الأمن المائي في الأردن: الأسباب القيود، والمسارات السياساتية

يواجه الأردن أزمة مائية بنيوية لم تعد تُفسَّر بندرة الموارد الطبيعية أو الضغوط المناخية والسكانية وحدها، بل باتت ترتبط على نحو مباشر ببنية الحوكمة، وضعف القدرة التفاوضية، وتأجيل القرار السيادي طويل الأمد في إدارة الموارد. يبلغ نصيب الفرد من المياه العذبة المتجددة نحو 61 مترًا مكعبًا سنويًا، وهو مستوى شديد الانخفاض مقارنة بحد الندرة المعتمد دوليًا عند 500 متر مكعب للفرد سنويًا. هذا الواقع يضع قطاع المياه في قلب معادلة الاستقرار الوطني، مع تزايد أثره على القرار الاقتصادي والخدمي والسيادي، وفي ضوء ضعف أوضاع إدارة المياه الحالية، يمكن لهذا الوضع أن يتحول إلى مصدر تهديد حقيقي، ولا سيما بفعل مجموعة من العوامل التي أثّرت بصورة مباشرة في الموارد المائية.

داخليًا، يتأثر وضع الموارد المائية بضعف الإدارة التشغيلية، وتراجع كفاءة السدود والتخزين، وتسارع الضغوط السكانية والاقتصادية، إلى جانب التوسع في الاستخراج الجائر وغياب الردع الفعّال للاستخدام غير المشروع. كما يرتبط التدهور بارتفاع نسب الفاقد في الشبكات، وتفاوت التوزيع بين المحافظات، واتساع فجوات العدالة المائية بين المناطق الحضرية والريفية. تتحمل الأسر محدودة الدخل عبئًا ماليًا أعلى مقابل خدمات متقطعة ومتباينة الجودة، ما يضيف بُعدًا اجتماعيًا مباشرًا للأزمة.

يظهر كذلك خلل واضح في توجيه استخدامات المياه بين القطاعات، حيث يستحوذ القطاع الزراعي على الحصة الأكبر من الموارد المائية مقابل مساهمة محدودة نسبيًا في الناتج المحلي تُقدَّر بنحو 6–7%. هذا الواقع يفتح باب المراجعة لأولويات التخصيص وكفاءة العائد الاقتصادي لكل متر مكعب مستخدم، ويربط سياسات المياه مباشرة بسياسات الإنتاج والغذاء وسوق العمل.

وتتفاقم هذه التحديات بفعل عوامل خارجية، أبرزها تغيّر المناخ وجيوسياسات المياه، بما يحوّل المسألة إلى قضية أمن وطني، خاصة أن الأردن يتشارك نحو 26% من موارده المائية مع دول الجوار. وقد أسهم تداخل هذه العناصر مجتمعة في التأثير العميق على الأمن الغذائي، واستقرار المناطق الريفية، وجودة الخدمات الحضرية، وكلف الطاقة، وفرص تشغيل الشباب، والعدالة الاجتماعية، الأمر الذي جعل إدارة المياه عاملًا أساسيًا في استقرار الدولة ككل.

وتُعد الاتفاقيات المائية العابرة للحدود عنصرًا محوريًا في بنية الأزمة، حيث يظهر خلل واضح في مستوى الالتزام الفعلي ببنود تقاسم المياه، لا سيما في سياق معاهدة السلام لعام 1994، التي لم تضمن للأردن حصصًا مستقرة كما نُصّ عليها، ما دفع الدولة إلى البحث عن بدائل طارئة ومكلفة لتغطية العجز، إضافة إلى أن العديد من التحليلات تشير إلى أن هذه الترتيبات لم تكن منصفة بالكامل في توزيع المنافع المائية بين الطرفين.

