الحرب على إيران: قراءة في منطق الصراع والسيناريوهات المُحتَمَلَة

ينطلق تقدير الموقف هذا من فرضية مفادها أن الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران تجاوزت مستوى الحرب بالوكالة إلى مرحلة من الاستنزاف التدريجي، ورفع الكلفة، وإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية والاستراتيجية في المنطقة. وبالاستناد إلى قراءة دلفية معدّلة تجمع تقديرات عدد من الخبراء والباحثين، تسعى الورقة إلى استخلاص الاتجاهات التحليلية الأكثر حضوراً عبر خمسة محاور رئيسية: تفسير طبيعة الحرب، ومستقبل النظام الإيراني، وأهداف كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن مآلات هذه الحرب واليوم التالي لها.
على مستوى الداخل الإيراني، ترجّح الورقة أن سقوط النظام الإيراني عبر استراتيجية “قطع الرأس” ليس سيناريو قريباً أو بسيطاً، نظراً إلى متانة بنيته المؤسسية وتعدّد مراكز القوة داخله، ولا سيما الدور المركزي للحرس الثوري. لكن ذلك لا ينفي أن الحرب قد تدفع النظام الإيراني إلى مرحلة من التآكل أو الهشاشة التراكمية خصوصاً إذا ترافقت الضغوط الخارجية مع أزمات داخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة.
أمّا إسرائيل، فتتحرّك -بحسب غالبية القراءات- ضمن هدف أوسع من ضرب القدرات العسكرية الإيرانية، يتمثّل في إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية وموازين القوى بما يضمن التفوّق والهيمنة الإسرائيلية، تقليص نفوذ إيران وشبكاتها، ويمنح إسرائيل هامشاً أوسع لترميم ردعها بعد التحولات التي أعقبت السابع من أكتوبر. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أقل وضوحاً في تحديد غايتها النهائية؛ فهي لا تظهر ميلاً حاسماً إلى حرب شاملة أو تغيير/ إسقاط نظام الإيراني الحالي بشكل مباشر، بقدر ما تميل إلى الضغط العسكري المشروط بالتفاوض، بما يعكس غموضاً استراتيجياً.

إقليمياً، تؤكِّد الورقة أن الحرب تمتد تداعياتها على الإقليم نفسها العراق وسوريا والخليج وتركيا وفلسطين ليست مجرد ساحات متلقية لتداعيات الحرب، بل امتدادات فعلية لبنية الصراع نفسه. فالعراق يظل الساحة الأكثر هشاشة بحكم النفوذ الإيراني والفصائل المسلحة وضعف الدولة، وسوريا تبقى ساحة حساسة لاحتمال انتقال التوتر، بينما تواجه دول الخليج معادلة دقيقة/ حرجة تمثلّت بين احتواء إيران وتجنّب الانزلاق إلى حرب مفتوحة، مع سعي متزايد إلى الحفاظ على موازين القوى إيران إلى اختلال آخر لصالح التفرد الإسرائيلي. وهو ما تدركه تركيا أيضاً، وهو ما يدفعها إلى البحث عن شبكة تفاهمات مع بعض الدول الإقليمية مثل السعودية ومصر والأردن بهدف بناء توازن إقليمي أكثر استقراراً.

وعلى مستوى القضية الفلسطينية، تشير الورقة إلى أنّ هذه الحرب أعادت تهميش القضية الفلسطينية بما يعني توظيفها وإعادة استخدامها ضمن ترتيبات إقليمية أوسع تتجاوز الإرادة الفلسطينية ذاتها. وهذا يعني أن الحرب، حتى عندما تبدو موّجهة نحوَ إيران، تظلّ مرتبطة أيضاً بإعادة صياغة المسرح الإقليمي الذي تتحرك داخله إسرائيل، بما يشمل غزة والضفة الغربية واتفاقيات التطبيع كاحتمال لِما بعد الحرب والضغط على بعض الدول العربية.
تخلص الورقة إلى أن السيناريو الأرجح في المدى المنظور هو استمرار الاستنزاف المنضبط: أيّ بقاء الضربات والرسائل والعمليات الهجومية ضمن سقف محدود، في المدى القريب على الأقل، إلى حرب شاملة. ويأتي بعده احتمال التصعيد الإقليمي متعدد الجبهات إذا حدث خطأ في الحسابات أو تجاوز كبير لقواعد الاشتباك، ثم احتمال التهدئة التفاوضية بعد مرحلة من الضغط. أما سيناريو الحرب الواسعة أو الانهيار السريع للنظام الإيراني، فيبقى أقل ترجيحاً، وإن ظل قائماً على المدى البعيد.

مصفوفة السيناريوهات المحتملة

السيناريوالوصفالمحفزات الدافعةالمؤشرات المبكرةمستوى الترجيحالأثر الإقليمي
استمرار الاستنزاف المنضبطبقاء الضربات والعمليات المتبادلة ضمن حدود لا تنزلق إلى حرب شاملةرغبة الأطراف في الضغط دون الانهيار في مواجهة مباشرة واسعةضربات محدودة، ردود محسوبة، استمرار الرسائل الردعية والهجومية، تجنب استهدافات تكسر قواعد الاشتباك جذرياًمرتفعاستنزاف طويل، إبقاء عدد من الدول المحيطة في حالة هشاشة، استمرار القلق في أسواق الطاقة والمضائق والممرات البحرية.
التصعيد الإقليمي متعدد الجبهاتتوسع المواجهة لتشمل العراق، أو سوريا، أو لبنان أو الخليج بصورة أوسعخطأ في الحسابات، استهداف نوعي كبير، انخراط متزايد للوكلاء، انهيار الضبط السياسيارتفاع وتيرة الضربات، اتساع نطاق الأهداف، انخراط فاعلين إضافيين، تزايد الحشد العسكريمتوسطاضطراب إقليمي واسع، تهديد لمسارات الطاقة وللأمن الإقليمي، ضغط كبير على الدول المحيطة
التهدئة التفاوضية بعد الضغطاستخدام التصعيد كوسيلة لإعادة فتح مسار تفاوضي جديدضغط أمريكي، ارتفاع كلفة التصعيد، وساطات إقليمية ودولية، رغبة متبادلة في تجنب الحرب المفتوحةخفض وتيرة الضربات، رسائل دبلوماسية، وساطات نشطة، تغير في الخطاب السياسيمتوسطتخفيف التوتر مع بقاء جذور الصراع قائمة، إعادة ترتيب ملفات النووي الإيراني وسلوكها الإقليمي المرتبط بأذرعها.
التآكل الداخلي الإيراني دون انهيار فورياستمرار الضغوط بما يؤدي إلى زيادة هشاشة النظام تدريجياًتراكم الضربات، ضغوط اقتصادية واجتماعية، تراجع صورة الردع، توترات داخلية في إيران.توتر داخلي، إعادة مأسسة النظام الإيراني، تصاعد الخطاب الأمني، تحوّلات داخل النخبمتوسط إلى منخفض على المدى القصير، وأعلى على المدى المتوسطانعكاسات على العراق وسوريا ولبنان والخليج، مع احتمالات إعادة ترميم شبكات النفوذ الإيرانية
المواجهة الحاسمة الواسعةانزلاق الصراع إلى حرب مباشرة واسعة النطاق بين الأطراف الرئيسيينتجاوز عتبة ردعية كبرى،ضربة استراتيجية نوعية من قِبَل أطراف الصراع، فشل جميع قنوات الاحتواءتعبئة عسكرية واسعة، توسيع بنك الأهداف، تدخلات مباشرة أوسع، انهيار الخطوط الحمراءمنخفضإعادة تشكيل عنيفة للتوازنات الإقليمية، كلفة بشرية واقتصادية وأمنية مرتفعة جداً

