الانتخابات اللبنانية بين أولويّة حصر السلاح وإعادة إنتاج ميزان القوة

لا تبدو مسألة الانتخابات البرلمانية في لبنان، في اللحظة الراهنة، أزمة قانون انتخاب أو إشكالية دائرة خاصة بالمغتربين بقدر ما تبدو أزمة توقيت سياسي في سياق إقليمي مضطرب. فالسجال الدائر حول الدائرة السادسة عشرة (المتعلقة بانتخاب اللبنانيين خارج لبنان)، والمراسيم التطبيقية المفقودة، وتباين التفسيرات [1]بين وزارة الداخلية وهيئة التشريع والاستشارات، ثم تدفق الطعون أمام مجلس شورى الدولة، كلها عناصر صحيحة من حيث الشكل، لكنها لا تشكل جوهر المأزق.

وجوهر المأزق أن النظام السياسي اللبناني وجد نفسه أمام سؤال يتجاوز النصوص: هل يجوز إعادة إنتاج السلطة التشريعية في لحظة لم يُحسم فيها بعد ميزان القوة الأمني داخل الدولة؟

هذا السؤال لم يُطرح علناً بهذه الصيغة، لكنه يحكم سلوك معظم القوى الفاعلة. فالدستور يفرض إجراء الانتخابات في مواعيدها، لكن الواقع السياسي يشير إلى أن أولويات الداخل والخارج انزلقت نحو ملف آخر أكثر حساسية، وهو ملف حصرية السلاح بيد الدولة. وبما أن هذا الملف لم يُنجز بعد، بل دخل مرحلة تنفيذية حساسة مرتبطة بخطة انتشار الجيش [2]شمال نهر الليطاني وبضبط مناطق نفوذ حزب الله تدريجياً، فإن أي انتخابات تُجرى الآن قد تُفهم على أنها تثبيت لميزان قوة لم يتغير فعلياً.

من هنا، يمكن فهم الإبقاء المقصود على أزمة الدائرة 16[3] في حالة تعليق. فالقانون معروف، والثغرات معروفة، لكن لا الحكومة بادرت إلى استصدار المراسيم التطبيقية، ولا المجلس النيابي تحرّك لتعديل النص، رغم اتساع الوقت المتاح سابقاً.

هذا الامتناع لا يمكن تفسيره بالإهمال فقط، بل بوجود إدراك سياسي بأن التعقيد القانوني قد يصبح، عند الحاجة، مخرجاً دستورياً لتعليق الاستحقاق.

إدارة الغموض المتعمد داخل السلطة

إذا تأملنا سلوك السلطة التنفيذية خلال الأشهر الماضية، نلحظ ظاهرة لافتة، وهو أن الجميع يتحدث عن التزام إجراء الانتخابات، لكن لا أحد يتصرف وكأنها أولوية سياسية قصوى. رئيس مجلس النواب نبيه بري يترشح مبكراً[4]، ويرفع سقف الخطاب حول احترام المهل الدستورية، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يكون المجلس هو صاحب اقتراح التمديد، ويُفضّل أن يأتي الطلب من الحكومة. الحكومة بدورها تتعامل مع الإشكالية القانونية بكثير من التردد، فلا تحسم تفسيراً، ولا تُصدر مراسيم، ولا تبادر إلى مشروع تعديل.

هذا التوزيع في الأدوار ليس عبثياً، ويبدو وكأنه يعكس محاولة لإدارة الوقت بانتظار نضوج توافق أوسع. فالتمديد لمجلس النواب الحالي، في نظام منهك بشرعية متآكلة، لا يمكن أن يكون قراراً محلياً صرفاً. إنه قرار يحتاج إلى مظلة إقليمية واضحة، وإلى ضمانات بأن كلفته السياسية لن تتحول إلى انفجار داخلي.

السلطة التنفيذية اللبنانية هنا لا تصنع القرار بقدر ما تنتظر إشارة خارجية تسمح بإخراجه. لذلك يبدو المشهد كأن الجميع يهيّئ الأرضية من دون أن يعلن الخطوة النهائية.

