جولة مسقط: خيط الأمل الرفيع بين واشنطن وطهران

شهدت العاصمة العمانية، مسقط، أول أمس الجمعة جولة مفاوضات أمريكية – إيرانية “غير مباشرة” في محاولة جديدة للوصول إلى أرضية مشتركة علّها تمهد لاتفاق ينزع فتيل حرب محتملة قد تنشب في حال قررت الولايات المتحدة شن ضربة عسكرية على إيران، تحتم على الأخيرة خيار المواجهة وتقود المنطقة إلى مصير مجهول، في ظل تزايد المؤشرات الميدانية المتوترة، أبرزها اقتراب المجموعة البحرية الأمريكية بقيادة حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” من بحر العرب.

وفي الوقت الذي تبحث طهران عمّا يضمن لها عدم الاعتداء أولًا وتخفيف العقوبات لاحقًا، تدرس واشنطن مدى جدّية الطرف الآخر في تقديم تنازلات يحقق المكاسب ويجنب الولايات المتحدة الكلفة المحتملة التي قد تترتب على أي هجوم عسكري، وبالتالي يمكن القول إن جولة مسقط، ورغم وجود البندقية على الطاولة، فإنها تمثل محاولة اختبار النوايا وجس النبض لدى كل من الطرفين تجاه الآخر، في ظل انعدام الثقة الذي هيمن على شعور المفاوض الإيراني بعد حرب يونيو/حزيران العام الماضي.

غير أن ثمة تساؤلات معقدة بدايةً تطرح نفسها بشأن حقيقة الرغبة بالتفاوض من قبل كل طرف وإمكانية الوصول إلى نتيجة من شأنها تخفيف زخم التصعيد، أو ما إذا كانت تلك اللقاءات لا تعدو كونها جزءًا من مناورة سياسية تهدف إلى إدارة الأزمة عبر شراء الوقت، إما لخفض مستوى الضغط مع حدّة التهديدات المتزايدة أو لخلق مبررات قائمة على نفاد الخيارات ويمكن توظيفها لاحقًا في حال قرر أي من الطرفين الانتقال إلى مرحلة المواجهة العسكرية.

على جميع الأصعدة، فإن خيار توجيه ضربة عسكرية يبقى مرجحًا طالما استمرت حالة الاستعصاء؛ إذ ما تزال طهران ترفض طرح أي ملف على الطاولة سوى برنامجها النووي منطلقةً من تكتيكها التفاوضي القائم على حل كل ملف على حدة لإطالة أمد المفاوضات في محاولة لامتصاص الضغط، في حين تصر واشنطن على الزج بجميع الملفات دفعة واحدة على الطاولة وأهمها البرنامج النووي ثم البرنامج الصاروخي، يليه ملف الوكلاء في المنطقة الذي لربما لم يتبقَ منهم سوى حركة أنصار الله “الحوثي” إذا ما أردنا الإشارة إلى جبهة مؤثرة استراتيجيًّا.

عسكريًّا، ورغم أن الدفاعات الجوية الإيرانية تعرضت لأضرار كبيرة شلّت من قدراتها على إثر المواجهات التي تعرضت إليها في السنتين الأخيرتين وقدرة إسرائيل على استهداف القيادات العسكرية والسياسية والوصول إلى نقاط عميقة ومعقدة وتنفيذ عمليات من الداخل الإيراني وقابلية توجيه ضربات حاسمة من الولايات المتحدة، إلا أن المخاوف من البرنامج الصاروخي الذي كشر عن أنيابه في مواجهة يونيو/حزيران الماضي حاضر بثقل كبير، والذي كان له وقع حتى على منظومة ثاد الدفاعية التي كانت الولايات المتحدة قد زودت إسرائيل بها، في الوقت الذي كشف فيه الحرس الثوري مؤخرًا عن صاروخ “خرمشهر 4” والذي يبلغ مداه 2000 كيلو متر، ويحمل رأسًا حربيًّا يزن 1500 كيلو غرام.

لكن، في مقابل تلك المخاوف من البرنامج الصاروخي والطائرات المسيرة، تفكر تل أبيب في الآثار التي قد تنجم في حال امتنعت واشنطن عن توجيه ضربة عسكرية والذي يعني مزيدًا من التعافي العسكري بالنسبة لإيران، وهو ما تؤكده تقارير صادرة في الولايات المتحدة، الأمر الذي يدفعها لممارسة الضغط مزيدًا لإفشال أي مسعى للتفاوض، ويحفزها أيضًا وجود التيار الذي يمثله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث والذي على ما يبدو -التيار- يعرّض عملية التفاوض مع إيران لسؤال الجدوى أمام الجهود التي يقودها ستيف ويتكوف الذي لربما يأخذ بعين الاعتبار معادلتي الكلفة والبديل على محمل الجد في حال التوجّه للخيار العسكري.

بالعودة إلى طاولة التفاوض، ثمة منطقة اختلاف واسعة بين الجانبين الأمريكي والإيراني، إذ ترفض إيران التخلي عن حقها في التخصيب لأغراض مدنية، في حين تدعو الولايات المتحدة إلى إنهاء برنامج إيران النووي بالكامل مع تكثيف سياسة الضغوط القصوى، فقبل سويعات من عقد جولة التفاوض فرضت واشنطن عقوبات على 14 ناقلة و15 كيانًا للارتباط بالمنتجات النفطية والبتروكيمياوية الإيرانية، وبعد سويعات من انتهاء الجولة وقّع الرئيس الأمريكي أمرًا تنفيذيًّا يقضي بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعامل تجاريًّا مع إيران، وهذا يعد تمظهرًا حقيقيًّا لحجم تعقيد الملف وضبابية مصير المشهد القادم.

ختامًا، ورغم عقد جولة مفاوضات جديدة، يبقى خيار توجيه ضربة عسكرية مُحكمة خيارًا مرجّحًا، وبالنظر إلى المعادلة التي تفرضها الولايات المتحدة فعلى ما يبدو تجد إيران نفسها أكثر من يتمسك بخيط الأمل من خلال تقديم تنازلات تنسجم إلى حد ما مع قيم النظام السياسي ولصورته في الداخل الذي يعاني من تصاعد الاحتجاجات بين الفينة والأخرى نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية بفعل العقوبات الدولية إلى جانب أزمات أخرى وتصدّعات لا تقل أهمية.

في حين تدرك الولايات المتحدة أن استهداف ذلك النظام في دولة عميقة الجذور حاملة لثقافة رسختها الثورة الإسلامية وأوجدت فضاءً جيوسياسيًّا يتجاوز حدودها الرسمية، ينطوي على مخاطر عالية وقد يترتب عليه أثمان جسيمة، وهو لربما ما دفعها لاختبار مسار المفاوضات مرة أخرى والذي قد يكون “الأخير” إذا لم يفضِ إلى نتائج تسعى واشنطن إلى حصدها.

زر الذهاب إلى الأعلى