بعد أسبوع من حادثة حمود.. ماذا فهمنا؟

تمرّ الأيام الأولى بعد الحوادث الكبرى محمّلة بالأسئلة والانفعالات. تتقدم مشاعر الحزن والغضب، وتتسع دائرة التضامن، وينشغل الناس بمتابعة التحقيقات والبحث عن إجابات. ثم تبدأ الحياة باستعادة إيقاعها المعتاد، وتتراجع الحادثة تدريجياً عن واجهة الاهتمام. لكن ما يبقى بعد ذلك لا يقل أهمية عما حدث؛ فبعض الحوادث تترك وراءها أسئلة لا تجيب عنها التحقيقات وحدها، لأنها تتصل بالمجتمع الذي وقعت فيه، وبطبيعة العلاقة بين أفراده ومؤسساته، وبقدرته على حماية نفسه من عوامل التفكك والاستقطاب.

بعد أسبوع من حادثة الكرك، لا يبدو السؤال الأهم هو كيف نعيد وصف ما جرى، ولا كيف نكرر إدانته؛ فالموقف من الاعتداء على الأبرياء لا يحتاج إلى كثير من الشرح. كما أن تحديد المسؤوليات والوقائع يظل من اختصاص التحقيق والقضاء. السؤال الذي يستحق أن نطرحه الآن هو: ماذا تكشف هذه الحادثة عن واقعنا الاجتماعي والسياسي؟ وهل نمتلك من الثقة والتماسك المؤسسي ما يجعلنا قادرين على مواجهة التهديدات، ليس فقط عندما تقع، لكن قبل أن تجد طريقها إلى مجتمعنا؟

لا يمكن النظر إلى التماسك الوطني باعتباره حالة عاطفية تظهر عند الأزمات، أو إجماعاً مؤقتاً تفرضه لحظة الخطر. فالمجتمعات بطبيعتها مختلفة؛ تتباين فيها المعتقدات والمصالح والاتجاهات السياسية والاجتماعية، وتتناقض أحياناً تصورات أبنائها حول قضايا كثيرة. لكن الفارق بين مجتمع يمتلك مناعة داخلية وآخر تتسع فيه قابلية الانقسام، لا يكمن في حجم الاختلاف، بل في الطريقة التي يدير بها هذا الاختلاف، وفي مدى ثقة أفراده بأن الخلاف لن يتحول إلى تهديد لوجود بعضهم أو حقوقهم.

وهذه الفكرة تقترب من جوهر ما طرحه عالم السياسة كارل دويتش في مفهوم “الجماعة الأمنية”، حين ربط استقرار الجماعات بترسخ توقعات متبادلة بأن النزاعات ستُحل بالوسائل السلمية، وأن استخدام العنف ليس خياراً مقبولاً لحسم الخلاف. ويمكن استلهام هذا المعنى في قراءة الحالة المجتمعية؛ فالعيش والتماسك المجتمعي لا يعني أن يتفق الجميع، وإنما أن يصبح أمن الآخر جزءاً من الشعور بأمن الذات، وأن تكون المواطنة إطاراً يحمي الاختلاف بدلاً من أن يجعله مدخلاً للخصومة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تطرح حادثة حمود سؤالاً يتجاوز حدود الاعتداء نفسه، ويتصل بما يمكن أن تتركه مثل هذه الحوادث في شعور المواطنين بالأمان المتبادل. فالكرك، بما تحمله من تاريخ اجتماعي وعلاقات يومية متداخلة بين أبنائها، تواجه اختباراً يتعلق بقدرة هذه الروابط على حماية الثقة حين يتعرض أحد مكونات المجتمع للعنف. والخطر الأعمق أن يتحول فعل فردي إلى مصدر خوف جماعي، أو أن يفتح المجال أمام تصورات تجعل الاختلاف الديني سبباً للريبة، بعدما كان جزءاً طبيعياً من الحياة المشتركة.

في الأردن، لا تنفصل هذه المسألة عن طبيعة التحولات التي شهدها المجتمع والمنطقة خلال السنوات الماضية. فقد أصبحت المجتمعات أكثر تعرضاً لتأثير الصراعات الإقليمية، وخطابات التعبئة الأيديولوجية والدينية، والاستقطاب الذي تنتجه المنصات الرقمية. ولم تعد الحدود الجغرافية قادرة على عزل المجتمعات عن تداعيات الحروب والانتهاكات ومشاهد العنف؛ إذ تنتقل آثارها عبر الصور والخطابات والروايات المتنافسة، وتعيد تشكيل مشاعر قطاعات من الرأي العام، خصوصاً حين تجد هذه المشاعر بيئة محلية تعاني أصلاً من الإحباط أو ضعف الثقة أو انسداد قنوات التعبير والمشاركة.

غير أن ردّ كل ما يحدث إلى الإقليم يظل تبسيطاً لا يساعد على الفهم. فالأزمات الخارجية لا تعمل بمعزل عن الظروف الداخلية، ولا تتحول تلقائياً إلى تهديدات داخلية. إنما تتفاعل مع عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية قد تزيد من قابلية بعض الأفراد للتأثر بخطابات متطرفة. الضغوط المعيشية، والبطالة، والشعور بانعدام الفرص، وتراجع الثقة بجدوى المشاركة، كلها قضايا تستحق المعالجة الجادة، لا لأنها تنتج التطرف بالضرورة، إنما لأنها قد تضعف إحساس الفرد بقدرته على التأثير في محيطه، وتجعله أكثر عرضة لمن يقدمون له إجابات مغلقة عن واقع معقد.

وهنا ينبغي التمييز بين تفسير الظروف التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة وبين تبرير أفعالها. فالفقر لا يصنع متطرفاً بالضرورة، والبطالة ليست طريقاً حتمياً إلى العنف، والغضب من السياسات أو المواقف لا يبرر الاعتداء على الأبرياء. لكن تجاهل هذه العوامل لا يخدم الوقاية أيضاً. إننا بحاجة إلى قراءة متعددة المستويات، تفهم كيف تتقاطع التحولات الإقليمية مع الظروف المحلية، وكيف يمكن لخطاب الكراهية أن يستثمر مشاعر الظلم أو الإقصاء أو الإحباط، دون أن نحول هذه القراءة إلى أحكام مسبقة على فئات أو جماعات أو أفراد.

ومن المهم كذلك ألا نغفل أثر تعثر المشاركة السياسية وضعف الثقة بالمجال العام. فالمجتمع الذي لا يجد أفراده قنوات فاعلة للتعبير عن مطالبهم والمشاركة في صياغة القرارات التي تمس حياتهم، قد تتسع فيه المسافة بين المواطن والمؤسسات. ولا يعني ذلك أن المشاركة السياسية وحدها تمنع التطرف، لكنها توفر مسارات سلمية للتعبير عن الاختلاف والمطالبة بالتغيير، وتمنح الأفراد شعوراً بأنهم شركاء في مستقبل مجتمعهم، لا مجرد متلقين لقراراته. ولذلك فإن تعزيز الحياة السياسية والمدنية ليس ملفاً منفصلاً عن الأمن المجتمعي، بل جزء من البيئة التي تساعد على حماية الاستقرار.

وتبرز هنا مسألة المؤسسات، باعتبارها الحلقة التي تصل بين الدولة والمجتمع. فالثقة لا تُبنى بمجرد مطالبة المواطنين بها، ولا تتشكل من الخطابات التي تدعو إلى الوحدة والتماسك، وإنما تتراكم من خلال التجربة اليومية مع المؤسسات: عدالة القواعد، واتساق تطبيق القانون، وتكافؤ الفرص، ووضوح المسؤوليات، وقدرة الناس على الوصول إلى حقوقهم دون تمييز. وقد أوضح الاقتصادي دوغلاس نورث، في دراساته حول المؤسسات والتغيير المؤسسي، أن القواعد الرسمية وغير الرسمية تؤثر في حوافز الأفراد وفي طبيعة تعاملاتهم، وتحدد إلى حد بعيد مستوى اليقين والثقة في المجتمع.

ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن المنعة المجتمعية ينبغي ألا يقتصر على دعوة الناس إلى التكاتف، بل يجب أن يطرح سؤالاً موازياً حول قدرة المؤسسات على إنتاج شروط هذا التكاتف. فالمواطنة المتساوية لا تستقيم دون إنصاف، والعيش المشترك لا يستقر إذا شعر بعض المواطنين أن حقوقهم أو فرصهم أقل من حقوق غيرهم، والثقة لا تنمو في بيئة تتسع فيها الفجوة بين ما تقوله القواعد وما يختبره الناس في حياتهم. إن قوة المجتمع ليست مسؤولية أفراده وحدهم؛ إنها أيضاً مسؤولية المؤسسات التي تنظم علاقاتهم وتحمي حقوقهم وتضمن عدالة المجال العام.