لماذا نستخدم منهج دلفي لفهم الحرب؟
مع اتساع الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران وتداخل مساراتها الجغرافية والإقليمية، يغدو من المتعذر مقاربتها عبر المؤشرات التقليدية لتحليل الحروب التي تكتفي بقياس موازين القوة العسكرية وكلفة المواجهة واحتمالات وقف إطلاق النار. فهذه الحرب تتخذ طابعًا هجينًا تتشابك فيه الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والسيبرانية والنفسية، بما يجعلها أكثر تعقيدًا من أن تُقرأ ضمن مسار خطّي أو من خلال زاوية تفسيرية واحدة. كما أن تعدد الفاعلين المنخرطين فيها، من دول وقوى ما دون الدولة، إلى جانب تشابك مصالح القوى الدولية والإقليمية، يفرض مقاربة تحليلية أكثر قدرة على استيعاب التفاعلات المركبة التي تحكم مسار التصعيد. وانطلاقًا من ذلك، تعتمد هذه الورقة على مقاربة تحليلية تقوم على توظيف غير كلاسيكي لمنهج دلفي Delphi Method، بطريقة معدَّلة في تجميع تقديرات الخبراء، ومقارنتها، واستخلاص الاتجاهات العامة الناتجة عنها. وقد استندت الورقة إلى تحليلات كل من أحمد بني حمدان، وأحمد عزم، ونيثان براون، وعمار قحف، وفراس إلياس، ومعن طلّاع، وبدر الماضي، وحسن جابر، وعبد الله الطائي، وحسين الصرايرة. وتناولت هذه القراءات قضايا متعددة تشمل طبيعة النظام الإيراني ومتانته المؤسسية، وأهداف إسرائيل والولايات المتحدة من الحرب، فضلًا عن التداعيات المحتملة على العراق وسوريا ودول الخليج. وبهذا تسعى الورقة إلى بناء تقدير استشرافي أكثر تماسكاً لمسارات الحرب وانعكاساتها على التوازنات الإقليمية والنظام الدولي.

ينطلق أحمد بني حمدان[1] من أن الحرب مع إيران لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الإقليمي والاستراتيجي الأوسع، إذ يرى أن المواجهة تكشف عن مفارقة أساسية في القوة الإسرائيلية، حيث تسعى إسرائيل من جهة إلى ترسيخ معادلة الردع عبر استهداف القدرات الإيرانية، وخصوصاً الصاروخية منها، ومن جهة أخرى تكشف الحرب عن حدود هذه القوة بسبب الانقسامات الداخلية الإسرائيلية، والتباينات داخل البيئة السياسية الأمريكية، وتصاعد الأصوات الرافضة للحروب الطويلة داخل تيارات مثل “أمريكا أولاً”.

ويشير بني حمدان أيضاً إلى أن هذه الحرب، رغم تركيزها على إيران، لا تقتصر على استنزاف خصمها المباشر، بل تمتد آثارها إلى الأطراف الإقليمية الأخرى، بما في ذلك الحلفاء الأمريكيون، الذين يواجهون كلفة الاستراتيجية المزدوجة بين الاعتماد على القوة الأمريكية ومواجهة واقع إقليمي متقلب.

كما يقدّر بني حمدان أن استمرار الحرب قد يخلق فرصة استراتيجية غير مباشرة لدول أخرى، وعلى رأسها تركيا والصين، اللتان قد تستفيدان من انشغال الأطراف الرئيسية في صراع طويل لتوسيع نفوذهما الاقتصادي والدبلوماسي في المنطقة، وهذا يضع المواجهة في إطار أكثر تعقيداً من مجرد صراع ثنائي بين إسرائيل وإيران.

ومن زاوية أخرى، يؤكد بني حمدان أن الحرب مع إيران ترتبط أيضاً بالبعد الفلسطيني والإقليمي الأوسع، إذ قد تعمل هذه المواجهة على إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية، بما يؤدي إلى مزيد من تهميش القضية الفلسطينية أو توظيفها ضمن ترتيبات إقليمية تتجاوز الإرادة الفلسطينية، وهو ما يعكس ترابط الصراع العسكري مع الديناميات السياسية والاستراتيجية في المنطقة بأكملها.

ويعزز هذا الفهم ما يطرحه أحمد عزم[2] حين يربط الحرب بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، ولا سيما حاجة بنيامين نتنياهو إلى إعادة خلط الأوراق داخلياً، وتوسيع المجال الذي يسمح له بتثبيت موقعه السياسي، وتحويل الانتباه عن أزماته الداخلية وقضايا الفساد والانقسام المجتمعي، ومن هذا المنطلق، تصبح الحرب في الوقت نفسه أداة لإدارة التهديد الخارجي، وأداة لإدارة المأزق الداخلي الإسرائيلي.

