رمضان والأقصى: نحو “وضع قائم” جديد يتشكل بالتراكم

يقترب شهر رمضان مع تصاعد التحديات التي تفرضها الشرطة الإسرائيلية داخل المسجد الأقصى المبارك. حيث تتصاعد إجراءات شرطية وإدارية لم تعد تُقرأ بوصفها تدابير أمنية عابرة، بل كأدوات تتراكم لإنتاج وضع قائم جديد، في هذا السياق، لا يُطرح خطاب “الرعاية لا تعني السيادة” بوصفه نقاشًا قانونيًا فقط، بل يستخدم كغطاء سياسي وأمني لتقويض دور الأوقاف الأردنية عبر إعادة تعريفها كطرف خارجي غير ملزم. وحصر الوصاية الهاشمية في وظيفة الرعاية، مقابل تثبيت فكرة أن القرار النهائي في إدارة المكان قرار سيادي إسرائيلي، وقد ظهر هذا بوضوح في بيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، على أن “السيادة الإسرائيلية محفوظة“، وأن القرارات المتعلقة “بجبل الهيكل” تتخذ باعتبارات سيادية ومن دون ضغط “عوامل أجنبية”. ومع اقتراب شهر رمضان، لا تبدو هذه الإشارات منفصلة عن تحضيرات أمنية وإدارية مبكرة في القدس، بما يوحي بأن الشهر قد يتحول مرة أخرى إلى ساحة اختبار بين “الوضع القائم” كما استُقر تاريخيًا، و”وضع قائم” جديد يراد ترسيخه تدريجيًا عبر الوقائع.

والمقصود بالوضع القائم هنا ليس شعارًا عامًا، بل ترتيبًا عمليًا تشكل تاريخيًا يقوم على إدارة الأوقاف الإسلامية للشأن الديني داخل الحرم، وعلى ضوابط حركة الدخول والزيارة بما يمنع تحويل الزيارات إلى ممارسة طقسية يهودية منظمة داخل الموقع، مع بقاء دور الشرطة محصورًا في الإطار الأمني الخارجي أو الحد الأدنى الذي لا ينتج سلطة تنظيم عبادة.

خط زمني معد من قبل الكاتبة حول تطور الاحداث داخل المسجد الاقصى

تُطرح في هذا السياق مجموعة أسئلة محورية: ما حدود الإجراءات التي يمكن فرضها في المسجد الأقصى؟ وما طبيعة التغييرات المتوقعة خلال هذا العام، خاصةً في ظل تتابع الأحداث وتسارع القرارات على الأرض؟ وهل نتجه نحو تقسيم زماني ومكاني أكثر انتظامًا؟

يبدأ تشكل الوضع القائم الجديد عبر سلسلة من الإجراءات تهدف إلى فرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، في مقدمتها الدفع نحو تقسيم زماني ومكاني غير معلن لكنه يتجه للتثبيت مع التكرار. ويتجلى ذلك في إطالة زمن الاقتحامات وتوسيع هامشها الزمني؛ إذ يقدم أحيانًا تبرير مفاده أن الاقتحامات خلال رمضان تُحصر في “فترة واحدة”، لكن النتيجة العملية هي تحويل هذا الترتيب إلى قاعدة مفروضة يصعب التراجع عنها لاحقًا. وإلى جانب ذلك، تتعمد القوات المقتحمة الدخول قبل دقائق من موعد الإغلاق ثم الاستمرار في الساحات لمدد تتجاوز الوقت المعلن للاقتحام كما ظهر في الاقتحام الأخير الذي شارك به بن غفير[1]، بما يعكس نزعة متصاعدة لإعادة ضبط “التوقيت” داخل الأقصى كأداة سيطرة، تستخدم لإعادة تعريف “الحق في المكان” عبر التحكم بالزمن.

لا تتوقف أدوات فرض الوقائع عند التوقيت وحده، بل تتسع لتشمل إدارة المكان والطقوس بوصفها عناصر سيادية قابلة للضبط. فالتواجد الشرطي المكثف داخل الحرم، وإجراءات الإخلاء الليلي، وتقييد أو منع الاعتكاف، وفرض القيود العمرية أو شروط الدخول، كلها لا تعمل كإجراءات منفصلة، بل مجموعة واحدة تعيد تعريف من يملك قرار “الفتح والإغلاق” ومن يحدد حدود العبادة وشروطها. وبهذا المعنى، تتحول الشرطة من جهة أمنية إلى جهة تنظيم ديني فعلي، بينما يُدفع دور الأوقاف نحو موقع رمزي وخدماتي، بما يفرغ مفهوم “الرعاية” من مضمونه العملي ويستبدله بإدارة سيادية على الأرض.

