حدود خطاب الإبادة: الاستيلاء والتلاعب وإعادة إنتاج الاستقرار في النظام الدولي

  • يتناول المقال تحولات الرأي العام تجاه الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، خاصة في الأشهر القليلة الماضية.
  • يحلل المقال استراتيجيات الحفاظ على الاستقرار في النظام الدولي واحتواء الاحتجاجات التي قد تؤدي به إلى الأزمة، ويقوم بتحليل كيف طبقت هذه الاستراتيجيات على النشاط المتضامن مع فلسطين.
  • يوضح المقال تصاعد جاهزية معينة في الدول الغربية للاعتراف بما حدث في غزة بوصفه إبادة جماعية دون الإضرار بإسرائيل ومرتكزات المشروع الصهيوني.
  • يبين المقال دور الصهاينة الليبراليين في خارج إسرائيل في جعل هذه الجاهزية ممكنة والدور المحوري الذي يؤدونه في التلاعب بالنشاط المتضامن مع فلسطين ليتحول من نشاط يحاول إزالة الشرعية عن إسرائيل إلى نشاط يهدف إلى حماية إسرائيل.
  • يبين المقال الأهمية الجوهرية للرواية بوصفها الضامن الأساس لحماية النشاط المتضامن مع فلسطين من الاحتواء والإفراغ من المضمون.
  • يربط المقال أخيرًا بين استراتيجيات السيطرة على الاحتجاجات المتضامنة مع فلسطين بالاحتجاجات المتنامية ضد النظام الدولي للتنبؤ بإمكانية استمرارية معينة في النظام الدولي.
  • يتناول المقال محدودية استخدام خطاب الإبادة لوصف الجرائم الإسرائيلية في غزة عبر تحليل كيف تعرض هذا الخطاب خلال الأشهر الأخيرة إلى التلاعب لإفراغه من مضمونه وتحويل هدفه من إزالة الشرعية عن إسرائيل إلى حماية إسرائيل، وهو التلاعب الذي حدث ويحدث كثيرًا لاحتواء الاحتجاجات المتصاعدة ضد النظام القائم على كافة المستويات، سواء على المستوى الدولي أم في سياقات محلية مختلفة.
  • وفي سياق حرب غزة، ترافقت عملية تحويل خطاب الإبادة مع تصاعد ملحوظ في جاهزية لدى الدول الغربية للاعتراف بالإبادة الجماعية في غزة، ولكن هذا الاعتراف يبقى مشروطًا بالمعنى الجديد الذي يكتسبه خطاب الإبادة.

في مناظرة جرت الأسبوع الماضي داخل الحزب الديموقراطي بين ثلاثة مرشحين داخليين لمقعد السيناتور الأمريكي نانسي بيلوسي في مجلس الشيوخ تم طرح سؤال هل تعتقد بأن ما حدث في غزة هو إبادة جماعية، رفع مرشحان أيديهما للتأييد بينما تردد الثالث وامتنع، وهو ما لقي استهجانًا واسعًا عليه من الجمهور الحاضر، ليعود في مقابلة صحفية بعد ذلك ليؤكد بأنه يعتقد أن ما يحدث في غزة هو إبادة بالفعل،[1] في تصريح يشبه الاعتذار عمّا حدث في المناظرة.

