الأزمة اليمنية الجنوبية: التنافس السعودي-الإماراتي ومستقبل القضية الجنوبية

- يتناول المقال الأهمية الجيوسياسية للجنوب اليمني بوصفه عقدة استراتيجية للتحكم بالموانئ والممرات البحرية المرتبطة بتجارة الطاقة العالمية، ما جعله ساحة تنافس إقليمي مباشر بين قوى تسعى لترسيخ نفوذها الأمني والاقتصادي.
- يحلل المقال الجذور التاريخية للأزمة الجنوبية الممتدة منذ ما بعد وحدة عام 1990، مركزًا على فشل الدولة المركزية في استيعاب التعدد السياسي والمناطقي، وتحول الجنوب إلى مساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية في ظل غياب مشروع وطني جامع.
- يتناول المقال تداعيات الحرب اليمنية منذ عام 2015 في إعادة إحياء تطلعات الجنوبيين للانفصال أو الحكم الذاتي، خصوصًا مع تصاعد التنافس السعودي–الإماراتي على النفوذ في المحافظات الجنوبية.
- يحلل المقال التنافس السعودي–الإماراتي في جنوب اليمن وانعكاساته على استقرار المنطقة، موضحًا اختلاف أهداف الطرفين بين دعم الشرعية والحفاظ على الاستقرار من جهة، والسعي لتعزيز النفوذ المباشر عبر الحلفاء المحليين والموانئ من جهة أخرى.
- يتناول المقال البنية الداخلية المعقدة للقوى الفاعلة في الجنوب من خلال عرض تعدد التشكيلات العسكرية والسياسية وغياب كيان موحد، بما يفسر هشاشة السلطة المحلية وصعوبة إعادة بناء دولة مركزية فاعلة.
- يحلل المقال تأثير السياقات الإقليمية والدولية على مسار الأزمة الجنوبية، خاصة أدوار الإمارات والولايات المتحدة والقوى الدولية في قضايا الملاحة البحرية ومكافحة الإرهاب وتوازن النفوذ في البحر الأحمر وباب المندب.
- يتناول المقال سيناريوهات مستقبل القضية الجنوبية بين استمرار الوحدة، والفيدرالية، والانفصال، وعودة الصراع، مؤكدًا أن غياب تسوية شاملة سيبقي الجنوب ساحة مفتوحة لإدارة الأزمات بدل حلها جذريًا.
يحظى الجنوب اليمني بأهمية جيوسياسية كبيرة ، لا تنبع فقط من قربه من خطوط الملاحة الدولية، بل من كونه عقدة استراتيجية للتحكم بالموانئ والممرات البحرية المرتبطة بتجارة الطاقة العالمية. هذا البعد الجغرافي جعل الجنوب ساحة تنافس إقليمي مباشر، حيث تتقاطع فيه مصالح قوى تسعى إلى تثبيت نفوذها الأمني والاقتصادي، و لا يمكن فهم الأزمة الجنوبية اليوم بمعزل عن جذورها التاريخية والسياسية الممتدة منذ مرحلة ما بعد الوحدة اليمنية عام 1990[1]، حين فشلت الدولة المركزية في بناء مؤسسات قادرة على استيعاب التعدد السياسي والمناطقي. ومع تعاقب الحكم، تحوّل الجنوب إلى مساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية، مستفيدًا من ضعف الاجزاء الجنوبية والشمالية ، وغياب مشروع وطني موحد؛ فقد أعادت الحرب المستمرة منذ عام 2015 إحياء تطلعات الجنوبيين للانفصال أو لنظام حكم خاص، خاصة في ظل تصاعد التنافس السعودي-الإماراتي على النفوذ في جنوب اليمن. هذا التنافس، وما نتج عنه من ترتيبات عسكرية وسياسية، ترك أثرًا على المشهد الجنوبي وساهم في إعادة رسم خريطة القوى الفاعلة فيه. حيث أن العديد من الفاعلين المحليين، وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي الجنوبي وبعض التشكيلات السلفية، يعملون ضمن هوامش ضيقة من الاستقلالية، وغالبًا ما يرتبط أداؤهم بأجندات إقليمية تتجاوز المصالح المحلية، الأمر الذي يعقّد أي محاولة لإعادة بناء سلطة مركزية فاعلة.