وفي الوقت نفسه، يربط أحمد عزم بين الحرب على إيران وبين الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، فبحسب تحليله، لا يمكن فصل التصعيد الإقليمي عن السياق السياسي الداخلي الذي يواجهه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ففي ظل الضغوط السياسية والقضائية التي يتعرض لها، قد تمثل الحرب وسيلة لإعادة خلط الأوراق السياسية داخلياً وتعزيز موقع الحكومة اليمينية، فضلاً عن تحويل الانتباه عن الأزمات الداخلية التي تشهدها إسرائيل، ومن هذا المنظور، تصبح الحرب أيضاً أداة لإدارة التوازنات السياسية داخل إسرائيل، وليس فقط أداة لإدارة التهديدات الخارجية.

وفي إجابته عن الأهداف الأميركية من هذه الحرب يشير عزم إلى أن الموقف الأمريكي تجاه الحرب لا يمكن فصله عن الاعتبارات السياسية الداخلية داخل الولايات المتحدة، فالإدارات الأمريكية غالباً ما تنظر إلى الأزمات الخارجية أيضاً من زاوية انعكاساتها على الداخل السياسي، خصوصاً في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وفي هذا السياق، قد تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيق نتائج ملموسة يمكن تقديمها للرأي العام الداخلي، سواء عبر إظهار القدرة على استخدام القوة العسكرية، أو عبر الدفع نحو تسوية سياسية تُقدَّم بوصفها إنجازاً دبلوماسياً.

وبالمثل، لا يمكن فصل طبيعة هذه الحرب عن موقع القضية الفلسطينية داخلها، فبعض الخبراء، وعلى رأسهم أحمد عزم وأحمد بني حمدان، يشيرون إلى أن الحرب مع إيران قد تعمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية على نحو يؤدي إلى مزيد من تهميش القضية الفلسطينية، أو إلى استخدامها ضمن ترتيبات إقليمية أوسع تتجاوز الإرادة الفلسطينية ذاتها. وهذا يعني أن الحرب، حتى عندما تبدو موجهة نحو إيران، تظل مرتبطة أيضاً بإعادة صياغة المسرح الإقليمي الذي تتحرك داخله إسرائيل، بما يشمل غزة والضفة الغربية واتفاقيات التطبيع والضغط على بعض الدول العربية.

ومن جانب آخر، يرى أحمد عزم أن تركيا تتابع الصراع عن كثب، نظراً لموقعها الجيوسياسي واستثماراتها في المنطقة، وكذلك لتأثيره على علاقاتها مع إيران وإسرائيل، ما قد يدفعها لإعادة النظر في مواقفها الإقليمية والتحالفات الاستراتيجية. أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن تأثير الحرب عليها مزدوج؛ فبينما قد تشهد تهميشاً إضافياً على صعيد الأولويات الإقليمية، قد يتم أيضاً استخدامها كأداة ضمن ترتيبات التوازن الإقليمي، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد على المشهد الاستراتيجي الكلي.

أمّا ناثان براون[3] تحليله على الطبيعة المؤسسية للنظام الإيراني كقوة مركزية في فهم مستقبل الحرب مع إيران، وهو يبدأ من فكرة مفادها أن النظام لا يقوم على سلطة شخص واحد فقط، بل على منظومة مؤسسية معقدة ومتشابكة من المؤسسات الدينية والسياسية والأمنية والاقتصادية التي تأسست منذ الثورة الإسلامية عام 1979 بهدف تكريس مبدأ ولاية الفقيه وضمان استمرارية النظام.

وبحسب براون، فإن هذه البنية المؤسسية تمنح النظام الإيراني قدرة عالية على الامتصاص والتكيف مع الصدمات الخارجية، بحيث لا يعني اغتيال شخصيات قيادية مهمة أو استهداف بنى استراتيجية بالضرورة انهيار النظام. ففي تقديره، قد يكون الاعتقاد بإمكانية إسقاط النظام الإيراني بسرعة عبر الضربات العسكرية وَهْمًا سياسيًا يتجاهل عمق التجربة المؤسسية للجمهورية الإسلامية، وما أُنشئ من شبكات وإجراءات لضمان استمرارية الحكم حتى في ظروف ضغط عالٍ أو تغير قيادي.

ويربط براون هذا التحليل بواقعية أكثر في فهم الحرب الحالية حين يشير إلى أن السياسة الأمريكية تجاه إيران تبدو بدون استراتيجية واضحة المعالم، وذلك لأن قرارات واشنطن في هذا الملف ترتبط بدرجة كبيرة بالمواقف الشخصية للرئيس الأمريكي، وهو ما أدى إلى تصريحات متناقضة حول طبيعة الحرب وأهدافها، ففي بعض الأحيان يظهر الخطاب الأمريكي أقرب إلى الحديث عن تغيير النظام الإيراني، بينما في أحيان أخرى يظهر كأنه يسعى فقط لتعديل سلوك طهران الإقليمي أو دفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

ومن هذا المنطلق، يرى براون أن مثل هذا الغموض الاستراتيجي الأمريكي يعكس غياب رؤية ثابتة حول ما يجب أن تكون عليه نهاية الحرب أو ما إذا كان تغيير النظام هدفاً قابلاً للتحقيق، وهو ما ينعكس بدوره على تقديرات مستقبل النظام في التحليل الدلفي.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن براون يسلّط الضوء على عمق البنية المؤسسية للنظام الإيراني كعامل رئيس في تفسير قدرته على الصمود، ويُبرز أهمية فهم هذه البنية ضمن أي تحليل استراتيجي للحرب، لا سيما إذا كان الهدف هو تقدير مستقبل النظام الإيراني في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية الراهنة

كما يبرز بدر الماضي[4] في تحليلاته أن الحرب مع إيران لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الأوسع في ميزان القوى الإقليمي، ولا عن محاولات بعض الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، إعادة رسم موقعها الاستراتيجي في مواجهة النفوذ الإيراني. فبحسب بدر الماضي، أي تصعيد عسكري أو استراتيجي في المنطقة يرتبط بشكل مباشر بمحاولات إدارة التهديد الإيراني بطريقة تحافظ على الاستقرار النسبي، مع تجنّب الانزلاق إلى صراع مباشر طويل الأمد، وهو ما يجعل إيران نفسها محور إدارة توازنات إقليمية دقيقة، وليس مجرد خصم عسكري لإسرائيل.