إلى جانب ذلك، تتكثف في رمضان ممارسات واقتحامات تُظهر مسارًا متصاعدًا لفرض الوقائع داخل الأقصى، من بينها محاولات مرتبطة بإدخال “القرابين” أو أداء طقوسها في محيط الحرم، بالتوازي مع هندسة الوصول عبر القيود العمرية والتصاريح “الرقمية” بما يحد من وصول المصلين، فضلًا عن التضييق على الاعتكاف الليلي عبر الإخلاءات والمنع. وتترافق هذه الإجراءات مع تعزيز منظومات المراقبة عبر تركيب أجهزة وكاميرات، وهو ما يُنظر إليه بوصفه مساسًا مباشرًا “بالوضع القائم” لأنه يعيد تعريف إدارة المكان بصيغة أمنية دائمة.

لا تكمن خطورة رمضان القادم فقط في تكرار الإجراءات السابقة، بل في احتمال انتقال بعضها من استثناءات أمنية إلى نظام دائم. ويتجلى ذلك في سيناريو منع لقيام العشر الأواخر بما يحولها إلى ليلٍ مدارة أمنيًا، وفي سيناريو تقنين الاقتحام كروتين إداري يصعب التراجع عنه بعد الشهر. كما يبرز احتمال توسع الإدارة الرقمية للتصاريح بوصفها آلية فرز غير شفافة، بالتوازي مع ترسيم مساحات الحرم عمليًا إلى مناطق استخدام مختلفة، بما يعيد تعريف دور الأوقاف من دور تنفيذي إلى دور تشريفي.

وما بات يظهر واضحًا اليوم هو تصاعد إجراءات ميدانية تهدف بشكل او بآخر الى تفريغ المسجد الأقصى في رمضان، شملت هذه الإجراءات ابعاد مئات المقدسيين عن المسجد لمدة لا تقل عن ستة أشهر، بالإضافة الى ابعاد عدد كبير من موظفي الأوقاف الإسلامية واعتقال عددٍا منهم اعتقالاً اداريًا، في خطوة تمثل خرقًا للوضع القائم ومساسًا بالوصاية الأردنية الهاشمية، تعكس هذه الإجراءات في جوهرها سعي الاحتلال الى السيطرة على المشهد الداخلي المقدسي بما يخدم الرؤية الإسرائيلية حتى وان كانت تقدم على انها إجراءات تهدف الى تقليل الاحتكاك الأمني، حيث ان تراكم هذه الإجراءات “من رقمنة التصاريح لأهالي الضفة، والتقييد العمري للدخول، وعدد كبير من أوامر ابعاد المقدسيين عن المسجد” تؤدي إلى تقليل الحضور داخل المسجد، بما يسهل الاقتحامات ويعزز القدرة على ضبط الوضع العام في المسجد الأقصى.

وبالتوازي مع الإجراءات الميدانية، دفع الائتلاف في الكنيست الإسرائيلي بمشروع قانون يُعرف إعلاميًا بقانون التفلين “مشروع تحقيق الهوية اليهودية في الحيز العام” والذي يهدف بصورة أساسية إلى تجريم عرقلة ممارسات دينية يهودية مثل وضع التفلين أو الصلاة في الفضاء العام والمؤسسات العامة، بما يعكس محاولة لتثبيت “التدين في المجال العام” كإطار قانوني مُلزم.

على الرغم من أن مشروع “تحقيق الهوية اليهودية في الحيز العام” لا يستهدف المسجد الأقصى نصًا بصورة مباشرة، إلا أن من شأنه توسيع المظلة القانونية والسياسية لفكرة “حق الصلاة اليهودية” في الفضاء العام، بما ينعكس على الأقصى بوصفه أكثر المواقع حساسية ورمزية. فحين تقدم ممارسة الطقوس كحق محمي وتُقابل إعاقة هذا الحق بمنطق التجريم، يصبح من الأسهل في الخطاب والممارسة تسويغ تدخل أمني أوسع داخل الحرم تحت عنوان “حماية العبادة”، وهو ما قد يدفع عمليًا نحو تطبيع مشاهد الصلاة شبه العلنية وتوسيع هامشها، لا بوصفها خرقًا للوضع القائم، بل كامتداد منطقي لحقوق تُشرعن خارج أسوار الأقصى.