ميزان القوى الداخلي – حسابات معقدة لا تختزل بالربح والخسارة

المعادلة الداخلية أكثر تعقيداً من سؤال من يستفيد انتخابياً من التأجيل، صحيح أن الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) يبدو في موقع انتخابي يسمح له بالحفاظ على كتلته [5]في حال إجراء الانتخابات قريباً، مستفيداً من تعبئة بيئته ومن استمرار الضغط الإسرائيلي، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فالحزب يدرك أن شرعيته البرلمانية في هذه المرحلة ستُقرأ خارجياً في سياق الصراع على السلاح. أي انتخابات تُجرى الآن قد تُستخدم كدليل على أن ميزان القوة لم يتغير، وأن السلاح لا يزال يحكم المعادلة السياسية.

في المقابل، ترى قوى معارضة أن مرور الوقت قد يُحدث تحولاً تدريجياً في البيئة الحاضنة للحزب، إذا ترافق مع تقدم فعلي في خطة حصر السلاح أو مع ضغوط مالية – أمنية متصاعدة. بالنسبة لهذه القوى وتحديداً القوات اللبنانية والقوى المناوئة لحزب الله، أن الزمن قد يعمل كعامل تآكل بطيء في صورة القوة الصلبة، ما يجعل الانتخابات اللاحقة أكثر ملاءمة لها.

أما الساحة السنية فتقف أمام متغير حساس هو احتمال عودة تيار المستقبل، دخول سعد الحريري [6]إلى المعركة الانتخابية يعيد رسم الخريطة، ويحدّ من قدرة قوى أخرى على ملء الفراغ. هذا العامل لا يُقرأ داخلياً فقط، بل يُراقَب إقليمياً، خصوصاً من قبل السعودية التي لم تمنح بعد غطاءً كاملاً لعودة سياسية نشطة في هذا التوقيت.

الحكومة كأداة مرحلة انتقالية

وتبدو حكومة الرئيس نواف سلام، رغم ما يحيط بها من ضعف سياسي، باتت تُنظر إليها خارجياً كحكومة “وظيفية” لا “سياسية”. ودورها الأساسي ليس إدارة توازنات داخلية بقدر ما هو تنفيذ مسار إصلاحي وأمني [7]محدد. محاولة إسقاطها عبر ضغط الشارع على خلفية الرواتب والضرائب كادت أن تفتح باب تغيير حكومي واسع، لكن التدخل الخارجي حال دون ذلك.

هذا التدخل يعكس قناعة لدى عواصم مؤثرة بأن تغيير الحكومة الآن سيعرقل مسار حصرية السلاح ويعيد البلاد إلى مفاوضات تشكيل طويلة. لذلك، يتقاطع منطق الحفاظ على الحكومة مع منطق الحفاظ على البرلمان الحالي، تفادياً لإعادة خلط السلطتين معاً في لحظة انتقالية.

البعد الإقليمي: لبنان كجزء من هندسة أوسع

لا يمكن فهم النقاش الدائر حول الانتخابات النيابية في لبنان بمعزل عن مسار التفاوض الأميركي – الإيراني، الذي يشكّل الإطار الاستراتيجي الأعلى الذي تتحرك ضمنه معظم الملفات الإقليمية، ومنها الساحة اللبنانية. فلبنان، تاريخياً، كان أحد ميادين الاشتباك غير المباشر بين واشنطن وطهران، سواء عبر ملف سلاح حزب الله أو عبر التموضع الإقليمي لإيران في المشرق. وفي اللحظة الراهنة، حيث تتقاطع ضغوط أميركية لإعادة ضبط أدوار إيران الإقليمية مع سعي طهران إلى تثبيت أوراقها التفاوضية، يتحول الملف اللبناني إلى عنصر ضمن سلّة أوسع، لا بنداً معزولاً.