مع مطلع عام 2026، طرأت تطورات سياسية لافتة على المشهد اليمني، أبرزها التغييرات التي شهدتها الحكومة الشرعية، بما في ذلك استقالة رئيس الوزراء وتكليف وزير الخارجية شايع الزنداني بتشكيل الحكومة[2]. تعكس هذه الخطوة مسعى لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية ومحاولة استعادة زمام المبادرة السياسية. في هذا السياق، برزت أزمة المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفها أحد المؤشرات الدالة على هشاشة الجنوب، مع تصادم الديناميات الداخلية وخروج بعض القيادات إلى الخارج، مقابل ارتفاع اصوات مؤيدة لفكرة الانفصال[3]. ويكشف هذا التناقض بين التفكك القيادي والدعم الشعبي عن أزمة أعمق تتجاوز الأشخاص، وتمس طبيعة المشروع السياسي نفسه وحدود قدرته على التحول إلى كيان مستقر اي الرجوع الى ما كان سابقًا.
تركز هذه الورقة على تقديم تقدير موقف تحليلي شامل للأزمة الجنوبية في اليمن، مع تسليط الضوء على محورين رئيسيين: الأول يتعلق بالتنافس بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وتأثيره المباشر على جنوب اليمن، والثاني يتناول مستقبل القضية الجنوبية وإمكانية الانفصال في ظل الظروف الراهنة. كما تتناول الورقة بشكل متكامل الجوانب المكملة لهذه القضية، بما في ذلك البنية الداخلية للقوى الجنوبية، والسياقات الإقليمية والدولية المؤثرة، إلى جانب الأبعاد الديمغرافية والاقتصادية والدينية في الجنوب اليمني.
التنافس السعودي-الإماراتي في الجنوب اليمني وانعكاساته
شكلت السعودية و الإمارات العمود الاساسي للتحالف الإقليمي الذي تدخل في اليمن عام 2015 لمواجهة جماعة الحوثي، حيث شهدت السنوات الأخيرة من الحرب في اليمن تصاعد التنافس بينهما على النفوذ في الجنوب اليمني، حيث ركزت السعودية بشكل رئيسي على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والحفاظ على استقرار حدودها الجنوبية، معتبرةً محافظتي حضرموت والمهرة مناطق استراتيجية حيوية لضمان الأمن القومي، بما يشمل حماية خطوط النفط والممرات البحرية المهمة. وفي المقابل، تبنت الإمارات سياسة أوسع نطاقًا من الدعم العسكري المباشر، حيث عملت على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وفصائل محلية بهدف تعزيز نفوذها في الموانئ والمناطق الساحلية، وتثبيت وجود طويل الأمد يمكن أن يمكّنها من لعب دور مؤثر على الأرض، بما في ذلك السيطرة على سواحل وجزر استراتيجية. أدى هذا النهج إلى تباين واضح في الأهداف، إذ ركزت الرياض على الاحتواء والحفاظ على الاستقرار عبر الحكومة اليمنية، بينما سعَت أبوظبي إلى تعزيز حضورها المباشر على الأرض من خلال حلفاء محليين.