يتوافق هذا الموقف مع الإشارات العديدة منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة إلى التغيرات الحاصلة في الرأي العام الغربي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بوصفها تطورًا نوعيًا في الرأي العام والوعي العالمي بالقضية، وهو ما يتوافق بدوره مع العديد من استطلاعات الرأي المختصة التي أجريت في العديد من الدول الغربية والتي تظهر إدانةً شعبيةً واضحةً لإسرائيل بوصفها ترتكب إبادةً جماعية في غزة، هذه الإدانة التي بدأت تخترق حتى الأحزاب الكبرى وعالم السياسة الأضيق، كما يبين الموقف المذكور آنفًا. يترافق هذا الحديث عادةً، بوعي أو دون وعي، مع توقعات وإشارات إلى بدء ظهور نظام دولي جديد اليوم أشار إليها العديد من الكتّاب والمحللين أيضا. إلّا أنني أود طرح الأمر من منظور مختلف، تحديدًا من منظور الاستيعاب وإفراغ الخطاب من مضمونه. سأتناول في هذا المقال حدود هذا التحول المقترح فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بوصفه انعكاسًا للحديث عن النظام الدولي الجديد، وذلك عبر توضيح كيف أن خطاب الإبادة الجماعية، الذي تم توظيفه في بداية الحرب من قبل المتضامنين مع الفلسطينيين لإزالة الشرعية عن إسرائيل، قد بدأ منذ فترة وجيزة باكتساب معنىً ومضمونًا جديدين لا يستتبعان بالضرورة إزالة الشرعية عن إسرائيل، بل على العكس تمامًا، أي إنقاذ إسرائيل من جنونها وتهورها، وذلك عبر تصوير الإبادة الحاصلة بوصفها تجاوزًا لأخلاقيات إسرائيل ذاتها، وهو ما يؤدي في المحصلة إلى استيعاب وصف ما ترتكبه إسرائيل بالإبادة الجماعية ضمن النظام القائم دون الإضرار بمرتكزات المشروع الصهيوني أو شرعيته على الإطلاق، وفي النهاية سأربط ذلك بمحدودية أطروحات النظام الدولي الجديد عبر توضيح آلية الاستيعاب التي يتعرض لها خطاب الإبادة، وهي الآلية التي استخدمت سابقًا ولا تزال تستخدم سياسيًا لإفراغ الخطابات التي تتحدى استقرار النظام الدولي من مضمونها والحفاظ على استقرار هذا النظام.