وفي هذا السياق، يشدد الأردن بشكل مستمر على ان مساحة المسجد الأقصى 144 دونم بما يشمل الساحات وكل ما هو داخل الاسوار وذلك لتكرار سيناريو تقديم وحصر المسجد بالمصليات الداخلية فقط واعتبار الساحات الخارجية ضمن الحيز العام، الذي تم استخدامه في المشروع، فالنقاش الدائر هنا ليس في اطار رمزي فقط بل على تعريف ما هو الأقصى وما هي حدود ولايته ومن يملك سلطة تنظيم الحركة والعبادةداخل المكان

اما بالنسبة للأوقاف الأردنية، يضاعف المشروع التشريعي والوقائع الميدانية الضغط القائم أصلًا على دورها؛ إذ يخلق إطارًا يُعاد من خلاله تعريف من يملك سلطة تنظيم العبادة ومن يضع حدود المسموح والممنوع داخل المكان. وفي موسم رمضان تحديدًا تبلغ الحساسية ذروتها قد يتحول هذا الإطار إلى رافعة لتكريس واقع تنفيذي تُدار فيه الطقوس والفضاء (الفتح والإغلاق، الاعتكاف، توزيع الحضور، مسارات الحركة) بمنطق أمني وقانوني جديد، بما يدفع الأوقاف أكثر نحو موقع رمزي وخدماتي ويُضعف ولايتها العملية، ويحول “الوضع القائم” من ترتيب تاريخي إلى مساحة تُعاد صياغتها.

ويبقى السؤال هنا: هل سيتعامل الأردن مع المسار الحالي بوصفه ملفًا سياديًا وأمنيًا يمس الاستقرار الإقليمي، فيعيد رفع كلفة تغييره عبر تحميل إسرائيل مسؤولية أي انفجار محتمل في رمضان؟ أم سيذهب إلى مقاربة أشد صراحة تربط احترام ترتيبات الوصاية والوضع القائم بجودة العلاقات الثنائية وبمستوى الالتزام بالاتفاقيات والترتيبات المشتركة، بحيث لا يبقى المساس بدور الأوقاف تفصيلًا قابلاً للاحتواء، بل يتحول إلى اختبار سياسي مباشر؟ خصوصًا مع تتابع القرارات التي تمس بالوصاية الهاشمية والدور الأردني بالقدس.

في المحصلة، لا يبدو رمضان القادم مجرد موسم توتر عابر، بل محطة إضافية في مسار تراكمي يُعاد من خلاله تعريف “الوضع القائم” عبر أدوات صغيرة لكنها متصلة: ضبط التوقيت، إدارة المكان، التحكم بالطقوس، وهندسة الوصول، بالإضافة الى قرارات الابعاد. مع دعم سياسي وتشريعي يتقدم خطوة خطوة، والخطورة هنا ليست في الإجراء منفردًا، بل في تحوله إلى قاعدة تُطبع عامًا بعد عام، وفي انتقال إدارة المكان من الأوقاف إلى منطق أمني وقانوني يوسّع مفهوم السيادة عمليًا داخل الحرم، خصوصًا مع مشروع الكنيست.

ويبقى السؤال: ما الذي يجعل رمضان أكثر الشهور قابلية لتحول الإجراءات الاستثنائية إلى قواعد ثابتة في الأقصى؟ يمكن فهم ذلك عبر ثلاثة عوامل مترابطة.

أولًا: إن كثافة الحضور الديني والرمزي في رمضان تُنتج “مبررًا جاهزًا” لتوسيع الاستثناء الأمني، بحيث تُعرض التدابير بوصفها ضرورة لإدارة الحشود لا بوصفها إعادة هندسة لسلطة المكان.

ثانيًا: يتيح ضغط الزمن داخل شهر واحد اختبار بروتوكولات تشغيلية جديدة (تقييد الاعتكاف، ضبط الإغلاق، إدارة الدخول الرقمي، تعميم الإبعادات) ثم تحويلها لاحقًا إلى سوابق عملية يُعاد استدعاؤها كل عام.

ثالثًا: إن إدارة العبادة والحركة في رمضان تُنتج تطبيعًا إداريًا سريعًا: ما يُدار مرة يتحول إلى نموذج تشغيل يقاس عليه لاحقًا، فتصبح الاستثناءات قابلة للاستمرار خارج الشهر.

بذلك، فإن اختبار رمضان المقبل لن يكون فقط في عدد الاقتحامات أو ساعاتها، بل في السؤال الأعمق: هل يتحول رمضان مجددًا إلى المختبر الأكثر فاعلية لترسيخ قواعد تشغيلية جديدة داخل الأقصى تُعاد صياغتها تحت عنوان الأمن، لكنها تُفضي عمليًا إلى “وضع قائم” مختلف؟


[1] مصدر ميداني

زر الذهاب إلى الأعلى