ويؤكد بدر الماضي أن الحسابات الإسرائيلية في الحرب ليست مقتصرة على مواجهة إيران فقط، بل تشمل إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يعزز موقع إسرائيل في النظام الإقليمي العربي الناشئ. فمحاولات إسرائيل لتوسيع دائرة التطبيع مع بعض الدول العربية، ودفع دول أخرى نحو ترتيبات أمنية جديدة، تدخل ضمن استراتيجية أشمل لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد على الحسابات الاستراتيجية لكل من إيران والدول العربية المجاورة.

ومن منظور بدر الماضي، يشكل الخليج العربي محوراً مركزياً في حسابات الحرب الإقليمية، إذ يُنظر إليه ليس فقط كساحة تأثر بالعوامل العسكرية، بل كمنطقة مفتاحية لإدارة الطاقة والممرات البحرية، ولضبط توازنات النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. كما أن التداعيات غير المباشرة للصراع، سواء عبر العراق وسوريا أو عبر شبكات النفوذ الإيرانية، تجعل من الحرب أداة لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية بشكل أوسع، بما يشمل موازنة النفوذ الإيراني وإعادة تعريف حدود التدخلات العربية والدولية في المنطقة.

وبذلك، يتكامل تحليل بدر الماضي مع قراءة الخبراء الآخرين، فيظهر أن الحرب الحالية ليست مواجهة محدودة بأطر زمنية قصيرة، بل صراع استنزافي متعدد المستويات، يُعاد فيه رسم خريطة النفوذ الإقليمي، ويُختبر من خلاله مدى قدرة الأطراف على إدارة الضغوط الداخلية والخارجية، مع المحافظة على موقعهم الاستراتيجي في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تصبح الحرب أداة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، وليس مجرد صدام عسكري مباشر بين إسرائيل وإيران.

بينما يلفت عمّار قحف[5] في تقديره، إلى أن هذه المواجهة تكشف مفارقة أساسية في القوة الإسرائيلية: فمن جهة، تسعى إسرائيل إلى إعادة ترسيخ معادلة الردع عبر استهداف القدرات الإيرانية، وخصوصاً الصاروخية منها، ومن جهة أخرى تكشف الحرب ذاتها عن حدود هذه القوة، سواء بسبب الانقسامات الداخلية الإسرائيلية، أو بسبب التباينات داخل البيئة السياسية الأمريكية، أو بسبب تصاعد الأصوات الرافضة للحروب الطويلة داخل تيارات مثل “أمريكا أولاً”. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية منهجية لأنها تؤكد أن الحرب لا تُنتج فقط استنزافاً للخصم، بل تكشف في الوقت نفسه عن جوانب الانكشاف داخل الأطراف المبادِرة نفسها.

كما يشير إلى أن مستقبل النظام الإيراني لا ينفصل عن امتداد نفوذه في الساحات الإقليمية المحيطة. فشبكات النفوذ الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان تمثل بالنسبة لطهران جزءاً من منظومة الردع الإقليمي التي تساعدها على امتصاص الضغوط المباشرة. ولذلك فإن أي تغير كبير في بنية النظام الإيراني سينعكس بشكل مباشر على هذه الساحات، وهو ما يفسر القلق الذي تعبر عنه بعض القوى الإقليمية من احتمال انتقال عدم الاستقرار الإيراني إلى محيطه الجغرافي الأوسع. خصوصاً وأن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية تتسم بتفكك التوازنات القديمة دون أن تتشكل بعد توازنات جديدة مستقرة. ففي ظل تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض نظام إقليمي واضح المعالم، وصعود قوى إقليمية متعددة، أصبح الشرق الأوسط أقرب إلى نظام إقليمي متعدد الأقطاب يتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.

ولا تقف ديناميات الاستنزاف عند حدود إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل تمتد إلى الساحات الإقليمية المحيطة، وهو ما يمنح الحرب طابعها البنيوي الأوسع. فسوريا فتمثل بدورها ساحة حساسة لاحتمال انتقال الصراع، سواء عبر الميليشيات المرتبطة بإيران أو عبر التوتر في الجنوب السوري، بما يجعلها جزءاً من الجغرافيا المرشحة لامتصاص ارتدادات المواجهة.

كما يشير قحف إلى أن منطق الاستنزاف يتخذ بُعداً إضافياً في الخليج العربي، حيث ترتبط الحرب بحسابات الطاقة والممرات المائية والأمن الاقتصادي العالمي. فاستهداف المجال الخليجي أو التهديد به لا يُفهم فقط كتصعيد عسكري، بل كوسيلة لرفع كلفة الحرب، وتوسيع دائرة الضغط، وإيصال الرسائل إلى الولايات المتحدة وحلفائها عبر الأسواق والطاقة والممرات البحرية. وفي الوقت نفسه، يرى عمار قحف أن تركيا تدرك أن التفرد الإسرائيلي في المنطقة قد يخلق خللاً كبيراً في التوازن الإقليمي، وهو ما يدفعها إلى البحث عن شبكة تفاهمات مع بعض الدول الإقليمية مثل السعودية ومصر والأردن بهدف بناء توازن إقليمي أكثر استقراراً.

بالإشارة إلى أن الاستراتيجية الأمريكية في الحرب تبدو أقرب إلى الضغط العسكري المشروط بالتفاوض. فواشنطن، بحسب هذا التحليل، لا تسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني بشكل كامل، بل إلى كسر قدرته الردعية وإجباره على إعادة التفاوض حول برنامجه النووي وسلوكه الإقليمي. غير أن هذه المقاربة تخلق في الوقت نفسه تبايناً واضحاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تميل واشنطن إلى استخدام القوة العسكرية كوسيلة للضغط السياسي، بينما قد تميل بعض الدوائر في إسرائيل إلى إضعاف إيران بشكل جذري، حتى لو أدى ذلك إلى تصعيد طويل الأمد في المنطقة.

