اللعبة النهائية داخل إيران: الإصلاحيون مقابل المحافظين

أدّى اندلاع الحرب عام 2026 إلى إعادة تشكيل عميقة للمشهد السياسي الإيراني، حيث أسهم في تصعيد التوترات المزمنة بين التيارين الإصلاحي والمحافظ داخل الجمهورية الإسلامية. وتشير الحكمة التقليدية إلى أن ظروف الحرب-التي تتسم بارتفاع منسوب الأمننة، ومركزية السلطة، وتراجع التسامح مع المعارضة-تفضي حتمًا إلى تهميش الفاعلين الإصلاحيين، عبر إخضاع التعددية السياسية لمقتضيات بقاء النظام. وفي هذا السياق، تُظهر التقييمات الأولية مؤشرات واضحة على تركز السلطة بيد المؤسسات المتشددة، لا سيما المرتبطة بالأجهزة الأمنية، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الإصلاحيون ما زالوا يحتفظون بأي دور فعّال في صياغة المخرجات السياسية.
غير أن هذا التصور ينطوي على قدر من التبسيط المخلّ بطبيعة النفوذ داخل النظام الإيراني. فحتى وإن تم دفع الإصلاحيين إلى هامش مراكز صنع القرار الرسمية، فإن تقييم دورهم لا يمكن أن يقتصر على مدى حضورهم المؤسسي. ذلك أن الحرب، بما تفرضه من ضغوط اقتصادية واجتماعية، وما تعمّقه من عزلة دولية، قد تخلق في الوقت ذاته بيئة تُستعاد فيها أهمية الأفكار الإصلاحية-لا سيما تلك المرتبطة بخفض التصعيد، والدبلوماسية، والبراغماتية الاقتصادية-ولو بشكل غير مباشر. ومن ثم، يتشكل نمط أكثر تعقيدًا، يبدو فيه الإصلاحيون ضعفاء سياسيًا، لكنهم يظلون مندمجين بنيويًا ضمن استراتيجيات النظام الأوسع للتكيف والبقاء.
وفي إطار النقاشات الجارية حول إيران في زمن الحرب، تبرز قراءتان متنافستان لتفسير تأثير الإصلاحيين. ترى الأولى أنهم أصبحوا مهمشين إلى حد كبير وفاقدين للوزن السياسي، في حين تفترض الثانية أنهم لا يزالون يمارسون نوعًا من التأثير من الأطراف، عبر قنوات خطابية ومجتمعية. تعكس كل من هاتين المقاربتين جانبًا من الواقع التجريبي، إلا أن أيًا منهما لا يكفي بمفرده لتفسير المشهد. والأقرب إلى الإقناع تحليليًا هو النظر إلى اللحظة الراهنة لا بوصفها أفولًا للإصلاحية، بل باعتبارها تحوّلًا في وظيفتها. وبهذا المعنى، لم يعد الإصلاحيون فاعلين مؤسسيين ينافسون المحافظين على السلطة، بل غدوا قوة كامنة داخل النظام-قوة تقيد، وتمنح الشرعية، وأحيانًا تعيد توجيه سلوك الدولة بشكل غير مباشر، دون أن تمارس سيطرة مباشرة. ويغدو هذا التأطير ضروريًا لفهم التحولات الداخلية المتسارعة في إيران، وكذلك لاستشراف كيفية تأثير ظروف الحرب في مسار الصراع وفي ملامح تسويته المحتملة.
يرى أحد أبرز مسارات التحليل أن الخطاب الإصلاحي في إيران قد تعرض لشلل شبه كامل منذ عام 2005، عقب انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي عمد إلى تقويض محاولات أسلافه من الرؤساء الإصلاحيين للانخراط في حوار مع الغرب، وأن هذا الخطاب لم يلبث أن ازداد راديكالية وتضخمًا تحت وطأة ظروف الحرب. ووفقًا للدكتور محجوب الزويري[1]، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر والمتخصص في شؤون إيران ومنطقة الخليج، فإن «إيران تنظر إلى هذه الحروب بوصفها مفروضة عليها، وأن هذا الظرف لن يؤدي إلا إلى مزيد من راديكالية الموقف الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب». ويعكس هذا الطرح حجة أوسع مفادها أن الحرب تُسرّع من عمليات الأمننة، بما يؤدي إلى تضييق هامش التعددية السياسية وتعزيز تمركز السلطة داخل شبكات متشددة.
وعلى الرغم من تسويق الحرب داخليًا بوصفها حرب تحرير من قمع النظام، فإن الإيرانيين، في أعقاب القمع العنيف للاحتجاجات منذ ديسمبر 2025، سرعان ما أدركوا أنها ليست سوى واجهة تستهدف إحداث تغيير للنظام من الداخل. وقد أسهم استهداف مواقع ثقافية مهمة داخل إيران، إلى جانب قصف مدرسة للبنات في الأيام الأولى للحرب، في ترسيخ حالة عميقة من انعدام الثقة تجاه النوايا الحقيقية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
في المقابل، تطرح قراءة منافسة تصورًا مغايرًا، مفاده أن الإصلاحيين ما زالوا يمارسون تأثيرًا، وإن كان ذلك بطرق أقل ظهورًا. فبحسب ما أشار إليه الدكتور محمد أبو رمان[2]، الباحث في العلوم السياسية والمتخصص في الفكر السياسي، في مقابلة أُجريت في مارس 2026، فإن «الإصلاحيين لا يزالون يمتلكون قاعدة اجتماعية قوية داخل المجتمع الإيراني، إذ يؤدون دور الجسر بين طبيعة النظام والناس العاديين، بما يتيح إمكانية موازنة خطاب التيار المتشدد الذي يميل إلى تجاهل تطلعات المجتمع». ومن هذا المنظور، لا يعمل الإصلاحيون كفاعلين مؤسسيين بقدر ما يشكلون قوة خطابية ومجتمعية تسهم في تشكيل كيفية تعامل الدولة مع الضغوط الاقتصادية والسياسية.
وفي سياق التطورات الراهنة، يُتوقع أن يكتسب دور التيار البراغماتي أو الإصلاحي-المتمثل في وزير الخارجية عباس عراقجي والرئيس الحالي مسعود بزشكيان-أهمية حاسمة في حال حدوث تحول جوهري داخل إيران ناجم عن تراجع قوة النظام؛ إذ يرجح أن يتقدم الإصلاحيون لطرح بديل محتمل في ظل ارتفاع كلفة الصراع إلى مستويات تهدد بقاء الدولة ذاتها. ويستند هذا الطرح إلى مقاربة أكثر انفتاحًا على الدبلوماسية واستعدادًا للحوار مع الغرب، لا سيما الولايات المتحدة. غير أن هذا الاحتمال يظل محل تساؤل جوهري: هل يمكن لمثل هذا الحوار أن يتحقق في ظل حرب لم تعد تستهدف النظام فحسب، بل تمس أيضًا رفاه المجتمع؟ وهنا تعود إشكالية انعدام الثقة لتفرض نفسها من جديد، في ظل سجل أمريكي يُنظر إليه على أنه غير موثوق في بناء أي علاقة مستقرة مع الشعب الإيراني، رغم عدائه المعلن للنظام.
إذا صحّ تفسير الدكتور محجوب الزويري، فإن مسار النظام الإيراني يتجه نحو مزيد من التمركز في نموذج الدولة الأمنية، حيث يظل صنع القرار محصورًا بشكل صارم داخل مؤسسات التيار المتشدد. وفي مثل هذا السيناريو، يُرجّح أن تُدار الحرب-وتُختتم في نهاية المطاف-وفق اعتبارات عسكرية واستراتيجية بالدرجة الأولى، لا وفق تسويات سياسية. كما أن تهميش الفاعلين الإصلاحيين يوحي بمحدودية فرص المرونة الدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب، بما يعزز نموذجًا للحكم يقدّم أمن النظام على إعادة الاندماج في النظام الدولي.
في المقابل، إذا استمر تأثير الإصلاحيين بأشكال غير مباشرة أو خطابية، فإن المسار طويل الأمد يبدو أكثر انفتاحًا على الاحتمالات. فوفق قراءة الدكتور محمد أبو رمان، قد تؤدي الضغوط التي تولدها الحرب-من أعباء اقتصادية، وتململ اجتماعي، وعزلة دولية-إلى إعادة إدخال الأفكار الإصلاحية تدريجيًا في عملية صنع السياسات، خاصة في مجالات الدبلوماسية وإدارة الاقتصاد. ومن شأن ذلك أن يزيد من احتمالية أن تنطوي نهاية الصراع على شكل من أشكال خفض التصعيد التفاوضي، بحيث تسهم المقاربات ذات الطابع الإصلاحي في تشكيل شروط تكيّف إيران بعد الحرب، دون أن تكون العامل الحاسم فيها.
ويكمن التباين بين هاتين المقاربتين ليس فقط في تقييمهما لمستوى التأثير الراهن، بل أيضًا في افتراضاتهما الضمنية بشأن اتجاه تطور الدولة الإيرانية. فكل منهما يلتقط جانبًا مهمًا من ديناميات الحرب في إيران، غير أن كليهما يستند إلى فهم جزئي لكيفية اشتغال النفوذ في ظل صراع ممتد. فالمقاربة الأولى تُحسن تشخيص تآكل حضور الإصلاحيين داخل المؤسسات الرسمية، لكنها تميل إلى مساواة الإقصاء المؤسسي بعدم الأهمية السياسية. أما المقاربة الثانية فتُبرز استمرارية الأفكار الإصلاحية داخل النظام، لكنها قد تبالغ في تقدير قدرتها على التحول إلى سياسات ملموسة في ظل تصاعد الأمننة.
والأقرب إلى الترجيح تحليليًا هو أن الحرب تُفضي إلى إعادة تشكيل وظيفي للإصلاحية، لا إلى اختفائها ولا إلى استمرارها بصيغتها التقليدية. ففي ظل هذه الشروط، لا يُتوقع أن تكون النتيجة النهائية ترسيخًا كاملًا لهيمنة التيار المتشدد، ولا عودة إصلاحية ذات مغزى. بل إن النظام قد يتطور نحو صيغة هجينة، يحتفظ فيها الفاعلون المتشددون بالسيطرة الحاسمة على السياسات الأمنية والاستراتيجية، مع إدماج انتقائي لمقاربات ذات طابع إصلاحي في المجالات التي تتطلب مرونة لضمان بقاء النظام-لا سيما في إدارة التعافي الاقتصادي والعلاقات الخارجية. ويعني ذلك أن نهاية الحرب لن تحسم التوتر بين الإصلاح والمحافظة، بل ستؤدي إلى مأسسته في صيغة أكثر لا تماثلًا، يصبح فيها تأثير الإصلاحيين مشروطًا وأداتيًا، وخاضعًا في النهاية لأولويات الدولة الأمنية.
[1] أُجريت المقابلة عبر الإنترنت، باستخدام تطبيق زووم، في مارس 2026
[2] أُجريت المقابلة وجهاً لوجه، في معهد السياسة والمجتمع في عمّان، الأردن، في مارس 2026.
