سياسة الأرض المحروقة: الطريق إلى شريط أمني جديد

يتجه الصراع على الحدود اللبنانية نحو مرحلة مختلفة، تتداخل فيها الأهداف العسكرية مع محاولات إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسكاني على حد سواء، وذلك وفق تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «سنقيم منطقة عازلة داخل جنوب لبنان وسنبقي سيطرتنا على المنطقة». هذه التصريحات لا تبدو مجرد امتداد لخطاب عسكري أو سياسي قائم على التهديد والردع، بل توحي، عند التمعّن فيها، بمحاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك على الجبهة اللبنانية.

لم تعد المسألة مقتصرة على ضربات موضعية أو رسائل نارية عابرة، بل باتت ترتبط بسعي واضح إلى فرض واقع جغرافي–أمني جديد بالقوة، يُراد له أن يتحول إلى أمر واقع طويل الأمد. ومن هنا، لا يمكن فصل الحديث عن إقامة منطقة عازلة داخل جنوب لبنان عن السوابق الإسرائيلية في هذا المجال، ولا سيما تجربة عملية الليطاني وما أعقبها. غير أن الفارق اليوم يتمثل في أن هذا الطرح يأتي في سياق أكثر تعقيداً وخطورة.

يتضح ذلك في تصريح كاتس بأن «سيتم تدمير جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان»، وأن «600 ألف من سكان جنوب لبنان الذين تم إجلاؤهم لن يتمكنوا من العودة قبل ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل». هذه التصريحات لا تشير فقط إلى هدف أمني مؤقت، بل تكشف عن منطق أعمق يقوم على عنصرين أساسيين:
الأول، السعي إلى تثبيت السيطرة بوصفها وضعاً مفتوحاً زمنياً يتجاوز فكرة العملية المحدودة؛
والثاني، توظيف هذه السيطرة لإعادة تشكيل الواقع السكاني عبر منع عودة السكان وتعطيل استعادة الحياة الطبيعية في القرى الحدودية.

عند هذه النقطة، يتغير معنى العملية العسكرية نفسها؛ فهي لا تعود مجرد أداة ضغط على الخصم، بل تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجال السكاني والحدودي معاً، من خلال التدمير المنهجي للبنية التحتية والقرى، وخلق ظروف تجعل العودة إلى تلك المناطق أمراً بالغ الصعوبة.

وبهذا المعنى، لا نكون أمام معركة عسكرية فحسب، بل أمام مشروع لإعادة هندسة الحيز الحدودي بما يخدم متطلبات أمنية إسرائيلية طويلة المدى. يقترب هذا المسار كثيراً من إعادة إنتاج نموذج الشريط الحدودي القديم، ولكن بأدوات أكثر صراحة وخشونة. فكما أفضت عملية الليطاني لاحقاً إلى إنشاء منطقة أمنية استمرت سنوات، فإن المؤشرات الحالية، مدعومة بتصريحات نتنياهو التي تربط عودة سكان الشمال الإسرائيلي بتحقيق «الأمن الكامل»، توحي بمحاولة استنساخ النموذج ذاته، وإن ضمن سياق إقليمي مختلف.

تكتسب المعادلة التي يطرحها نتنياهو دلالة بالغة الأهمية؛ إذ يكشف هذا الربط بوضوح عن تصور يقوم على قاعدة حاسمة: لا عودة هناك من دون تغيير هنا. أي أن استعادة الاستقرار داخل المستوطنات الشمالية باتت، في المنظور الإسرائيلي، مشروطة بإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسكاني في جنوب لبنان. وهنا تنتقل العملية من مستوى الردع إلى مستوى فرض الوقائع الميدانية الجديدة.

في المقابل، يبقى مصير مئات آلاف اللبنانيين المحاصرين ضمن دائرة الخطر معلقاً على هذه المعادلة. فعندما توحي تصريحات كاتس بأن عودة سكان القرى الجنوبية ليست أولوية ما دام المطلوب أولاً ضمان أمن سكان الشمال الإسرائيلي، فإن ذلك يعني عملياً تكريس إفراغ واسع وممنهج للمناطق الحدودية.