ويمتد تأثير هذا الغموض الاستراتيجي أيضاً إلى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فالدول الإقليمية، ولا سيما في الخليج، تجد نفسها أمام معادلة معقدة تتمثل في الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية من جهة، وفي الوقت نفسه التعامل مع واقع إقليمي يتسم بتقلب المواقف الأمريكية وعدم وضوح اتجاهها الاستراتيجي. وقد دفع هذا الواقع بعض الدول العربية إلى إعادة تقييم سياساتها الإقليمية والبحث عن مقاربات أكثر توازناً في إدارة التوتر مع إيران،

فيما يشير فراس الياس[6] في تقديره، إلى أن الحرب الحالية قد تجعل من العراق إحدى أكثر الساحات الإقليمية عرضة للتأثر بتداعيات الصراع، إذ أن العلاقة المعقدة بين بغداد وطهران، إلى جانب النفوذ الواسع للفصائل المسلحة المرتبطة بمحور المقاومة، تجعل من الصعب على الحكومة العراقية تحييد البلاد عن التطورات الإقليمية، وبذلك يعاني العراق أساساً من ضعف مؤسسات الدولة، الأمر الذي يسمح للفصائل المسلحة بفرض خطابها السياسي والأمني على حساب خطاب الدولة، مما يزيد من احتمالات انخراط العراق تدريجياً في الصراع.

كما يرى فراس الياس أن سوريا تمثل ساحة حساسة لاحتمال انتقال الصراع، سواء عبر الميليشيات المرتبطة بإيران أو عبر التوتر في الجنوب السوري، مما يجعلها جزءاً من الجغرافيا المرشحة لامتصاص ارتدادات المواجهة. ويضيف أن طبيعة النظام السوري والتشابكات الإقليمية تجعل من الصعب التنبؤ بالمسار الذي ستتخذه الحرب هناك، لكنه يشدد على أن أي تصعيد في سوريا قد يؤدي إلى تداعيات مباشرة على موازين القوى الإقليمية وعلى حسابات أطراف متعددة، بما في ذلك إسرائيل وروسيا وتركيا.

وفيما يخص الخليج العربي، يوضح فراس الياس أن الحرب لا تقتصر على البعد العسكري فحسب، بل تمتد إلى حسابات الطاقة والممرات المائية والأمن الاقتصادي العالمي، مشيراً إلى أن استهداف المجال الخليجي أو التهديد به يُستخدم كوسيلة لرفع كلفة الحرب وتوسيع دائرة الضغط، وإيصال رسائل سياسية وعسكرية إلى الولايات المتحدة وحلفائها عبر الأسواق والطاقة والممرات البحرية. كما يؤكد أن هذا البعد يعكس محاولة بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها السعودية، إدارة التهديد الإيراني من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع السعي في الوقت نفسه لمنع تحول الصراع إلى أداة دائمة لإعادة إنتاج النفوذ الإيراني أو تهميش الدور العربي في الإقليم.

ويشير فراس الياس كذلك إلى أن طبيعة الحرب مرتبطة بالقضية الفلسطينية، فحتى وإن بدت الحرب موجهة نحو إيران، فإنها قد تعمل، بشكل مباشر أو غير مباشر، على إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية بما يؤدي إلى مزيد من تهميش القضية الفلسطينية أو استغلالها ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، وهو ما يجعل غزة والضفة الغربية جزءاً من المسرح الاستراتيجي للصراع، ويتأثران بحسابات إسرائيل الإقليمية والتوازنات الجديدة في المنطقة.

وبناءً على ذلك، يرى فراس الياس أن المواجهة الحالية ليست حرباً قصيرة ذات بداية ونهاية واضحتين، بل عملية استنزاف ممتدة تتجاوز حدود الصدام العسكري المباشر، وتعمل في الوقت نفسه على إعادة تشكيل العلاقات بين القوة والردع والنفوذ على امتداد الإقليم، بحيث تتوزع الحرب على مستويات متعددة: الضغط على إيران، إدارة التنافس الأمريكي–الدولي، إعادة صياغة البيئة الأمنية الإسرائيلية، وإعادة ترتيب الساحات العربية المحيطة من العراق وسوريا إلى الخليج وفلسطين، مما يجعل فهم طبيعة الحرب المدخل الضروري لفهم بقية الديناميات الإقليمية.

كما يرى معن طلّاع[7] أن المواجهة الجارية مع إيران يجب أن تُقرأ من منظور أوسع يتجاوز الاستجابة الفورية العسكرية، إذ تعتبر هجمات 7 أكتوبر منعطفاً مركزياً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لأنها كشفت عن ثغرات عميقة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية التي اعتمدت، منذ تأسيسها عام 1948، على مبدأ الردع السريع ونقل المعركة إلى أرض الخصم. وبحسب طلاع، فإن صدمة هذا الهجوم دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة تقييم شاملة لهذه العقيدة، والسعي إلى بناء بيئة إقليمية تقلص مصادر التهديد المحتملة قبل أن تتحول إلى مخاطر استراتيجية مباشرة.

ويرى طلّاع أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تتطور عبر مراحل متدرجة، تبدأ بمحاولة إضعاف الفواعل غير الدولتيين المرتبطين بالمحور الإيراني – مثل حماس وحزب الله – ثم تنتقل إلى استخدام أدوات أكثر تنوعاً تشمل الضربات الدقيقة، الحرب السيبرانية، واستهداف القيادات العسكرية والبنى التحتية الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يهدف هذا النهج إلى تقويض القدرات العسكرية لإيران وشبكات نفوذها الإقليمية بشكل تدريجي، من دون الانزلاق إلى حرب تقليدية واسعة قد تكون كلفتها كبيرة على جميع الأطراف.

وينطلق طلاع في تحليله من فكرة أن هذا المشروع الاستراتيجي ليس مجرد رد اعتيادي على تهديد إيراني آني، بل هو جزء من تصور أوسع لإعادة هندسة البيئة الأمنية الإقليمية التي تأثرت بشكل جذري بعد أحداث 7 أكتوبر. وبهذا المعنى، لا تُفهم العمليات العسكرية الإسرائيلية بوصفها أفعالاً منفصلة، بل كعناصر مترابطة ضمن مشروع طويل الأمد يسعى إلى إعادة رسم حدود الردع الإقليمي بما يتلاءم مع المتغيرات التي كشفت عنها أوجه الضعف في العقيدة الأمنية التقليدية.

كما يشير طلّاع إلى أن هذا التوجه الاستراتيجي لا ينفصل عن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل، حيث أضحت الحرب وسيلة ليس فقط لمواجهة التهديدات الخارجية، بل أيضاً لتعزيز الاستقرار الداخلي وإدارة المشهد السياسي الداخلي الإسرائيلي. وبينما تسعى إسرائيل إلى استعادة قدرتها الردعية وتوسيع هامش حركتها الاستراتيجية، فإن الحرب تمثل أيضاً فرصة لإعادة ضبط التوازنات السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، بما يتناسب مع تداعيات الصدمة التي أحدثها هجوم 7 أكتوبر في الجهاز الأمني والسياسي على حد سواء.