الاستيلاء والتلاعب بالخطاب

بدايةً، سأتناول ممارسة أو استراتيجية سياسية-قانونية عامة بالتحليل تعد جوهرية لفهم ما يحدث اليوم وأين يتجه هذا التحول في الخطاب العام حول القضية الفلسطينية وموضوعات هذا الخطاب (أي الفلسطينيين): وهي استراتيجية الاستيلاء Appropriation والتلاعب. تذكر الباحثة مارينا كالكوني[2] في مناقشتها للتحولات السياسية لمصطلح حق تقرير المصير Self-Determination أن المصطلح الذي تم اقتراحه بالأصل من قبل فلاديمير لينين ليدعو ويعترف بحق قوميات العالم المستعمَر بالاستقلال، قد شهد عملية استيلاء ليبرالي من قبل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون آنذاك؛ إذ حاول احتواء الميل الشعبي المتصاعد دوليا نحو الاشتراكية عبر تبني نفس المصطلح، ولكنه تلاعب به ليكتسب معنىً مغاير عن ذاك الذي عبر عنه لينين، وذلك ليعترف بحق الدول الأوروبية التي تم احتلالها خلال الحرب العالمية الأولى بالاستقلال وينكره في نفس الوقت على قوميات العالم الثالث المناوئة للاستعمار. إن عملية الاستيلاء هي عملية مستمرة من تغيير المعنى يخضع لها خطاب ما دون مخرجات واضحة ومحددة، ولكن المؤكد أن المعنى الجديد الناتج للخطاب يختلف عن المعنى الأصلي المقصود منه، قد تفشل تارةً وتنجح تارةً أخرى، فهي عملية مستمرة عمومًا؛ فبينما تشير الكاتبة إلى اضطرار الولايات المتحدة لاحقا إلى الرضوخ إلى الضغوط المتصاعدة من العالم الثالث من أجل الاعتراف بحقهم في تقرير المصير، يشير حق تقرير المصير اليوم، وهو الذي عنى يومًا ما بشكل قاطع الاستقلال، إلى “عملية محددة تحتمل عددًا من المخرجات، واحد منها فقط هو الاستقلال”[3]، ما يبين أن هذا المصطلح السياسي-القانوني قد وصل اليوم إلى معنى مختلف تمامًا عن المعنى الأصلي المقترح، ما يجعل من الإطار العملي لحق تقرير المصير اليوم غير عمليًا في حالة فلسطين وجميع الشعوب الأصلية في المستعمرات الاستيطانية. كما أن مفاهيم سياسية وقانونية أخرى مرتبطة بالاستقلال قد جرى ضبطها لتتلاءم ومصالح الدول الاستعمارية سابقًا كمفهوم السيادة Sovereignty الجوهري للاستقلال الحقيقي لأي دولة؛ إذ تحول في الستينيات والسبعينيات ليمنح دول العالم الثالث استقلالًا سياسيًا مع حرمانهم من الاستقلال الاقتصادي عبر إلزامهم بتنفيذ اتفاقيات وصفقات قد عقدت في حقبة الاستعمار الرسمي لا تزال تحمل بظلالها اليوم على هذه الدول، وهو المفهوم الذي عادت اليوم دول العالم الغربي لتعدله مرة أخرى لتؤكد مفهومًا أقوى للسيادة للحد من قوة الواردات الصينية وللحد من الهجرات من العالم الثالث، في تناقض صارخ لمفهوم السيادة الذي اقترحته هذه الدول نفسها سابقًا. ما يهمني هنا ليست هذه التغيرات بحد ذاتها، وهي التي تمت مناقشتها مرارًا في الدراسات القانونية النقدية، بل القدرة على إحداث هذه التغيرات وجعلها ممكنة من قبل الدول المهيمنة. إن منطق عملية الاستيلاء لا يقوم فقط على تغيير المعنى وإضفاء معنى آخر على المفهوم المستولى عليه، بل أيضًا على شَرطية هذا المعنى الجديد؛ أي أن الطرف الأضعف لن يتمكن من استخدام المفهوم إلا مشروطًا بالمعنى الجديد. لقد ناقش الأكاديميون القانونيون النقديون هذا التلاعب في المجال القانوني مرارًا، لكن ما أود الإشارة إليه هنا هو كيفية استخدام هذه الاستراتيجية في الحقل والخطاب السياسي أيضًا.

خطاب الإبادة وتحولاته

يشير الباحث في دراسات الإبادة الجماعية دوغلاس إريكسون إلى أن خطاب الإبادة يستخدم بشكل عام لبناء أفضلية أخلاقية على الطرف المتهم بالإبادة، لتبرير الحروب الخارجية، حيث يتم تصوير النظام الذي يمارس الإبادة عادةً بأنه لن يتوقف إلّا إذا تمت إزالته عبر قوة خارجية[4]، لكنني أود أن أشير تاليًا إلى عملية ضبط هذا الخطاب في حرب الإبادة الحالية -تمامًا كما في حالة مفهوم تقرير المصير- ليكتسب معنىً وتداعيات مغايرة عن تلك التي اقترحها إريكسون سابقًا، خاصةً وأن الخطاب بوصفه بناءً اجتماعيًا يخضع دائمًا للتشكيل وإعادة التشكيل. ولا بد من الإشارة إلى أن مصطلح الإبادة الجماعية كمفهوم قانوني قد جرى التفاوض عليه ضمن اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية عام 1948 ليستبعد -مثلًا- الإبادة الثقافية من مفهوم الإبادة الجماعية خوفًا من استخدامه ضد الولايات المتحدة والمستعمرات الاستيطانية الأخرى ضد السكان الأصليين لهذه البلاد، ولكنني سأركز على الإبادة الآن بوصفها خطابًا سياسيًا يخضع حاليًا لإعادة التشكيل في سياق حرب الإبادة في غزة.

الآن، إن الإبادة الجماعية بوصفها مفهوم قانوني-سياسي يستخدم حاليًا لوصف ما يجري في غزة، وقد استخدم سابقًا من عدد من الخبراء لوصف ما جرى في الأراضي المحتلة في النكبة عام 1948 وأيضا في غزو لبنان عام 1982 وحتى في غزة عام 2002، هو عرضةً لنفس عملية الاستيلاء والتلاعب كالمفاهيم الأخرى، وإن كانت الدول الغربية ترفض حتى اللحظة وصف ما جرى بالإبادة الجماعية؛ وذلك بسبب حمله لتداعيات كارثية على إسرائيل بسبب الإرث والتداعيات التي يحملها هذا الخطاب كما بيّن إريكسون بالفعل، ولكننا نشهد اليوم جاهزيةً أكبر في هذه الدول لقبول هذا المصطلح لوصف ما فعلته إسرائيل في غزة، خاصةً في الولايات المتحدة وفي الأوساط السائدة في الحزب الديموقراطي، مع تصاعد المجموعات الليبرالية اليهودية التي أصبحت تتبنى، أو على الأقل تميل إلى، هذا المصطلح بشكل واسع مؤخرًا، وهي المجموعات التي دعمت سابقًا ما فعلته إسرائيل في غزة وانتظرت حتى النهاية (ما يقارب العامين) لتبدأ بتبني لهجة أكثر نقدًا والتوجه نحو خطاب الإبادة، ومن هذه المجموعات اللوبي الصهيوني الليبرالي J Street، وهو اللوبي الصهيوني الأكبر في الولايات المتحدة بعد، والمنافس المباشر لمنظمة AIPAC، وغيرها العديد من المنظمات والشخصيات اليهودية الصهيونية في الغرب وتحديدًا في الولايات المتحدة؛ إذ تشير معظم التقديرات الحالية إلى معارضة الغالبية الكبرى من اليهود الصهاينة وغير الصهاينة خارج إسرائيل لجرائم إسرائيل في غزة، في انقسام متزايد بين الصهاينة في إسرائيل والصهاينة الليبراليين خارج إسرائيل من غير الواضح إلى أين يتجه. بينما تشير الناشطة اليهودية الأمريكية سيمون تسيمرمان إلى أن هذا التحول في موقف اليهود الليبراليين الصهاينة في الولايات المتحدة قد حدث انسجامًا مع التيار الديموقراطي المعارض للحرب وتنتقد هذا التحول لتأخره وتأقلمه مع التيار عوضًا عن قيادة هذا التحول مبكرًا،[5] إلا أنني أعتقد أن هذا الطرح يفتقر إلى شيء من الدقة؛ إذ يهدف هذا التحول برأيي إلى توجيه بوصلة هذا التيار المناهض للحرب ولإسرائيل داخل الأوساط الديموقراطية لتتلاءم مع توجهاتهم الليبرالية الصهيونية ومع المشروع الصهيوني بشكل عام بدلًا من أن تنجرف نحو توجهات معادية للصهيونية، وهو ما كان سيحدث لو كان المعادون للصهيونية من اليهود وغير اليهود هم الوجه الأبرز لخطاب الإبادة، وهو ما حدث منذ بداية الحرب حتى بدء هذا التحول المذكور؛ إذ لا يهدف هذا التحول بين الصهاينة الليبراليين إلى تبني  خطاب الإبادة كما تم استخدامه منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في الأوساط المعادية للصهيونية -اليهودية وغير اليهودية- بوصفها مشروع استعماري استيطاني عنصري، بل تحديدًا إلى الاستيلاء على هذا الخطاب والتلاعب به، بوصف الإبادة التي تقوم بها الحكومة الحالية تتعارض مع القيم اليهودية التي تلتزم بها إسرائيل وتسيء إلى إسرائيل نفسها، وبوصفها تجاوزًا “للحد المقبول” أو “الحرب العادلة”؛ إذ يغيب من هذه النسخة الجديدة من خطاب الإبادة أي حضور للفلسطينيين، اللهم باستثناء كونهم ضحايا يستحقون التعاطف لا أكثر. ومن هذا المنطلق يستولي هؤلاء الصهاينة الليبراليين على خطاب الإبادة الجماعية ويتلاعبون به، أي لحماية مستقبل إسرائيل كدولة يهودية عنصرية من انهيارها بفعل تصرفاتها المجنونة، وهو ما عبر عنه أحد الحاخامات الأمريكيين الذي تحدث في مظاهرة معارضة للحرب الإسرائيلية على غزة، واصفًا تصادف موعد المظاهرة مع موعد لحاق ابنه بالجيش الإسرائيلي قائلًا “إن مصلحتي في مستقبل إسرائيل كدولة ديمقراطية ذات جيش أخلاقي أصبحت أكبر من أي وقت مضى”[6]. ومن هذا المنطلق يمكننا فهم ممارسات عديدة تهدف إلى حماية إسرائيل من حكومتها الحالية، كالاستيلاء على خطاب الإبادة وحتى اعتراف عدد من الدول الغربية مؤخرًا بالدولة الفلسطينية غير الموجودة على أرض الواقع؛ إذ يهدف هذا كله إلى حماية إسرائيل من جنونها لا أكثر.

 بعبارة أخرى، إن هذا التحول في موقف الصهاينة خارج إسرائيل (ذوي التوجه الليبرالي غالبًا) قد خلق جاهزيةً في الدول الغربية لتبني خطاب الإبادة الجماعية، وهو ما يوضحه الموقف الذي ذكرته في المقدمة، ولكن المهم هنا هو أن الهدف والمعنى (المضمون) الذي يكتسبه خطاب الإبادة هنا مختلف تمامًا عن معناه وهدفه السابق، إذ يهدف هنا تحديدًا إلى حماية إسرائيل عوضًا عن إزالة الشرعية عنها.

خاتمة: إعادة إحياء الرواية وحدود تحول النظام الدولي

إن استخدام خطاب الإبادة في غزة، على الرغم من أهميته، قد يستخدم بشكل موازٍ للقول بأن إسرائيل “تجاوزت الحدود” في غزة؛ ما يوحي بدوره أن الجرائم الإسرائيلية الاستعمارية من عنصرية يهودية داخل إسرائيل وفصل عنصري واحتلال في الضفة الغربية وغزة هي جرائم “مقبولة”. لا يعني هذا بأي حال من الأحوال القول بالتخلي عن وصف ما يجري في غزة (واحتمالًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية) بالإبادة الجماعية؛ بل ما أهدف إليه هنا هو التنبيه على أهمية الرواية التي تقف خلف هذا الخطاب بوصفها الأساس الذي من خلاله ” نتعرف على العالم الاجتماعي ونفهمه وندرك معناه.. ونشكل هوياتنا الاجتماعية”[7] وضرورة موضعة خطاب الإبادة الجماعية بوصف حرب الإبادة الحالية جزءًا من الإبادة الهيكلية Structural Genocide التي تميز منطقًا مستمرًا لمشروعات الاستعمار الاستيطاني بشكل عام (أي ضمن برادايم الاستعمار الاستيطاني)، كما نظّر لذلك المفكر الأسترالي الراحل باتريك وولف[8]، وذلك لضمان عدم تعرض هذا الخطاب للاستيلاء والتلاعب ليعيد إنتاج نفس أشكال الظلم التي حاربها الفلسطينيون لأكثر من مئة عام. لكن المصيبة الآن تكمن في عدم وجود رواية فلسطينية موحدة منذ أن تخلت منظمة التحرير الفلسطينية ضمن اتفاقية أوسلو عن برادايم الاستعمار الاستيطاني وتبنت برادايم القوميتان المتنازعتان Two Conflicting Nationalities المعرقن والذي حول الصراع إلى “نزاع” بين قوميتين متساويتين[9]، بالإضافة إلى تخليها عن فلسطينيي الداخل والشتات؛ ما خلق روايات مختلفة باختلاف الواقع المعاش لمختلف فئات الشعب الفلسطيني دون وجود رواية كبرى Meta-Narrative لمواجهة الرواية الصهيونية، وهو ما يضاعف المشكلة أكثر وأكثر.

في النهاية، وعودةً على الفقرة الافتتاحية، أود الإشارة إلى ربط قد يبدو غير واضحًا ولكنني أعتقد أن هذا الطرح عن حالة غزة وخطاب الإبادة يقود إلى اعتبارها ممثلةً عن الحديث عن نظام دولي جديد؛ إذ وعلى الرغم من كل التحولات السياسية التي يشهدها العالم، وهي التي كثيرًا ما وصلت مراحل متقدمة من الأزمة، سواء الآن أو في مراحل سابقة، إلا أن النظام القائم والظلم الكامن فيه غالبًا ما يجد طريقه إلى الاستمرار بطريقة أو بأخرى، حتى مع حدوث تحولات شكلية فيه، تمامًا كما عاودت غزة لتصبح مسألة مساعدات إنسانية مع استمرار الاحتلال والوصاية ومع إمكانية السيطرة على خطاب الإبادة ليتلاءم مع أشكال الظلم الاستعماري التي يقبع تحتها الفلسطينيون منذ عقود، وكما تم ضبط مفاهيم مثل تقرير المصير والسيادة قبل ذلك لضمان عدم اندلاع الأزمة في النظام الدولي القائم، هذا الحديث يكتسب أهمية خاصة اليوم عند الأخذ بعين الاعتبار بأن التوقعات المبدئية في الولايات المتحدة اليوم تشير إلى فوز متوقع للديموقراطيين في الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي[10].


[1] Starr, Michael. “After Debate Backlash, California Democrat Scott Wiener Says Israel Carried Out ‘Genocide’ in Gaza.” The Jerusalem Post, January 12, 2026. https://www.jpost.com/diaspora/antisemitism/article-883048.

[2] Calculli, M. (2021). Self-determination: the story of the liberal appropriation of a socialist principle. In E. Fassi & V. E. Parsi (Eds.), The Liberal World Order and Beyond (pp. 137-149). Milan: Vita&Pensiero. Retrieved from https://hdl.handle.net/1887/3223097.

[3] مقتبس في Massad, Joseph. “Against Self-Determination.” Humanity: An International Journal of Human Rights, Humanitarianism, and Development 9, no. 2 (2018): 161-191. https://dx.doi.org/10.1353/hum.2018.0010.

[4] Irvin-Erickson, Douglas. “Genocide Discourses: American and Russian Strategic Narratives of Conflict in Iraq and Ukraine.” Politics and Governance 5, no. 3 (2017): 130–45. https://doi.org/10.17645/pag.v5i3.1015.

[5] Zimmerman, Simone. “Rhetoric Without Reckoning: A New Wave of Liberal Zionist Criticism of the Israeli Government Rings Hollow without Accountability for the Genocide.” Jewish Currents, August 22, 2025. https://jewishcurrents.org/rhetoric-without-reckoning.

[6] مقتبس في المصدر السابق.

[7] Somers, Margaret R., and Gloria D. Gibson. “Reclaiming the Epistemological ‘Other’: Narrative and the Social Constitution of Identity.” In Social Theory and the Politics of Identity, edited by Craig Calhoun, 37–99. Oxford: Blackwell Publishers, 1994.

[8] Wolfe, Patrick. 2006. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research 8 (4): 387–409. doi:10.1080/14623520601056240.

[9] Wallach, Yair. 2023. “The Racial Logic of Palestine’s Partition.” Ethnic and Racial Studies 46 (8): 1576–98. doi:10.1080/01419870.2022.2151845.

[10] Wikipedia contributors, “2026 United States elections,” Wikipedia, The Free Encyclopedia, https://en.wikipedia.org/w/index.php?title=2026_United_States_elections&oldid=1333841486 (accessed January 20, 2026).

زر الذهاب إلى الأعلى