تصاعد التنافس إلى العلن في ديسمبر/كانون الأول 2025 عندما حاول المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم إماراتي، توسيع سيطرته على حضرموت والمهرة، ما دفع السعودية إلى التدخل العسكري المباشر، وفرض انسحاب القوات الإماراتية من تلك المناطق وإعادة ترتيب القوى المحلية بما يضمن نفوذ الرياض. هذه التحركات أعادت التأكيد على أن السعودية، بوصفها الفاعل الإقليمي الرئيسي، تحرص على أن تظل السياسات العسكرية والسياسية في الجنوب تحت إشرافها المباشر، بينما تواجه الإمارات قيودًا متزايدة على قدرتها في توسيع نفوذها بشكل مستقل.هذا التنافس بين الدولتين انعكس مباشرة على استقرار الجنوب اليمني، حيث أدت التوترات إلى تعزيز انقسامات السلطة المحلية، وزيادة اعتماد الفصائل على الدعم الخارجي، مع استمرار الحاجة إلى ترتيب سياسي وأمني موحد يضمن سيادة الحكومة اليمنية واستقرار المنطقة[4].
البنية الداخلية للقوى الفاعلة في الجنوب
يمثل الجنوب اليمني نموذجًا لتعدد القوى الفاعلة وتنوع الهياكل العسكرية، وهو انعكاس مباشر للحرب الطويلة وتحولات الصراع على النفوذ منذ عام 2015. اذ لا يوجد اليوم هيكل جنوبي موحد يقود المشهد سياسياً وعسكرياً، بل تتداخل في الفضاء الجنوبي عدة كيانات مسلحة ذات ولاءات مختلفة ومتباينة، ومعظمها يعتمد على دعم خارجي حيث كان عاملًا محوريًا في بروزها وتوسعها. هذه البنية المعقدة تحدد طبيعة الصراع الداخلي وتؤثر في مسارات الاستقرار والتفاوض السياسي.
أبرز هذه القوى هو المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس في مايو 2017 [5]وارتبط في بدايته بدعم إماراتي واضح، وهو يحظى بنفوذ واسع في المحافظات الجنوبية. يطرح المجلس شعار استعادة دولة الجنوب كما كانت قبل وحدة اليمن عام 1990، وقد نجح في توظيف شعور واسع لدى قطاعات من السكان الجنوبيين الذين يعتبرون أنفسهم مهمشين تاريخياً. يمتلك المجلس جناحًا عسكريًا كبيرًا يضم تشكيلات مثل قوات الحزام الأمني في عدن ولحج وأبين، فضلاً عن قوات النخبة الشبوانية والحضرمية التي أسهمت في استعادة الأمن من تنظيم القاعدة في بعض المحافظات. هذه القوى المتعددة لم تتطور إلى جيش وطني مندمج، بل ظلت عبارة عن تشكيلات محلية مناطقية تعتمد على ولاءات قبلية ومناطقية، وهو ما يجعل بنية المجلس العسكرية مجزأة وأكثر ارتباطًا بميليشيات محلية من ارتباطها بهيكل مركزي موحد. ومع أن المجلس يشارك سياسيًا ضمن السلطة اليمنية عبر مجلس القيادة الرئاسي، فإن اعتماده الأساسي ظل على الدعم الخارجي، خصوصًا الإماراتي، وهو ما يطرح تساؤلات حول استدامة تماسكه في حال غياب ذلك الدعم.
وتشكل ألوية العمالقة السلفية أحد أبرز التشكيلات العسكرية في الجنوب، وقد نشأت بدعم وتسليح إماراتي خلال معارك الساحل الغربي بين 2017 و2018، وبرزت كقوة قتالية مؤثرة في مواجهة جماعة الحوثي. تتألف هذه القوات في الغالب من مقاتلين ذوي توجه سلفي، وتستند قوتها على الانضباط العسكري والعقيدة الدينية المعادية للحوثيين. رغم مشاركتها في الساحة السياسية عبر تعيين بعض قائدها في المناصب الرسمية، إلا أنها ظلت إلى حد كبير قوة عسكرية مستقلة ويمكن اعتبارها جزءًا من الشبكة الأوسع للدعم الإماراتي في الجنوب. حضور ألوية العمالقة أضاف بُعدًا أيديولوجيًا للمشهد، حيث يجتمع فيها بنية عسكرية وبينية دينية ترتبط بها قواعد شعبية معينة[6]
من جانب آخر، ظهرت قوات المقاومة الوطنية/حراس الجمهورية التي يقودها العميد طارق محمد صالح، وهي قوة ضمت عناصر كانت سابقًا ضمن وحدات الجيش أو الحرس الجمهوري السابق. على الرغم من أن تمركزها الأساسي كان في منطقة المخا (ساحل تعز الغربي) إلا أن لها تأثيرًا على البيئة الجنوبية من خلال التنسيق مع المجلس الانتقالي والإمارات، وخاصة في مهام أمنية لوجستية مثل تأمين السواحل والموانئ، مما يجعلها لاعبًا ثالثًا في المشهد العسكري الداخلي.