وبالتالي، يرى طلّاع أن الحرب على إيران لا تقتصر على أبعاد عسكرية فورية، بل هي جزء من استراتيجية إسرائيلية شاملة لإعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي، عبر تجميع أدوات الضغط المتدرجة وتقليل مصادر التهديد على المدى المتوسط والطويل، مع محاولة إدماج هذه الاستراتيجية ضمن سياق سياسي داخلي يعزز القدرة على الاستمرار في مواجهة بيئة إقليمية غير مستقرة.

ينطلق حسن جابر[8] في تقديره لطبيعة الحرب من عدم إمكانية فهمها بمعزل عن التحوّلات الأوسع في النظام الدولي، إذ تمثل هذه المواجهة اختباراً لمدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع إقليمي مرتفع الكلفة، من دون أن يؤدي ذلك إلى تشتيت تركيزها الاستراتيجي عن التنافس مع الصين. وضمن هذا المنظور، لا تعود الحرب مجرد أزمة شرق أوسطية، بل تصبح جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بحدود الهيمنة الأمريكية، وكلفة الحفاظ عليها، وقدرة واشنطن على الجمع بين إدارة الأزمات الإقليمية ومواصلة المنافسة مع القوى الصاعدة. وهو ما يعني أن منطق الاستنزاف هنا لا يطال إيران وحدها، بل قد يمتد أيضاً إلى الولايات المتحدة نفسها، بوصفها طرفاً معنياً بتحمل كلفة الانخراط المباشر أو غير المباشر في الحرب. ويرى جابر أن هذه المفارقة تعكس معضلة متكررة في السياسة الخارجية الأمريكية. فقد واجهت الولايات المتحدة وضعاً مشابهاً خلال حربي العراق وأفغانستان، حيث تحولت العمليات العسكرية إلى ما يشبه مستنقعات الاستنزاف الاستراتيجي التي استنزفت الموارد العسكرية والسياسية الأمريكية وأثرت في قدرتها على إدارة المنافسة مع القوى الصاعدة. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الحرب مع إيران قد يخلق فرصة استراتيجية غير مباشرة للصين، التي قد تستفيد من انشغال واشنطن في صراع إقليمي طويل لتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في مناطق مختلفة من العالم.

فيما ركّز عبد الله الطائي[9] في تحليله على العراق والساحة العراقية بوصفها محوراً حيوياً في ديناميات الحرب مع إيران، ويصف العراق بأنه الشريان الحيوي للمشروع الإيراني في المنطقة، نظراً إلى موقعه الجغرافي وصلاته السياسية والعسكرية مع طهران، ومن هذا المنطلق فإن أي تغير في ميزان القوى بين إيران وخصومها سينعكس بشكل مباشر على العراق.

يشير الطائي إلى أن وجود مناطق نفوذ للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل الأراضي العراقية يزيد من احتمال تحول العراق إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل من الدولة العراقية، التي يعاني جهازها الأمني والسياسي من ضعف بنيوي ومؤسساتي، بيئة عرضة للتداخلات الإقليمية المباشرة وغير المباشرة في آن واحد.

وبالإضافة إلى ذلك، يرى الطائي أن هذا التداخل لا يتوقف عند حدود العراق وحده، بل يمتد أثره إلى الساحات الإقليمية الأخرى، في ظل هشاشة مؤسسات الدولة العراقية وقدرة الفصائل المسلحة على فرض خطابها الأمني والسياسي، مما يلقي بظلال من عدم الاستقرار على سياقات الصراع الأوسع في الشرق الأوسط.

كما يشير الطائي في تناوله لمسألة مستقبل النظام الإيراني إلى أن استهداف القيادات العسكرية والبنية الاستراتيجية للنظام قد يضع إيران أمام اختبار غير مسبوق، خصوصاً إذا ترافق مع ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، وهو ما قد يدفع النظام إلى حالة من الهشاشة السياسية والأمنية الأكبر، مع احتمال تصاعد الاحتجاجات الداخلية أو توترات قومية في بعض المناطق الحساسة.

وفي هذا السياق، يطرح الطائي سيناريو أكثر خطورة يتمثل في احتمال تفكك الجغرافيا الإيرانية في حال تراكمت الضغوط الداخلية والخارجية بشكل متزامن، ويشير إلى أن هذا السيناريو، رغم أنه بعيد الاحتمال في المدى القريب، إلا أنه يظل حاضراً في النقاشات الاستراتيجية، خصوصاً في ظل وجود توترات قومية في بعض المناطق مثل المناطق الكردية أو البلوشية أو العربية في الأهواز. ويؤكد أن تحقق مثل هذا السيناريو سيحمل كلفة إقليمية مرتفعة لأنها قد تفتح الباب أمام موجات عدم استقرار واسعة في المنطقة.

كما يشير الطائي في تحليله للساحة التركية إلى أن أنقرة تتابع التطورات الإقليمية بحذر شديد، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية استغلال بعض القوى الإقليمية للقضية الكردية في العراق وسوريا أو حتى داخل إيران، ويضيف أن ظهور كيان كردي جديد في المنطقة يمثل أحد أكبر المخاوف الاستراتيجية لتركيا، ما قد يدفعها إلى تكثيف تنسيقها الأمني مع كل من العراق وسوريا لمنع تحقق هذا السيناريو.

وبهذا المعنى، يرى الطائي أن العراق ليس مجرد ساحة جانبية في الصراع، بل أحد المسارات الحيوية التي قد تنتقل عبرها الحرب من الضغط غير المباشر إلى التداخل الأمني المفتوح، بحكم عمق النفوذ الإيراني فيه، وحضور الفصائل المسلحة، وضعف قدرة الدولة العراقية على فرض منطقها السيادي على كامل المجال الأمني.

يُوصِّف حسين الصرايرة[10] هذه الحرب بأنها “حرب زمن”، أي حرب لا تُقاس بمعيار الانتصار العسكري المباشر بقدر ما تُقاس بقدرة الأطراف على الاستمرار، وامتصاص الضغوط، وتحمل كلفة الاستنزاف لفترة أطول. ففي هذا النوع من الحروب، لا يكون السؤال المركزي: من الذي سينتصر أولاً؟ بل: من الذي يستطيع أن يصمد أكثر من دون أن يتعرض لانهيار داخلي أو استنزاف يفقده القدرة على مواصلة الصراع. ومن هنا، يصبح الزمن نفسه مورداً استراتيجياً، وتتحول الحرب من مواجهة على الأرض إلى منافسة على القدرة على الاحتمال، وإدارة التآكل، ومنع الخصم من تحقيق حسم سياسي أو عسكري واضح.