وتبرز إحدى الإشكاليات الجوهرية في ضعف القدرات التفاوضية الوطنية، سواء في إدارة الأحواض المشتركة أو في المنصات الدولية للتمويل المناخي. إذ غالبًا ما يُدار ملف المياه كقضية تقنية بحتة، ما يضعف القدرة على فرض شروط عادلة أو تحويل الأزمات إلى فرص تمويلية واستراتيجية. ويظهر ذلك بوضوح في حالات مثل حوض الديسي، وغياب بروتوكولات قانونية ملزمة لإدارة السحب، وكذلك في محدودية القدرة على بناء خطاب تفاوضي موحد يربط الأبعاد القانونية والاقتصادية والمناخية.    

وعليه، لم يعد الأمن المائي في الأردن مجرد تحدٍّ بيئي أو مسألة تتعلق بتقديم الخدمات، بل غدا قرارًا سياديًا مؤجّلًا، تتراكم كلفه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بمرور الوقت. إذ إن استمرار الأزمة يفرض أعباء مالية ضخمة على الموازنة العامة، نتيجة الاعتماد على الضخ العميق، والطاقة المرتفعة الكلفة، وتمويل مشاريع التحلية والنقل، فضلًا عن تكاليف سياسية مرتبطة بالاعتماد على المانحين والتعاون الإقليمي المفروض بحكم الواقع.

انطلاقًا من ذلك، تقترح ورقة السياسات التي أصدرها معهد السياسة والمجتمع ثلاثة مسارات سياساتية متكاملة:

أولًا: التحلية واسعة النطاق بوصفها الخيار الاستراتيجي الأبرز لتعزيز الإمدادات طويلة الأمد، وعلى رأسها مشروع الناقل الوطني، الذي يمكن أن يوفّر مصدرًا مائيًا مستدامًا ويقلل الاعتماد على الموارد المشتركة، لكنه يتطلب استثمارات ضخمة وإصلاحات مرافقة في الحوكمة والطاقة والفاقد.

ثانيًا: توسيع إعادة استخدام مياه الصرف الصحي في الزراعة كخيار متوسط الكلفة والزمن، يخفف الضغط على المياه العذبة، ويرفع كفاءة التخصيص القطاعي، مع الحاجة إلى رقابة تنظيمية وبناء ثقة اجتماعية.

ثالثًا: إدارة الطلب والتوعية السكانية كخيار تكميلي منخفض الكلفة وسريع التنفيذ، يهدف إلى خفض الاستهلاك وتحسين الكفاءة، لكنه غير كافٍ بمفرده لمعالجة العجز البنيوي.

إن المفاضلة بين هذه المسارات ليست هي القضية الأساسية، بل في بناء تسلسل استراتيجي يجمع بينها، يبدأ بإصلاح الحوكمة وتقليل الفاقد، ويتوسع في إعادة الاستخدام، ويستثمر طويل الأمد في التحلية، بالتوازي مع إعادة بناء الجهاز التفاوضي الوطني وتقليل التبعية التمويلية.

وفي هذا السياق، يُعد مشروع الناقل الوطني (تحلية العقبة–عمّان) الخيار الاستراتيجي الأبرز لتعزيز الإمدادات على المدى الطويل، إذ يُتوقع أن يغطي نحو 45% من الطلب البلدي على المياه بحلول عام 2040، غير أن فعاليته ستبقى مشروطة بخفض الفاقد المائي المرتفع وإصلاح الحوكمة لضمان تحويل هذه الإمدادات إلى أمن مائي فعلي.

وتخلص الورقة إلى أن كلفة الامتناع عن اتخاذ القرار في قطاع المياه قد تتجاوز في نهاية المطاف كلفة أي خيار استثماري متاح. وبناءً على ذلك، تقترح مجموعة من المسارات السياساتية المتدرجة، مع إعطاء الأولوية لحلٍّ استراتيجي قابل للتنفيذ ومُرحَّل زمنيًا، بوصفه الخيار الأقل كلفة على الصعيد الاستراتيجي في الأمد الطويل.

لتحميل الورقة من خلال الرابط التالي


زر الذهاب إلى الأعلى