من صدام حسين إلى مادورو: كيف تُغتال الدول بالصورة؟

لم يكن نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب صورة مرتبطة بنيكولاس مادورو فعلًا عابرًا في فضاء التواصل السياسي، بل خطوة رمزية تحمل دلالات تتجاوز مضمون الصورة نفسها. فالقيمة التحليلية هنا لا تكمن في سؤال صحتها أو ملابساتها التقنية، بل في الوظيفة السياسية التي تؤديها الصورة حين تُستخدم لإعادة تأطير الدولة وقيادتها داخل وعي الجمهور، خصوصًا عندما تصدر عن رأس السلطة في الدولة الأكثر تأثيرًا في النظام الدولي.
في هذا السياق، لا تُقرأ الصورة بوصفها مادة بصرية معزولة، بل كأداة تواصل سياسي قائمة بذاتها، قادرة على إنتاج إدراك عام جديد حول مفاهيم الدولة والسلطة والسيادة. فهي لا تُظهر رئيس دولة ضمن إطار سيادي تقليدي أو سياق مؤسسي واضح، بل تقدّمه داخل فضاء مُسيطر عليه خارجيًا، منزوعًا من رموزه السياسية، بما يحوّل الصورة من وسيلة لنقل الواقع إلى أداة لإعادة تعريفه. هنا، تصبح الصورة جزءًا من إدارة أوسع للرسائل والاعتقاد، لا مجرد تعبير شخصي أو تفاعل عابر.
يمكن إدراج هذا النمط من التفاعل بين الصورة والسياسة ضمن أدبيات «حروب الإدراك» أو «إدارة الاعتقاد»، حيث لا يكون الصراع موجّهًا فقط نحو الأرض أو الموارد، بل نحو المخيال الجمعي؛ أي الطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه، ودولته، وموقعه في العالم. في هذا الإطار، لا تُستخدم الصورة بوصفها توثيقًا لحدث، بل كأداة لإنتاج معنى، وبناء إطار تفسيري يُعاد من خلاله تعريف الدولة، والشرعية، وطبيعة الصراع ذاته.
هذا النمط من توظيف الصورة ليس جديدًا. المثال الأبرز عليه يعود إلى بغداد عام 2003، مع مشهد تحطيم تمثال الرئيس العراقي صدام حسين في ساحة الفردوس، الذي قُدّم عالميًا بوصفه لحظة سقوط النظام. ففي 9 نيسان/أبريل 2003، بثّت وسائل الإعلام العالمية مشاهد تحطيم التمثال على نطاق واسع، وجرى تثبيت هذه اللحظة سريعًا بوصفها رمزًا لنهاية الدولة العراقية كما كانت تُعرف. لاحقًا، أظهرت قراءات إعلامية أن المشهد جرى إخراجه أمام الكاميرات وفي سياق مُدار، ليصبح مثالًا كلاسيكيًا على قوة الصورة في تكريس رواية سياسية سريعة تتجاوز تعقيدات الواقع الميداني.
غير أن أهمية هذا المثال لا تكمن في رمزيته وحدها، بل في كونه يوضح أن الصورة هنا جاءت مع الدبابة؛ أي أنها لحقت باحتلال عسكري شامل وانهيار فعلي لمؤسسات الدولة. الصورة لم تُسقط الدولة، بل أعلنت بصريًا عن سقوط كان قد وقع ميدانيًا.
ورغم اختلاف السياقات والفاعلين، إلا أن الوظيفة الرمزية للصورة تتكرر، وإن اختلف أثرها وحدودها. ففي حالة هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، نحن أمام فاعل ما دون الدولة وفي سياق حرب نشطة. هنا، استُخدمت الصور والروايات الأولى لا لإسقاط دولة قائمة، بل لتبرير ردّ عسكري لاحق واسع النطاق، عبر نقل الحدث بسرعة من توصيف أمني إلى إطار أخلاقي إبادي، أُغلقت في ظله مساحات النقاش حول التناسب والمسؤولية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الطريقة التي جرى بها توظيف ما حدث خلال ذلك الهجوم، ولا سيما ما رُوّج حول استهداف حركة حماس لحفل موسيقي في غلاف غزة. فعلى الرغم من عدم إنكار الحركة للهجوم، وعدم نفيها لسقوط ضحايا مدنيين، شهدت الساعات والأيام الأولى تضخيمًا مكثفًا لروايات غير محققة، وتثبيت توصيفات قصوى، من بينها استعارات الإبادة الجماعية والمحرقة، قبل اكتمال التحقيقات المستقلة أو اتضاح الصورة الكاملة للوقائع. لاحقًا، أظهرت مراجعات إعلامية وتقارير صحفية دولية تراجع عدد من الادعاءات الأولية وتصحيح روايات جرى تداولها على نطاق واسع، دون أن يحظى هذا التصحيح بالزخم نفسه الذي حظيت به الروايات الأولى. كما أثارت بعض التحقيقات تساؤلات حول ملابسات مقتل عدد من المشاركين في ذلك الحفل، بما في ذلك روايات تتحدث عن تداخل نيران القوات الإسرائيلية من أكثر من جهة خلال حالة الفوضى التي رافقت الحدث، في ظل غياب تحقيق مستقل وشامل حتى الآن. في هذه الحالة، لم تكن الصورة أداة لإسقاط دولة قائمة، بل وسيلة لإنتاج إطار إدراكي وأخلاقي يسبق الفعل العسكري ويمنحه مشروعيته، ويعيد تعريف الصراع في وعي الرأي العام الدولي.
في المقابل، تمثّل صورة مادورو حالة مختلفة تمامًا. فنحن أمام دولة قائمة، ونظام سياسي لم ينهَر، ولا احتلال عسكري مباشر. هنا، لا تعمل الصورة بوصفها إعلانًا عن سقوط، بل كـ أداة ضغط رمزي تهدف إلى تقويض الشرعية، وإعادة تقديم الدولة بوصفها كيانًا هشًا أو قابلًا للإدارة والتطويع. الصورة في هذه الحالة لا تُنهي الصراع، لكنها تسعى إلى إعادة تعريف شروطه وحدود النقاش حوله.
هذا التمايز بين الحالات الثلاث يوضح مسألة مركزية: ليست كل صورة قادرة على اغتيال الدولة. ففاعلية الصورة مشروطة بجملة من العوامل، من بينها البيئة الإعلامية التي تُنتج فيها، ومستوى التآكل السابق في شرعية الدولة، وقدرة مؤسساتها على إنتاج روايتها المضادة، إضافة إلى قابلية المجتمع نفسه للتصديق. الصورة لا تعمل في فراغ، بل داخل بنية إدراكية قائمة قد تضخّم أثرها أو تُفرغه من مضمونه.
من هذا المنطلق، يمكن فهم حروب الإدراك بوصفها معارك على المعنى قبل أن تكون معارك على الأرض. فالدولة التي تفقد قدرتها على تمثيل نفسها في المخيال الجمعي، وعلى تفسير أفعالها، وعلى الحفاظ على حدّ أدنى من الثقة المجتمعية، تصبح أكثر هشاشة أمام هذا النوع من الحروب، حتى وإن احتفظت بأجهزتها الأمنية والعسكرية.
وعليه، فإن السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الحالات لا يتعلّق بكيفية إنتاج الصورة أو تداولها فحسب، بل بكيفية حماية الدول لمعناها الرمزي قبل حماية حدودها المادية. ففي زمن الصورة، لم تعد السيادة مسألة جغرافيا فقط، بل مسألة معنى. ومن يخسر المعنى أولًا، يجد نفسه مضطرًا إلى خوض معركة غير متكافئة، مهما امتلك من قوة.