ويتسق هذا الفهم مع ما يشير إليه الصرايرة أيضاً من أن الحرب الحالية ليست جبهة عسكرية واحدة، بل شبكة من الصراعات المتداخلة. فهي تشمل الضربات العسكرية المباشرة، لكنها تمتد أيضاً إلى العقوبات الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والضغوط النفسية والإعلامية، والرسائل الرمزية المرتبطة بصورة الردع والقدرة على الصمود. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تفسر لماذا تبدو الحرب، رغم كثافة بعض لحظاتها، غير قابلة للإغلاق السريع، ولماذا تتكاثر أهدافها الفرعية مع مرور الوقت على نحو يجعل من الصعب تحديد نقطة نهاية واضحة لها أو تعريفاً مستقراً لمعنى “النصر” فيها.

أمّا عن مستقبل النظام الإيراني فيقدّر الصرايرة أن النظام يمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات الخارجية وإعادة إنتاج التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط. فالتجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية تظهر أن التهديدات الخارجية كثيراً ما تتحول إلى عامل تعبئة داخلية يعزز خطاب “الاستهداف الوجودي” ويؤدي إلى تقوية التضامن الاجتماعي والسياسي حول النظام. وفي مثل هذه الحالات، يتم توظيف الصراع الخارجي لإعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإيراني وتأجيل التوترات الداخلية، وهو ما يمنح النظام هامشاً إضافياً للاستمرار حتى في ظل ضغوط عسكرية واقتصادية كبيرة.

السيناريوهات المستقبلية للحرب

لا تسمح طبيعة المادة المعتمدة في هذه الدراسة بإنتاج أوزان رقمية صارمة على نحو إحصائي، لأن الورقة لا تقوم على استبيان مغلق أو على جولات دلفية معيارية قابلة للقياس الكمي المباشر. ومع ذلك، يتيح تحليل التكرار النسبي للأفكار داخل المتن التحليلي التمييز بين اتجاهات أكثر حضوراً واتجاهات أقل بروزاً. وفي هذا السياق، يبدو أن منطق الاستنزاف الطويل وفرضية الصمود المؤسسي للنظام الإيراني يشكلان الاتجاهين الأكثر حضوراً في قراءات الخبراء، في حين يظهر سيناريو الانهيار السريع أو الحرب الحاسمة الشاملة بوصفه أقل حضوراً وأكثر ارتباطاً بفرضيات تصعيدية مشروطة. أما فرضية العودة إلى التفاوض، فتظهر لا باعتبارها نقيضاً للتصعيد، بل باعتبارها مخرجاً محتملاً بعد مرحلة من الضغط العسكري المنضبط.

وانطلاقاً من ذلك، يمكن بناء مصفوفة سيناريوهات أكثر اتساقاً مع الاتجاهات التحليلية التي كشفتها القراءة الدلفية المعدّلة، بحيث لا تُفهم السيناريوهات بوصفها بدائل منفصلة تماماً، بل بوصفها مسارات محتملة قد تتداخل أو تتعاقب تبعاً لتطور الميدان والسياسة.

قراءة تفسيرية لمصفوفة السيناريوهات

تشير مصفوفة السيناريوهات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور ليس الحرب الشاملة ولا التسوية المستقرة، بل استمرار نمط من الاستنزاف المنضبط، تتبادل فيه الأطراف الضربات ضمن حدود محسوبة نسبياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام إعادة ضبط الصراع أو توسيعه تبعاً لتغيرات الميدان والسياسة. ويكتسب هذا السيناريو وجاهته من كونه ينسجم مع الاتجاه الأكثر حضوراً في المتن التحليلي، أي منطق الحرب الطويلة متعددة الأدوات التي لا تستهدف حسمًا سريعًا بقدر ما تستهدف إنهاك الخصم وإعادة تشكيل شروط التوازن.

وفي المقابل، يظل سيناريو التصعيد الإقليمي متعدد الجبهات قائماً بوصفه احتمالاً جدياً، لكنه ليس السيناريو المرجح أولياً، إذ يرتبط غالباً بحدوث كسر في قواعد الاشتباك الحالية، أو بخطأ في الحسابات، أو بانخراط غير منضبط لفاعلين مسلحين في الساحات المحيطة. وهذا السيناريو يكتسب أهميته من هشاشة بعض البيئات الإقليمية، ولا سيما العراق وسوريا، ومن حساسية الخليج والممرات المائية لأي توسع غير محسوب للصراع.

أما سيناريو التهدئة التفاوضية بعد الضغط، فلا ينبغي فهمه بوصفه مساراً سلمياً خالصاً، بل بوصفه نتيجة محتملة لمرحلة تصعيد سابقة، تُستخدم فيها العمليات العسكرية لإعادة ترتيب شروط التفاوض لا لإنهاء الصراع من جذوره. فالحرب، في هذا السياق، قد تكون وسيلة لإعادة إنتاج قواعد تفاوض جديدة، خصوصاً فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو بسلوك إيران الإقليمي أو بشبكات نفوذها غير المباشر.

وتكشف المصفوفة أيضاً أن النقاش حول مستقبل النظام الإيراني ينبغي فصله عن ثنائية السقوط والبقاء المباشرة. فالأكثر أهمية هو ما إذا كانت الحرب ستنتج تآكلاً تدريجياً في بنية النظام وقدرته على الضبط وإعادة إنتاج الشرعية، حتى من دون انهيار فوري. وهذا السيناريو قد لا يكون الأكثر حضوراً على المدى القصير، لكنه يظل مهماً على المدى المتوسط، خصوصاً إذا تراكمت الضغوط الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وترافقت مع تراجع في صورة الردع الداخلي والخارجي.

