سوريا والحرب على إيران: معضلة العداء والحياد

تعيد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاضطراب الإقليمي في الشرق الأوسط؛ إذ لا تقتصر تداعياتها على أطراف الحرب فحسب، وإنما تمتد إلى ساحات أخرى مرتبطة بالتوازنات الإقليمية. وفي هذا السياق، تبرز سوريا كإحدى الدول الأكثر حساسية تجاه هذه التطورات، خاصة في ضوء التحولات الجيوسياسية التي شهدتها منذ سقوط نظام بشار الأسد، والتحديات المركبة والمتعدة أمام الحكومة السورية، وفي مقدمتها الإبقاء على وحدة الأراضي السورية أمام شبح التقسيم وهو الأمر الذي شهد انفراجة عبر التسويات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، إلا أنه لا يزال معلقًا في العلاقة مع قيادات السويداء وما يُعرف بـ”الحرس الوطني”. وعلى الرغم من كون سوريا لم تعد تشكل ساحة مباشرة للنفوذ والانتشار العسكري الإيراني كما كان الحال خلال العقد السابق؛ إلا أن موقعها الجغرافي وتشابك علاقاتها الإقليمية وتاريخًا من العداء لإيران؛ قد يجعلها أكثر عرضة لارتدادات الحرب الجارية، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة السورية الجديدة على تجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية في المرحلة الانتقالية من منطلق ترتيب الداخل السوري.
أولًا؛ لا تنطلق العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة وإيران من حالة حيادية أو طبيعية، بل من إرث سياسي عدائي تشكل خلال سنوات الثورة السورية وما رافقها من تدخل إيراني عسكري مباشر وعنيف لطالما اتهم بقلب مسار الأحداث خلال سنوات الثورة السورية، غير أن هذا الموقف لا يعني بالضرورة استعداد دمشق للانخراط في الحرب الجارية ضد طهران، إذ يظهر التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية اليوم في تجنب تحول سوريا إلى ساحة متقدمة للصراع مع إيران أو مع حلفائها الإقليميين، ولا سيما حزب الله والفصائل العراقية المؤيدة لإيران. وفي هذا السياق، فمن المتصور أن تمارس الولايات المتحدة -المتحمسة بشدة لكسب الحرب بأقصى سرعة ممكنة- ضغوطًا على سوريا لدفعها نحو لعب دور أكثر فاعلية في ترتيبات الأمن الإقليمي المرتبطة بالحرب على إيران، وهو ما يضع دمشق أمام معادلة حساسة بين التاريخ السياسي المعادي لطهران من جهة، والحاجة الاستراتيجية إلى تحييد الساحة السورية عن صراعات الإقليم من جهة أخرى.
ثانيًا، تزايد حساسية الجنوب السوري في ظل التصعيد الإقليمي، نظراً للقرب الجغرافي المباشر من إسرائيل والجولان، ومع استمرار الجمود في محافظة السويداء ورفض بعض قواها ووجهائها الحوار مع الحكومة السورية؛ يطرح تساؤل جوهري حول مدى انعكاس الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران على المشهد المحلي في السويداء، لا سيما في ضوء الدعم الواضح والصريح الذي تقدمه إسرائيل للشيخ حكمت الهجري وللحرس الوطني. فمن المتصور أن يدفع التوتر المصاحب للحرب بعض الأطراف إلى اعتبار هذه الجبهة جزءًا من معادلة الردع الإقليمية، ما يفرض على دمشق تحديات إضافية تتمثل في منع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات، مع ضرورة تموضع الحكومة السورية بعناية لضمان الاستقرار والحفاظ على سيادة الدولة.
ثالثًا، تثير الحرب على إيران مخاوف أمنية مرتبطة بإمكانية عودة نشاط التنظيمات المتطرفة في الجغرافية السورية ولا سيما في باديتها، فالتاريخ المعاصر يشير إلى أن التنظيمات الجهادية، وأهمها تنظيم داعش، غالبًا ما تستفيد من حالات الفراغ الأمني أو انشغال القوى الإقليمية والدولية بصراعات أكبر، وإذا ما أدى التصعيد الإقليمي إلى تحويل الاهتمام العسكري والسياسي بعيدًا عن جهود مكافحة الإرهاب، فقد تجد هذه التنظيمات فرصة لإعادة تنشيط خلاياها النائمة، خاصة في المناطق الصحراوية والحدودية التي شهدت نشاطًا سابقًا لها في سوريا.
في ضوء هذه التحديات، تتضح أهمية اعتماد مقاربة سورية متكاملة على الصعيدين السياسي والأمني تهدف إلى تحييد سوريا سياسيًا وجغرافيًا عن الانخراط مباشرة في الحرب على إيران، مع التركيز على تعزيز الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إذ لا يُفهم نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا فقط بقدرتها على ضبط الحدود أو مكافحة الإرهاب محليًا؛ بل وبمدى قدرتها على تجنب الانخراط في محاور إقليمية متنافسة قد تعيد إنتاج أزمات الماضي وتحولها لصراعات مستقبلية.
من هذا المنطلق، يمكن النظر لمجموعة تصورات استراتيجية للحكومة السورية، أولها، اشتداد الحاجة لاعتماد سياسة خارجية سورية متوازنة تقوم على عدم الانحياز بحيث تتجنب دمشق الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية مع الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية. ثانيًا، تعزيز القدرات الوطنية في ضبط الحدود وحماية الأراضي السورية من الاستخدام كمنصات عسكرية أو لوجستية للصراعات العابرة للحدود. ثالثاً، وضع مكافحة الإرهاب وإعادة تأهيل المناطق المتضررة ضمن أولويات السياسة الوطنية، عبر التعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين دون الانجرار إلى محاور سياسية متنافسة.
في المحصلة، تكشف الحرب على إيران أن استقرار سوريا مستقبليًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإدارتها الذكية لموقعها الجيوسياسي الحساس، حيث إن القدرة على تحقيق التوازن بين الضغوط الإقليمية وحماية السيادة وتعزيز الاستقرار الداخلي؛ تجعل من تحييد سوريا عن الصراعات الشرق أوسطية خيارًا استراتيجيًا ضروريًا، حيث أن نجاح هذه الاستراتيجية يتجاوز مجرد حماية الدولة السورية فحسب إلى المساهمة في إعادة رسم ملامح الاستقرار الإقليمي ويحد من فرص واحتمالات تحول سوريا إلى منصة لصراعات أوسع أو نزاعات بالوكالة على الأراضي السورية، ويُبقي مسار المرحلة الانتقالية في نصابه الصحيح وهو؛ أولوية الاستقرار والداخل على عداء الخارج.