من هذا المنظور، لا تبدو الانتخابات النيابية أولوية ملحّة في الحسابات الأميركية. واشنطن، في المرحلة الحالية، تركز على مسألتين مركزيتين[8]، أولاً، تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية بوصفه امتداداً عملياً لتنفيذ القرار 1701 وترتيبات ما بعد التصعيد جنوباً؛ وثانياً، منع أي تطور داخلي لبناني يمكن أن يعيد إنتاج شرعية سياسية لقوة مسلحة خارج الإطار الرسمي قبل أن يُعاد ضبط هذا الملف أمنياً.

أي انتخابات تُجرى في ظل احتفاظ حزب الله بسلاحه، ومن دون تقدم ملموس في خطة انتشار الجيش وضبط مناطق النفوذ، قد تُفهم أميركياً على أنها إعادة تثبيت لميزان قوة لم يتغير، ما يُضعف فعالية أي ضغط سياسي أو أمني لاحق.

وبمعنى أعمق، فإن واشنطن تنظر إلى “تسلسل الأولويات”، بوصفه عاملاً حاسماً الأمن أولاً، ثم إعادة إنتاج الشرعية السياسية. في الدول الهشة أو الخارجة من صراع، يُعدّ تثبيت احتكار الدولة للقوة شرطاً مسبقاً لانتخابات لا تعكس توازنات قسرية. وعليه، فإن غياب الاستعجال الأميركي لإجراء الانتخابات لا يُفسَّر كعدم اهتمام بالديمقراطية اللبنانية، بل كإدراك أن توقيت الصناديق، إذا سبق إعادة ترتيب الواقع الأمني، قد يكرّس ما يُراد تغييره.

أما فرنسا[9]، فتتعاطى مع المسألة من زاوية مختلفة وإن كانت متقاطعة في الجوهر. المقاربة الفرنسية تميل إلى إعطاء الأولوية للاستقرار المؤسسي واستمرار عمل الحكومة الحالية، باعتبارها أداة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة مالياً وإدارياً، ولإدارة التوازنات الداخلية في مرحلة حساسة، وباريس لا تدفع علناً نحو تأجيل الانتخابات، لكنها في الوقت نفسه لا تضغط باتجاه إجرائها إذا كان ذلك سيؤدي إلى اهتزاز الاستقرار أو إلى تعطيل مسار الإصلاحات. في الرؤية الفرنسية، الاستمرارية المؤسساتية شرط لإبقاء لبنان ضمن إطار التعافي التدريجي، حتى لو تطلّب ذلك تمديداً تقنياً أو سياسياً محدود المدة.

في المقابل، تنظر السعودية إلى الملف من زاوية إعادة تشكيل التوازنات السياسية، وخصوصاً داخل الساحة السنية، في سياق أوسع من إعادة ترتيب أدوارها الإقليمية. عودة تيار المستقبل إلى المعادلة الانتخابية، أو إعادة توزيع القوى داخل البرلمان، لا تُقرأ سعودياً كمسألة لبنانية داخلية فقط، بل كجزء من إعادة رسم شبكة الحلفاء في المشرق. لذلك، فإن توقيت الانتخابات يرتبط أيضاً بحسابات تتجاوز بيروت إلى علاقات الرياض مع طهران، وإلى موقع لبنان في الخريطة الإقليمية الجديدة بعد سنوات من التوتر.

في هذا السياق المتشابك، لا يمكن النظر إلى لبنان كساحة مستقلة بالكامل في قرارها السياسي. هو أقرب إلى عقدة ضمن شبكة تفاهمات وتحولات إقليمية، حيث يتقاطع الضغط الأميركي لضبط السلاح مع الحسابات الفرنسية المتعلقة بالاستقرار، ومع المقاربة السعودية المرتبطة بإعادة بناء التمثيل السياسي. وعندما تتشابك هذه المستويات، يصبح توقيت صناديق الاقتراع مسألة تتجاوز المهل الدستورية الصرفة. فالموعد الانتخابي لا يُحدد فقط وفق نصوص القانون، بل وفق إيقاع إعادة ضبط الأدوار الإقليمية وتثبيت ميزان القوة الداخلي.