إزاء ذلك، شكلت قوات”درع الوطن” التي أُنشئت عام 2023 تحت إشراف سعودي، محاولة من الرياض لبناء قوة محلية موالية لها في الجنوب ضمن هيكل رسمي يتبع وزارة الدفاع اليمنية. استطاعت هذه القوة جذب عناصر محلية وتنظيمها في وحدات عسكرية هدفها توفير ثقل أمني موالٍ للحكومة اليمنية في المحافظات الجنوبية، خاصة مع تراجع نفوذ المجلس الانتقالي في بعض المواقع. كما أن وجود هذه القوات ضمن شرعية مؤسساتية يمنية يعكس رغبة السعودية في إعادة دمج القوى المحلية ضمن هيكل حكومي موحد بدل الاعتماد على التشكيلات الخارجة عن الإطار الرسمي [7]
إلى جانب هذه الكيانات الرئيسية، توجد قوات محلية وقبلية أخرى تلعب دورًا مهمًا، مثل قوات في المهرة المرتبطة بالروابط القبلية مع سلطنة عُمان، أو وحدات عسكرية مستقلة في وادي حضرموت، فضلاً عن وجود تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (AQAP) الذي حافظ على وجود فعال في المناطق الريفية والنائية في الجنوب ويستغل الفراغات الأمنية لشن عمليات. كما هناك مكونات سياسية جنوبية مدنية لها حضور محدود مقارنة بالقوى المسلحة الأكثر تأثيرًا.
مجمل هذه التعقيدات يعكس أن الجنوب اليمني يفتقر إلى كيان سياسي أو عسكري موحد يمكنه فرض سلطة مركزية وقيادة متجانسة. بدلاً من ذلك، تنتشر العديد من مراكز النفوذ التي تستند إلى دعم خارجي، الأمر الذي أضعف مؤسسات الدولة الرسمية، وأدى إلى تشظٍ في النفوذ والسلطة داخل المجتمع الجنوبي، بينما يبقى هناك مستوى من التعايش الاجتماعي والتماسك الثقافي بين السكان رغم الانقسامات السياسية والعسكرية.
السياقات الإقليمية والدولية وتأثيرها على مسار الأزمة
لا يمكن دراسة الأزمة الجنوبية في اليمن بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، إذ يمثل الجنوب اليمني، باعتباره منطقة استراتيجية على البحر الأحمر وباب المندب، ساحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. تترابط هذه المصالح مع التحولات الجيوسياسية في المنطقة العربية والقرن الأفريقي، مما يجعل فهم مسار الأزمة مرتبطًا بالتحولات الخارجية بقدر ارتباطه بالعوامل الداخلية.
دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد وجدت في الجنوب اليمني مجالًا لتحقيق أهداف تتجاوز دعم الشرعية، حيث تسعى إلى ترسيخ نفوذ استراتيجي على الموانئ والممرات البحرية الحيوية في المنطقة. وقد أتاح تواجدها العسكري وحلفاؤها السيطرة على موانئ عدن والمكلا وجزيرة سقطرى، بالإضافة إلى إقامة قواعد عسكرية واتفاقيات تعاون مع القوى الجنوبية، وبشكل خاص المجلس الانتقالي. كما تبنت أبوظبي أجندة معارضة لتوسّع الإسلاميين السياسيين، مستغلة التحالف مع القوى الجنوبية المناهضة لحزب الإصلاح للحد من نفوذ الإخوان المسلمين. وقد حافظت الإمارات على وجود استخباراتي واقتصادي طويل الأمد في الجنوب حتى بعد تقليص الوجود العسكري المباشر عام 2019[8]
على المستوى الدولي، لعبت الولايات المتحدة والدول الغربية دورًا غير مباشر لكنه مؤثر، خصوصًا في مكافحة الإرهاب وتأمين خطوط الملاحة الدولية. فقد دعمت واشنطن التحالف العربي في مراحله المبكرة لوجستيًا واستخباراتيًا، ونفذت عمليات ضد تنظيم القاعدة بالتنسيق مع الإمارات والحكومة الشرعية. كما مارست ضغوطًا على حلفائها الخليجيين لإنهاء الحرب، مع التأكيد على وحدة اليمن، بينما أقرت بضرورة معالجة مظالم الجنوب ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية.
إسرائيل، رغم محدودية دورها المباشر، أبدت اهتمامًا بالجنوب اليمني في سياق اتفاقيات التطبيع (اتفاقات أبراهام 2020)، خصوصًا فيما يتعلق بالموانئ والجزر الاستراتيجية. ويأتي هذا الاهتمام لضمان الأمن البحري للبحر الأحمر وباب المندب، ولفتح إمكانيات لشريك إقليمي محتمل لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
تشكل العوامل الديمغرافية والاقتصادية والدينية في الجنوب اليمني عناصر أساسية لفهم مسار الأزمة. هذه الأبعاد تحدد الضغوط على السكان والموارد، وتشكل الإطار الاجتماعي والسياسي الذي تتحرك ضمنه الفصائل المحلية، مما يؤثر بشكل مباشر على فرص الاستقرار أو التصعيد في المستقبل.
البعد الديمغرافي والتحليل السياسي
إلى جانب البعد الإقليمي، يفرض العامل الديمغرافي نفسه كمتغير ضاغط في معادلة الاستقرار، إذ يسهم النمو السكاني المتسارع اذ بلغ في نهاية العقد الاخير من القرن العشرين الى حوالي 3.5%، مما أدى إلى مضاعفة عدد السكان كل 24 عام[9] ،وهذا يشكل ضغطًا مستمرًا على البنية السياسية والاجتماعية. حيث تفرض تحديات على توزيع الموارد، الخدمات، وفرص العمل، ما يجعل أي تجربة انفصالية أو حكم ذاتي تواجه خطر الاحتقان الاجتماعي . هذا يعني أن أي قيادة جنوبية ترغب في الانفصال أو إدارة الحكم الذاتي بحاجة إلى استراتيجيات شاملة للتوظيف، الإسكان، والتعليم، وإلا ستتفاقم حالة الاستياء الاجتماعي، ما يفتح المجال أمام التنظيمات المسلحة أو الجماعات المتطرفة لاستغلال هذه الضغط.
النزوح الداخلي من الشمال يزيد من تعقيد المشهد الديمغرافي والسياسي، إذ يولد توترات بين السكان المحليين والمهاجرين الجدد، ما قد يفاقم الانقسامات السياسية القائمة بين الفصائل الجنوبية المختلفة. التحليل هنا يشير إلى أن “ورقة الديمغرافيا” ليست مجرد عامل اجتماعي، بل أداة ضغط سياسي يمكن أن يستخدمها قادة جنوبيون لتعزيز نفوذهم، أو من قبل التحالفات الإقليمية للحد من توسع سلطة أي كيان مستقل.
البعد الاقتصادي والتحليل الاستراتيجي
رغم وفرة الموارد الطبيعية في الجنوب، فإن الصراع المستمر أعاق استغلالها بشكل مستدام. هذا الوضع يجعل الجنوب الاقتصادي هشًا، وبالتالي أي مشروع انفصال سيظل محدود الاستقلالية الفعلية ما لم يتم تأمين مصادر تمويل واستثمارات خارجية كبيرة.
تحليل البعد الاقتصادي يظهر أن الموارد يمكن أن تكون أداة قوة أو ضعف: فهي تمنح الأطراف الجنوبية قدرة تفاوضية مع التحالف العربي أو المجتمع الدولي، لكنها في الوقت ذاته تشكل هدفًا للصراعات الداخلية والخارجية، إذ يسعى كل طرف للسيطرة على الثروات لضمان النفوذ السياسي. لذلك، أي تقييم لمستقبل الجنوب يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قدرة قياداته على إدارة هذه الموارد، تأمينها، واستثمارها في مشاريع تنموية تقلل من الاعتماد على الدعم الخارجي.
البعد الديني والاجتماعي والتحليل السياسي
التنوع الديني في الجنوب يشكل عنصرًا مزدوج التأثير: يمكن أن يكون أداة توحيد ضد تهديد مشترك، مثل الحوثيين أو تيارات الإخوان المسلمين، لكنه في الوقت نفسه يمثل عاملًا للتوتر الداخلي إذا انحرفت بعض التيارات السلفية نحو التشدد أو الصراع مع القوى العلمانية الجنوبية.
تحليل البعد الديني يوضح أن أي قيادة جنوبية ستحتاج إلى استراتيجية لإدارة هذا التنوع، بحيث يُستثمر الدين كعامل توحيد وليس كأداة للصراع الداخلي. الفشل في إدارة الدين والمذهب في الجنوب قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات السياسية والاجتماعية، ويضعف قدرة الجنوب على بناء مؤسسات دولة مستقرة، سواء كانت انفصالية أو ضمن إطار فيدرالي موحد مع الشمال.
مستقبل القضية الجنوبية وخيار الانفصال
تواجه التسويات السياسية المرتقبة في المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة الأطراف على تحقيق شراكة عادلة بين الشمال والجنوب أو مواجهة سيناريو الانفصال. يعتمد تحقق أي خيار على مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، بما في ذلك المعطيات السياسية، الاقتصادية، الديمغرافية، العسكرية، والمواقف الإقليمية والدولية.
أولًا: استمرار الوحدة في شكلها الحالي : في هذا السيناريو، يبقى الجنوب ضمن دولة يمنية موحدة تحت إشراف مجلس القيادة الرئاسي أو أي صيغة حكم مركزي. عمليًا، يعني هذا استمرار الوضع الراهن، حيث يشارك المجلس الانتقالي وقوى جنوبية أخرى ضمن هيكل سياسي محدود النفوذ، في حين يسيطر الحوثيون على الشمال وصنعاء. يمثل هذا الخيار حلًا مرحليًا لبعض الأطراف الإقليمية، مثل السعودية، التي قد ترى فيه وسيلة لتجنب تصعيد الصراع مع الحوثيين قبل التوصل إلى تسوية شاملة. ومع ذلك، قد يؤدي استمرار الوضع الراهن إلى إحباط شعبي في الجنوب، خصوصًا أن الإدارة الحالية في عدن لم تقدم تحسينات اقتصادية أو خدمية ملموسة، مما قد يزيد من المطالب الانفصالية على المدى المتوسط .
ثانيًا: الفيدرالية أو الكونفيدرالية كحل وسط: تُطرح الفيدرالية أو الكونفيدرالية كخيار للتوفيق بين وحدة الدولة اليمنية وطموحات الحكم الذاتي للجنوب. يقترح مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014) تقسيم اليمن إلى أقاليم متعددة الصلاحيات، بما يشمل إقليمين أو أكثر في الجنوب، بحيث يتم منح إدارة محلية واسعة ضمن إطار اتحادي. هذا الخيار يحظى بقبول جزئي لدى بعض القيادات الجنوبية، حيث يوفر درجة من الحكم الذاتي دون تفكيك الدولة رسميًا. ويكتسب هذا السيناريو دعمًا إقليميًا ودوليًا لأنه يحافظ على وحدة الدولة، ويتيح للمجتمع الدولي مراقبة تطبيق الاتفاقات. ومع ذلك، تواجه الفيدرالية تحديات عملية تتعلق بتوزيع الموارد، الثقة بين الأطراف الشمالية والجنوبية، وضمان الالتزام بالاتفاقات لفترات طويلة.
ثالثًا: الانفصال وإعلان دولة جنوبية مستقلة : يمثل هذا السيناريو الهدف المعلن للمجلس الانتقالي الجنوبي، ويقصد به استعادة دولة الجنوب السابقة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) مع تعديلات محتملة في الحدود. ويواجه الانفصال عدة عقبات رئيسية: اولًا، المعارضة الإقليمية والدولية لأي تفكيك لدولة عربية بالقوة، بما في ذلك موقف السعودية، الشرعية اليمنية، والأمم المتحدة؛ ثانيًا، التشتت الداخلي بين محافظات الجنوب وحساسية حضرموت والمهرة تجاه مركزية عدن؛ ثالثًا، الحاجة إلى قدرة عسكرية وسياسية على فرض السيطرة على الأرض؛ رابعًا، ضرورة بناء مؤسسات قوية لضمان استقرار الدولة الجديدة في ظل ضعف الاقتصاد والبنية التحتية وعلى الرغم من هذه التحديات، يظل الانفصال احتمالًا طويل المدى إذا فشلت جهود التسوية وتحسنت قدرات المجلس الانتقالي داخليًا وإقليميًا.
رابعًا: عودة الصراع الشمالي-الجنوبي : يُعد هذا السيناريو الأسوأ، إذ قد يؤدي انهيار التفاهمات الحالية إلى تجدد الحرب بين الشمال والجنوب، أو تصاعد صراع ثلاثي الأطراف يشمل الحوثيين، القوات الشرعية، والجماعات المسلحة أو الجهادية. ويمكن أن تتفاقم الأزمة في حال عجزت الأطراف عن إدارة التوترات الداخلية، ما يؤدي إلى تفكك الجنوب إلى مناطق نفوذ متعددة، وزيادة احتمالات النزوح والدمار الاقتصادي .
لربما، تبين هذه الورقة أن الأزمة اليمنية الجنوبية ليست مجرد ديناميات داخلية، بل هي نتاج تفاعل العوامل المحلية والإقليمية والدولية. اذ يعكس الواقع الحالي هشاشة الدولة المركزية، وتعدد الفواعل المحلية، وتداخل مصالح القوى الإقليمية الكبرى، وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة بناء سلطة مركزية قوية أمراً قد يعتبر صعب المنال على المدى القريب اذ ما توحدت الاطراف الداخلية متجه نحو سيناريو احتواء الازمة والانتقال الى مشروع موحد. حيث تستند السيناريوهات إلى الدروس المستفادة من تاريخ الوحدة اليمنية والانفصال الجزئي عام 1994، والتي أظهرت أن أي محاولة للسيطرة على الجنوب أو إعادة دمجه تواجه تحديات هيكلية تتعلق بالهوية السياسية، والولاءات المحلية، والتدخلات الإقليمية. على هذا الأساس، من المرجح أن يستمر الجنوب في كونه ساحة تنافس على النفوذ متعدد المستويات، مع اعتماد الأطراف على تسويات جزئية، أو إدارة الأزمات بشكل مرحلي، دون تحقيق مشروع سياسي شامل ومستدام.