وبهذا المعنى، لا تعود سياسة الأرض المحروقة مجرد أثر جانبي للحرب، بل تصبح جزءاً من منطقها المباشر: تدمير متدرج، وتهجير قسري، وتعطيل مقصود لإمكان عودة السكان، بما يخدم فرضية إقامة شريط أمني فعلي، حتى من دون إعلان رسمي.

هنا تحديداً يتضح أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى مشروع لإعادة تشكيل المجال الحدودي نفسه. فالسكان يتحولون إلى جزء من المعادلة الاستراتيجية، لا بوصفهم طرفاً مباشراً في القتال، بل باعتبار إبعادهم المؤقت أو الطويل شرطاً لتثبيت الوقائع الجديدة. وفي الوقت نفسه، تكرّس إسرائيل منطقها الأمني عبر إفراغ جزء من الأرض اللبنانية وإبقائه تحت وطأة التهديد الدائم، بما يجعل كل خطوة ميدانية على هذه الأرض جزءاً من اختبار حي لسياسة الإكراه العسكري والتغيير الديمغرافي معاً.

غير أن هذا المسار لا يجري بمعزل عن تفاعلات مقابلة على الجبهة نفسها. ففي الجهة الأخرى، يبرز تطور نوعي في سلوك حزب الله مع إدخال صواريخ أرض–جو إلى ساحة الاشتباك داخل المجال اللبناني، في محاولة واضحة لتقييد حرية الحركة الجوية الإسرائيلية. هذه الخطوة، وإن بدت محدودة، تحمل دلالة استراتيجية مهمة؛ لأنها تنقل الصراع من مستوى الاستنزاف الأرضي إلى محاولة المساس بأحد أهم عناصر التفوق الإسرائيلي، أي السيطرة الجوية.

عند هذه النقطة، تتقاطع استراتيجيتان مختلفتان، لكنهما تلتقيان عند منطق واحد: رفع الكلفة وتوسيع هامش المخاطرة. فإسرائيل تدفع نحو فرض وقائع ميدانية عبر التدمير التدريجي والتوغل المحسوب، فيما يحاول حزب الله تعديل ميزان الردع من خلال إدخال أدوات جديدة إلى المعركة. كلا الطرفين، بدرجات متفاوتة، يمارس نوعاً من الإكراه المتبادل، حيث لا يكون الهدف تحقيق حسم فوري بقدر ما يكون إعادة ضبط سلوك الخصم وإجباره على التسليم بمعادلة جديدة.

غير أن المفارقة تكمن في أن هذا النوع من الاستراتيجيات، القائم على التدرج والتصعيد المحسوب، يحمل في داخله بذور تكرار التاريخ بقدر ما يحمل احتمالات تغييره. فكما بدأت عملية الليطاني بوصفها عملية محدودة ثم انتهت إلى واقع أمني طويل الأمد، يمكن للمسار الحالي أن ينزلق تدريجياً من فكرة منطقة عازلة مؤقتة إلى إعادة تثبيت شريط أمني فعلي، لا سيما في ظل التداخل الواضح بين القرارين العسكري والسياسي داخل إسرائيل.

وفي المقابل، فإن إدخال حزب الله عناصر ردع جديدة قد لا يؤدي بالضرورة إلى كبح هذا المسار، بل قد يسرّع وتيرته إذا ما فُسِّر إسرائيلياً باعتباره تهديداً نوعياً يستوجب توسيع العمليات. وهنا يبرز ما يمكن وصفه بـ«التدحرج غير المقصود»، أي تلك اللحظة التي تتحول فيها الخطوات التكتيكية المحدودة إلى مسار تصاعدي يصعب احتواؤه أو ضبطه.

في المحصلة، لا تبدو تصريحات كاتس ونتنياهو مجرد مواقف إعلامية أو رسائل ظرفية، بل تعكس توجهاً جدياً نحو إعادة إنتاج نموذج أمني قديم بصيغة أكثر صلابة وخطورة، في مقابل محاولة من الطرف الآخر لمنع تثبيت هذا الواقع.

زر الذهاب إلى الأعلى