أما سيناريو المواجهة الحاسمة الواسعة، فيبقى الأقل ترجيحاً، ليس لعدم خطورته، بل لأن كلفته المرتفعة على جميع الأطراف تجعله غالباً نتيجة لفشل آليات الاحتواء أكثر من كونه خياراً مفضلاً بذاته. فالحرب الشاملة قد تعني انخراطاً أوسع للولايات المتحدة، واهتزازاً كبيراً في أسواق الطاقة، واتساعاً غير مسبوق في نطاق عدم الاستقرار الإقليمي، وهي كلها عوامل تدفع الأطراف غالباً إلى إبقاء هذا السيناريو في خانة الاحتمال القسري لا الخيار الاستراتيجي المفضل.

وبذلك، فإن السيناريوهات الخمسة لا تمثل بدائل مغلقة، بل مسارات متداخلة قد ينتقل الصراع بينها تبعاً لتبدل شروط الردع، ومواقف القوى الكبرى، وأدوار الفاعلين الإقليميين، وطبيعة التحولات الداخلية في إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

الخاتمة

تخلص هذه الورقة إلى أن الحرب مع إيران تُفهم، في جوهرها، بوصفها صراعاً على إعادة تشكيل التوازنات أكثر من كونها حرباً هدفها الحسم العسكري السريع. فالاتجاه الأكثر حضوراً في تقديرات الخبراء يشير إلى منطق استنزاف ممتد، متعدد الأدوات والساحات، تُستخدم فيه القوة لفرض شروط استراتيجية جديدة، لا لإنجاز نصر مباشر وحاسم بالضرورة.

كما توضح القراءة أن النظام الإيراني لا يبدو مرشحاً للانهيار السريع، لكنه قد يواجه مساراً من التآكل البنيوي التدريجي إذا طالت الحرب وتراكمت الضغوط. وفي المقابل، تتحرك إسرائيل ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة البيئة الأمنية الإقليمية، بينما تواصل الولايات المتحدة إدارة الصراع من خلال ضغط عسكري محدود وغموض استراتيجي يتيح لها المناورة من دون التورط الكامل.

إقليمياً، تكشف الحرب أن العراق وسوريا والخليج وتركيا وفلسطين ليست هوامش للصراع، بل أجزاء من بنيته الفعلية. كما تكشف عن ميل متزايد إلى إعادة الاصطفاف الإقليمي، ولا سيما على المستوى السعودي–الخليجي، في محاولة لإدارة التوازن بين احتواء إيران ومنع التفرد الإسرائيلي في آن.

تكشف القراءة التحليلية لآراء الخبراء أن الحرب مع إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف محددة، بل تحوّلت إلى عملية إعادة اختبار لبنية الردع الإقليمي برمّتها، حيث يجري اختبار حدود القوة، ومرونة الأنظمة السياسية، وقدرة الشبكات الإقليمية على الصمود تحت الضغط. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتوازن القدرات العسكرية، بل بقدرة كل طرف على إدارة التصعيد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وعلى تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية.

ومن هنا يصبح تحليل الواقع الراهن مرتبطًا بتتبع ثلاثة مستويات متداخلة: ديناميات الميدان العسكري المباشر، واستجابات البنى الداخلية للدول المعنية، ثم سلوك الساحات الإقليمية التي تعمل كمساحات انتقال للردع والضغط. كما يفرض ذلك الانتقال من قراءة الحرب بوصفها حدثًا منفصلًا إلى فهمها كجزء من مرحلة انتقالية في النظام الإقليمي، تتغير فيها قواعد الاشتباك وحدود القوة المقبولة بين الفاعلين.

وبناءً على ذلك، يصبح الاستشراف مرتبطًا برصد مجموعة من المؤشرات الحاسمة، مثل قدرة إيران على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وحدود التصعيد الإسرائيلي، وطبيعة الانخراط الأمريكي بين الردع والاحتواء، إضافة إلى اتجاهات تموضع القوى الإقليمية الكبرى. وإذا استمرت هذه الحرب ضمن نمطها الحالي من التصعيد المضبوط، فمن المرجح أن تقود إلى إعادة رسم تدريجية لخرائط الردع والتحالفات في الشرق الأوسط، حتى من دون الوصول إلى حرب شاملة. أما إذا تجاوزت إحدى هذه المؤشرات حدودها، فقد تتحول المواجهة من حرب استنزاف متعددة الساحات إلى لحظة إعادة تشكيل أكثر جذرية للنظام الأمني في المنطقة.

يبقى استمرار الاستنزاف المنضبط هو السيناريو الأرجح في المدى المنظور، يليه احتمال التصعيد الإقليمي المشروط، ثم التهدئة التفاوضية بعد الضغط. أما الحرب الشاملة أو الانهيار السريع للنظام الإيراني، فيبقيان أقل ترجيحاً، وإن لم يخرجا من دائرة الاحتمال.

إن أهم ما تضيفه هذه الورقة، إذن، ليس فقط تجميع قراءات متعددة للحرب، بل تحويلها إلى بنية تحليلية قابلة للمقارنة والاستشراف، وهو ما يمنح النقاش العربي حول المواجهة مع إيران قدراً أعلى من الانضباط المنهجي والصلابة التفسيرية، ويفتح المجال أمام فهم أكثر تركيباً للمسارات المحتملة للصراع في مرحلة إقليمية ودولية تتسم بقدر مرتفع من السيولة وعدم اليقين.


[1][1] خبير أمني واستراتيجي

[2] مستشار أكاديمي في معهد السياسة والمجتمع، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بيرزيت وجامعة قطر.

[3] أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث أميركي في القانون والسياسة في الشرق الأوسط. وهو أيضاً كبير باحثين غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ويكتب فيها عن قضايا الدِّين والحوكمة والسياسة في العالم العربي.

[4] مستشار أكاديمي لمعهد السياسة والمجتمع، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية.

[5] المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية، خبير ومحاضر في الشأن السوري والإقليمي

[6]فراس إلياس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية العلوم السياسية بجامعة الموصل العراقية، متخصص في السياسة الدفاعية والشؤون الاستراتيجية والأمنية.

[7] مدير البحوث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أكاديمي سوري، وباحث متخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية.

[8] باحث غير مقيم في معهد السياسة والمجتمع، ومتخصص في العلاقات الدولية وسياسات الشرق الأوسط.

[9] باحث غير مقيم في معهد السياسة والمجتمع، متخصص في الشأن العراقي المجموعات الإسلامية وشؤون الشرق الأوسط.

[10] مدير البرامج وباحث مقيم في معهد السياسة والمجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى