة من محطات العزاء، في إيران، وكأنها إعادة ترتيب للعلاقة بين الأحياء وميتهم.
الأربعون: حين يتحول الفقد إلى ذاكرة عامة
عند هذه النقطة بالذات، يبرز “الأربعون” لا كموعدٍ جنائزي اعتيادي، بل كأحد المفاتيح المهمة في فهم إيران. فالأربعون هناك ليس مجرد إكمال لعدة زمنية، وإنما هو لحظة انتقال من حرارة الصدمة الأولى إلى رسوخ الفاجعة في الوجدان.
وهو، بهذا المعنى، ابنٌ واضح للروح الكربلائية التي طبعت التشيع الإيراني بطابعها الأعمق؛ أن الدم لا يبرد سريعاً، وأن الغياب لا يقع دفعةً واحدة، وأن بعض الراحلين يبدأ أثرهم الحقيقي بعد موتهم.
وإذا كانت هذه هي البنية الاجتماعية والثقافية للحداد، فمن الطبيعي أن تتحول، في لحظةٍ تاريخية معينة، إلى طاقة سياسية. وهذا ما حدث بوضوح خلال الثورة الإيرانية.
فـتشير مصادر عدة، إلى أن ضحايا القمع كانت تتبعهم تظاهرات لإحياء “المَعلَم الأربعيني” في تقاليد الحداد الشيعية، وأن سقوط ضحايا جدد في تلك التظاهرات جعل الموت والاحتجاج يغذي أحدهما الآخر. أي أن الحداد لم يكن مجرد نتيجة للاحتجاج، بل صار أيضاً آلية من آليات استمراره. وهنا، يغدو الحزن قوة
الخميني؛ مجالس العزاء منابر تعبئة
وهنا، تبرز واحدة من أذكى أدوات الخميني السياسية في معارضته لحكم الشاه. هو لم يخترع مركزية الشهادة أو الحداد في المجتمع الإيراني، لكنه فهمها على نحوٍ عميق، وأدرك أن السياسة في إيران لا تُخاطَب بلغة البرامج والخطط والمقارّ الحزبية ووسائط الإعلام وحدها، بل بلغة الرمز والمظلومية والذكرى أيضاً. ولذلك، لم يكن من الصعب عليه أن يعيد ترجمة الصراع مع الشاه إلى لغة كربلائية مألوفة في الذهن الإيراني؛ ظلمٌ في جهة، ومظلومون في الجهة الأخرى؛ دمٌ يُراق، وذكرى يجب ألا تُنسى؛ سلطة تريد أن تطوي الصفحة، وجماعة تصرّ على إبقائها مفتوحة.
في هذه اللغة، بالذات، لا يعود مجلس العزاء مجرد موضع بكاء، بل يتحول إلى منبر، ويصير الأربعون موعداً آخر لاستئناف القضية.
ولهذا، فهمت الدولة، متأخرةً أو مبكراً، أن السيطرة على الشارع أصعب كثيراً حين يتخذ الشارع هيئة الحداد.
ومن هنا أيضاً، يمكن فهم لماذا كانت مجالس العزاء، في إيران، قابلةً على الدوام لأن تتجاوز معناها المباشر. فهي، بحكم بنيتها الثقافية، ليست مناسبة عائلية محضة، بل مساحة يُستعاد فيها الراحل بوصفه سيرةً وقيمةً وموقفاً.
وحين يكون الميت شخصية عامة، أو ضحية قمع، أو صاحب قضية، يتحول مجلسه بسهولة إلى منتدى للذاكرة والاحتجاج.
ولهذا، بظنّي، خافت السلطة من جنازة مصدّق، ولهذا، أيضا، فهم الخميني أن الطريق إلى السياسة في إيران يمرّ، في أحيان كثيرة، عبر بوابة الحداد.
طبقات أعمق من اللحظة السياسية
غير أن ردّ هذه الظاهرة كلها إلى السياسة وحدها فيه إجحاف بحق إيران، تماماً كما أن ردّها إلى الفقه وحده فيه اختزال. لأن إيران، في باب الموت، ليست ابنة طبقة واحدة من التاريخ. إنها، على العكس، بلدٌ تراكمت فيه طبقات عدة؛ الطبقة الشيعية بطبيعة الحال، بما فيها من كربلاء وشهادة ومظلومية وأربعين؛ والطبقة الفارسية الأقدم بما فيها من حساسية خاصة تجاه الذاكرة والحداد والرمز؛ ثم طبقات أسبق من الإسلام نفسه، ما تزال تطلّ من بعيد على الطريقة التي فُهم بها الجسد والعناصر والدفن.