في الختام، يظل الوضع في جنوب اليمن اختبارًا مركبًا لإرادة اليمنيين وصدق نوايا القوى الإقليمية والدولية. لقد أثبتت السنوات الماضية أن التعامل مع الجنوب كملف تابع أو ورقة تفاوضية يفاقم الشعور بالظلم لدى أبنائه ويديم عدم الاستقرار. كما برهنت أن التنافس السعودي الإماراتي، مهما كانت دوافعه، لا رابح فيه على المدى البعيد؛ فقد أضر بتحالف الطرفين وأضعف موقفهما أمام خصومهما المشتركين، والأهم أنه فاقم معاناة الشعب اليمني ومزّق نسيجه أكثر. إن الفرصة ما زالت سانحة لتصحيح المسار عبر تبني مقاربة جديدة تضع مصلحة اليمنيين أولًا. مقاربة تؤسس لجنوب آمن ومزدهر يتمتع أبناؤه بحقوقهم، سواء في ظل دولة اتحادية عادلة أو كيان مستقل يحظى بجوار مستقر. وفي كل الأحوال، يحتاج صناع القرار إلى رؤية أبعد من المكاسب التكتيكية قصيرة المدى، لأن استمرار اليمن ممزقًا وضعيفًا يشكل قنبلة موقوتة في خاصرة الجزيرة العربية لن يسلم من شظاياها أحد. إن أبناء الجنوب الذين أظهروا قدرًا كبيرًا من الصبر والصمود يستحقون حلًا تاريخيًا ينصف تضحياتهم وتطلعاتهم، وفي الوقت عينه يجنب منطقتهم دوامة حروب جديدة. تحقيق ذلك يتطلب حكمة وتنازلات متبادلة وشراكة صادقة بين القيادات اليمنية وبرعاية مسؤولة من الأشقاء والقوى الدولية. هكذا فقط يمكن تحويل الجنوب اليمني من ساحة صراع إلى ركيزة استقرار تخدم مصالح شعبه وجواره والعالم بأسره.
[1] الدكتور عبد القادر الخلي، “الوحدة اليمنية بين الإرادة التاريخية ومقتضيات المراجعة”، اليمني الجديد، 20 مايو 2025،انظر: https://2u.pw/b1eEw
[2] “استقالة سالم بن بريك وتكليف شائع الزنداني بتشكيل حكومة يمنية جديدة”، الجزيرة نت، 16 يناير/كانون الثاني 2026،انظر: https://2u.pw/bUTJ2
[3] “آلاف اليمنيين يتظاهرون في عدن دعمًا للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات”، وكالة الأنباء Associated Press، 10 يناير/كانون الثاني 2026،انظر: https://2u.pw/pm28C
[4] ندوى الدوسري، “من التحالف إلى المواجهة: التنافس السعودي‑الإماراتي في اليمن وتداعياته الإقليمية”، معهد الشرق الأوسط، 5 يناير/كانون الثاني 2026، انظر: https://mei.edu/publication/from-coalition-to-confrontation-saudi-uae-rivalry-in-yemen-and-its-regional-implications.
[5] “ما هي المليشيات والقوات الموالية؟” الجزيرة نت، 31 ديسمبر/كانون الاول 2025،انظر: https://2u.pw/AN5tO
[6] مصدر سابق
[7] “اليمن.. ‘درع الوطن’ نحو عدن ووفد الانتقالي في الرياض (تقرير إخباري)”، الأناضول، 7 يناير/كانون الثاني 2026،انظر: https://2u.pw/cg4pO
[8] د. بورجو أوزجيليك، براء شيبان، وعلاء زعبي، “تحوّل موازين القوى في جنوب اليمن: الحوثيون والتنافس السعودي–الإماراتي” ، Royal United Services Institute (RUSI)، 15 ديسمبر/كانون الاول 2025،انظر: https://2u.pw/odk3d
[9] العماري، محمد، “اتجاهات النمو السكاني في اليمن وأثرها على التنمية البشرية المستدامة: دراسة في الجغرافيا الاقتصادية”، مجلة الآداب 1، العدد 14 (2020)،انظر: https://2u.pw/EZZBN