وعليه، فإن أي قرار بتأجيل الانتخابات – إن اتُّخذ – لن يكون معزولاً عن مسار التفاوض الأميركي – الإيراني، ولا عن الترتيبات الأمنية جنوب لبنان، ولا عن إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. في هذه اللحظة تحديداً، يبدو أن لبنان ينتظر اتضاح اتجاه الرياح الكبرى قبل أن يفتح صناديق اقتراعه، لأن ما سيُنتَج برلمانياً سيكون انعكاساً مباشراً لما يُحسم إقليمياً، لا مجرد تعبير عن تنافس داخلي تقليدي.

السيناريوهات وتداعياتها العميقة

إذا أُجريت الانتخابات في موعدها، سيعاد إنتاج ميزان القوة الحالي تقريباً، مع تعديلات هامشية. هذا السيناريو يحافظ على الشرعية الشكلية، لكنه قد يثبّت واقعاً أمنياً لم يُحسم.

أما إذا جرى تأجيل تقني قصير يتحول عملياً إلى تمديد أطول، فسيُقدَّم كضرورة إجرائية مرتبطة بالقانون. غير أن السيناريو الأكثر وضوحاً في الكواليس هو تمديد سياسي مباشر لمدة سنة أو سنتين، تحت عنوان استكمال خطة حصر السلاح والإصلاحات.

هذا الخيار يحمل مخاطرة مزدوجة، فمن جهة، قد يمنح السلطة وقتاً لإدارة مرحلة انتقالية أمنية – سياسية. ومن جهة أخرى، قد يعمّق أزمة الثقة بالمؤسسات، ويكرّس سابقة إضافية في تعطيل التداول الدوري للسلطة.

الخاتمة

لبنان يقف أمام اختبار عميق لطبيعة نظامه السياسي. هل يُدار وفق منطق الدستور وحده، أم وفق منطق ميزان القوة الإقليمي؟ الانتخابات في هذه اللحظة لم تعد حدثاً إجرائياً، بل باتت نقطة تقاطع بين مشروع إعادة تعريف وظيفة الدولة ومشروع الحفاظ على التوازنات القائمة.

التأجيل، إن حصل، لن يكون قراراً تقنياً، بل إعلاناً غير مباشر بأن ميزان القوة لم يُحسم بعد، وأن الدولة تحتاج إلى وقت إضافي لإعادة ترتيب الداخل قبل فتح صناديق الاقتراع. السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الانتخابات ستؤجل، بل ما إذا كان هذا التأجيل سيقود إلى إعادة تثبيت الدولة، أم إلى تعميق منطق إدارة الأزمات بدلاً من حلها.


[1]   رد هيئة التشريع يخلط الأوراق: هل من يربط الانتخابات بالسلاح؟ – المدن

[2]الجزيرة نت  تنفيذ المرحلة الثانية من حصر السلاح بلبنان.. حسابات السياسة والميدان

[3] الدائرة 16 “تؤجج الصراع وتمسك “الثنائي” بالانتخابات أبعد من حدود الاستحقاق – موقع لبنان 24

[4]– موقع MTV الاخباري برّي يحرج الحكومة… بالترشح للانتخابات!

[5] إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة – أساس ميديا

[6]عربي بوست  عودة بشروط: الحريري يستعد للعودة إلى الحياة السياسية اللبنانية في ظل توازنات إقليمية جديدة

[7]المدن  تأجيل الانتخابات لسنتين: الأولوية للسلاح وسلام ينجو من كمين

[8] آليةٌ للإكراه – مركز كارنيجي

[9] السعودية وفرنسا رسمياً: أجِّلوا الانتخابات – صحيفة الأخبار اللبنانية!

زر الذهاب إلى الأعلى