تشير مراجع متخصصة، هنا، إلى أن ممارسات الدفن والحداد في إيران تأثرت بأنماط متعددة قبل الإسلام وبعده، وأنها لا تُقرأ قراءة صحيحة إذا جرى اختزالها في تفسير واحد.
ولهذا، يبدو الخطأ كبيراً حين يُتعامل مع طقوس العزاء الإيرانية وكأنها مجرد شأن فقهي؛ إنها، في الحقيقة، ثمرة امتزاج طويل بين الدين والتاريخ، وبين الطقس والمجتمع، وبين العقيدة والذوق الحضاري.
ولهذا، قد يكون من المفيد، أن نلتفت إلى أثر المجتمع الزراعي العميق في التكوين الإيراني. وأنا لا أقول هذا على سبيل التبسيط المدرسي الذي يقابل “الفلاحي” بـ”الرعوي” مقابلةً ميكانيكية، فهذه لغة لا تنصف التاريخ، لكن يبقى أن المجتمع الزراعي، بحكم علاقته العضوية بالتراب، والبذر، والغياب في الأرض، ثم العودة في صورةٍ أخرى، يكون أكثر أُلفةً مع تصور الزمن بوصفه دورة، ومع تصور الفناء بوصفه انتقالاً لا محواً كاملاً.
وربما ساعد هذا، جزئياً على الأقل، في تفسير ذلك الميل الإيراني إلى إبقاء الميت قريباً من المكان والزيارة والمجلس والذكرى، وإلى تنظيم الحزن بوصفه مواسم لا لحظة واحدة، حيث يصبح القبر محطةً في مسارٍ أطول، لا آخر كلمة فيه؛ وتتكلّم كربلاء، مرةً أخرى، لا بوصفها حادثة مذهبية فقط، بل بوصفها بنية وجدانية كاملة.
المقبرة في إيران؛ الصلة لا القطيعة
ولذلك، أيضاً لم تكن الملاحظة التي يخرج بها كثير من زوار طهران ملاحظةً عمرانية فقط، حين يجد أحدهم نفسه داخل مكانٍ يظنه متنزهاً، فإذا به مقبرة؛ مقاعد مرتبة، وأشجار، وأزهار، ونظافة، وهدوء، وشيء من الألفة التي لا يربطها القادم من مشرقٍ عربي كثيراً بالمقابر. هذه الصورة تقول، في الحقيقة، أكثر مما يبدو فيها. إنها تقول إن المقبرة في إيران لا تُدار دائماً بوصفها نفياً للحياة، بل بوصفها امتداداً هادئاً لها. الميت لا يُنفى إلى هامشٍ موحش، بل يُترك في مكانٍ يمكن زيارته، والجلوس فيه، واستعادته ضمن فضاء لا يقطع الصلة به تماماً. ومن هنا، فإن المقبرة الإيرانية، في بعض صورها، أقرب إلى جغرافيا للصلة منها إلى حيّز للقطيعة.
بل إن بعض المقابر الكبرى، مثل “بهشت زهرا”، اكتسبت كذلك وظيفة وطنية ورمزية، لا جنائزية فقط، حتى غدت جزءاً من أرشيف الذاكرة الإيرانية الحديثة، ولا سيما في سياق “الثورة والحرب والشهداء”. وحين تكتسب المقبرة هذه الوظيفة المزدوجة، فهي لا تعود مجرد موضع دفن، بل تتحول إلى مكان يرى فيه المجتمع نفسه وهو يستعيد أسماءه الكبرى وخساراته الكبرى معاً.
وهذا كله، يعيدنا إلى فكرة أساسية؛ أن الميت في إيران لا يُدار بوصفه غياباً تاماً، بل بوصفه حضوراً تغيّرت طبيعته. فالقبر ليس فقط موضع مواراة، بل موضع عودة. والزيارة ليست أداء واجبٍ اجتماعي فحسب، بل تجديد صلة رمزية.
ومن هنا، تكتسب العناية بالمقبرة، والجلوس فيها، وإحاطتها بالجمال والنظام، معنى أعمق من الذوق العام؛ إنها، في الجوهر، جزء من الطريقة التي يرفض بها المجتمع أن يسلّم موتاه سريعاً إلى النسيان.
يزد وبرج الصمت: ذاكرة أقدم من الإسلام
ثم إن هذه الحساسية تجاه الجسد بعد الموت لها، في إيران، جذور أقدم كثيراً مما يتبادر إلى الذهن.
ويكفي أن نذهب إلى يزد، وإلى ما عُرف فيها ببرج الصمت، حتى ندرك أن سؤال الموت في هذه البلاد لم يكن سؤالاً تقنياً عن طريقة الدفن فقط، بل كان سؤالاً حضارياً عن علاقة الجسد بالعناصر. ففي التقليد الزرادشتي، لم يكن دفن الجسد في التراب مقبولاً بسهولة، لأن الأرض مقدسة، كما أن إحراقه في النار مرفوض لأن النار مقدسة أيضاً. ولذلك عُرفت ممارسة “الدخمه”، حيث يُترك الجسد في موضع مرتفع ليتحلّل بعيداً عن تدنيس العناصر.
صحيح أن هذا التقليد لم يعد حاضراً في إيران الإسلامية (وبحدود معلوماتي تمّ حظره بشدة في عهد الشاه) لكنه يكشف عن أمرٍ بالغ الأهمية؛ سؤال الموت في إيران لم يكن، في أي طور من أطواره، مجرد سؤال عن كيفية التخلص من الجسد، بل كان دائماً سؤالاً عن الصورة التي ينبغي أن يُسلَّم بها الراحل إلى الكون، وعن الحدود بين الإنسان والعناصر، وعن معنى الطهارة والفساد في لحظة العبور النهائية.
وحين دخل الإسلام إلى هذه الأرض، لم يُلغِ تماماً كل الحساسية السابقة، بل أعاد صوغ كثير منها في لغته الخاصة.
ومن هنا، تبدو طقوس الموت في إيران، حتى وهي شيعية الملامح بوضوح، مشبعةً بظلال أقدم منها تاريخاً.
عودة إلى مصدّق: لماذا تخاف السلطة جنازةً لائقة؟
حين تتجمع هذه الخيوط كلها، يصبح المشهد أوضح. طقوس العزاء والدفن في إيران ليست تفصيلاً مذهبياً محضاً، ولا تراثاً فولكلورياً محضاً، ولا أداةً سياسية وظّفها الخميني فحسب، وإن كانت تحمل من هذا كله شيئاً. إنها، في الأعمق، خلاصة امتزاج طويل بين الشيعي والفارسي، بين كربلاء والحديقة. ولهذا، لا يدفن الإيرانيون موتاهم على عجل، ليس لأنهم يؤخرون الدفن على نحوٍ خارج الفقه، بل لأن الدفن عندهم لا يختزل كل ما يترتب على الموت. ما يأتي بعده لا يقل أهمية عنه؛ المجلس، والعودة، والأربعون، والسنوية، والزيارة، والاستدعاء المتجدد للاسم والمعنى. كأن القبر هناك لا يغلق الباب، بل يفتحه على طور آخر من الوجود.
وأعودُ، مرة أخرى، إلى الدكتور مصدّق، لقد فهم الرجل، أو شعر على الأقل، أن الدفن في بلاده ليس شأناً محايداً، وأن الموضع الذي يوارى فيه الإنسان، والناس الذين يشيعونه، والكلمات التي تُقال فوق نعشه، ليست مراسم معتادة، بل جزء من صورته الأخيرة في ضمير الأمة.
وأجزم أن السلطة فهمت الشيء نفسه، من الجهة المقابلة. ولهذا لم يكن منع تنفيذ وصيته مجرد قرار إداري، بل محاولة للتحكم في الطريقة التي سيدخل بها الرجل التاريخ بعد موته؛ أن يُدفن قرب الشهداء يعني أن يُقرأ في ضوئهم، وأن يُمنع من ذلك يعني أن تُخفَّف قوة ما قد يبعثه موته من معانٍ.
ولعل هذا كله يفسر لنا شيئاً أعمق من الواقعة نفسها؛ فإيران لا تبدو بلداً يكثر من الحزن فقط، بل بلداً يُحسن بناء الحزن، وتوزيع الفقد على الزمن، وتحويل الغياب إلى ذاكرةٍ عاملة.
وفي هذا المعنى، لا يكون العزاء انكساراً، ولا تكون المقبرة مكاناً للنسيان، بل مكاناً لاستمرار الصلة؛ ويكون الموت بدايةً لنوعٍ آخر من الحضور.
وهنا تتكلم كربلاء مرةً أخرى، لا بوصفها حادثةً مذهبية محفوظة في كتب السيرة، بل بوصفها بنية وجدانية حية. وبعض الراحلين يبدأ حضورهم الأشد رسوخاً عند اللحظة التي يُظن أنهم غابوا فيها. ومن يفهم هذا، يفهم شيئاً من إيران؛ بلداً يرى أن القبر ليس، بالضرورة، آخر الطريق، بل قد يكون أول الطريق إلى الاستمرار في ذاكرة الجماعة.