ولعل هذا ما يجعل اختزال مواجهة التطرف في المقاربة الأمنية وحدها أمراً غير كافٍ، رغم أن كفاءة الأجهزة الأمنية والقانونية وفاعلية عملها تظلان أساسيتين في حماية الناس وملاحقة مرتكبي الجرائم. فالأمن يتعامل مع التهديد حين يظهر، بينما تحتاج الوقاية إلى عمل أوسع يسبق ذلك؛ تعليم يعزز التفكير النقدي، وإعلام يمتلك القدرة على مواجهة التضليل والتحريض، وخطاب ديني وثقافي يحترم الإنسان والاختلاف، ومؤسسات سياسية ومدنية تفتح المجال للمشاركة، وسياسات اقتصادية واجتماعية تعالج مواطن الهشاشة والتهميش.

لكن المشكلة في كثير من برامج الوقاية ليست دائماً في غياب المبادرات، بل في الطريقة التي نصممها ونقيس بها نتائجها. فقد اعتدنا أن نعلن عن ورشات وندوات وحملات توعية، وأن نقيس نجاحها بعدد الأنشطة والمشاركين والمواد المنشورة، فيما يبقى السؤال الأهم دون إجابة: ما الذي تغير فعلياً؟ هل تحسنت معرفة المشاركين؟ هل ارتفع مستوى الثقة؟ هل أصبحت لديهم قدرة أكبر على التعامل مع الاختلاف وخطاب الكراهية؟ وهل انعكس ذلك على سلوكهم وعلاقاتهم ومشاركتهم في مجتمعاتهم؟

ولو أخذنا حادثة حمود نقطة انطلاق لمراجعة هذه البرامج في الكرك، فإن السؤال العملي يتعلق بمدى قدرة المؤسسات المحلية والتعليمية والدينية والمدنية على اكتشاف مؤشرات التعصب، وفتح مساحات للحوار، ومعالجة المخاوف قبل تحولها إلى مواقف عدائية. فالحادثة تمنحنا سبباً مباشراً لمراجعة ما تحقق على الأرض، وللتساؤل عما إذا كانت البرامج القائمة قد أسهمت فعلاً في تعزيز الثقة وقبول الاختلاف، أم أن أثرها توقف عند حدود الأنشطة التي نُفذت.

في هذا السياق، يمكن الاستفادة من أعمال تشارلز سابل حول الحوكمة التجريبية، التي تقوم على التعلم المستمر من التطبيق، والتعاون بين المؤسسات والجهات المحلية، ومراجعة السياسات في ضوء ما تكشفه النتائج. فسياسات الوقاية من التطرف لا ينبغي أن تكون وصفات جاهزة تُعمم بالطريقة نفسها على جميع المجتمعات، لأن احتياجات المدن والبلدات والفئات الاجتماعية ليست متطابقة. المطلوب أن تنطلق البرامج من فهم السياق المحلي، وأن تشارك المجتمعات في تصميمها، وأن تخضع لتقييم يقيس أثرها الحقيقي، وأن تكون قابلة للتعديل والتطوير عندما لا تحقق أهدافها.

وهذا يستدعي الانتقال من منطق النشاط إلى منطق الأثر، ومن التعامل مع الشباب باعتبارهم فئة مستهدفة بالتوعية والتحذير إلى النظر إليهم كشركاء في بناء الحلول. فالشباب الذين يواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا يحتاجون فقط إلى رسائل تحثهم على رفض التطرف؛ يحتاجون أيضاً إلى فرص عادلة، ومساحات للمبادرة، وقنوات للمشاركة، وشعور بأن أصواتهم قادرة على إحداث فرق. كما يحتاج المجتمع إلى مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية لا تكتفي بتقديم خطاب مثالي عن التسامح، بل تتيح ممارسة الاختلاف والنقاش والتفكير الحر والمسؤول.

ومن جهة أخرى، فإن مواجهة التطرف تقتضي حماية المجال العام من محاولات التعميم والوصم. فالحوادث التي تستهدف المجتمع لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة للانتقاص من مكوناته أو التشكيك في ولاء جماعات كاملة. المسؤولية فردية، والوقائع يحددها التحقيق والقانون، وأي محاولة لنقل الاتهام من مرتكبه إلى هوية دينية أو اجتماعية أوسع إنما توسع دائرة الضرر وتخدم منطق الانقسام الذي يفترض أن نواجهه. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تختلط حماية التعددية بالتساهل مع التحريض، أو أن يُستخدم الاختلاف المشروع غطاءً لتبرير العنف.

لقد كشفت حادثة الكرك، بما حملته من ألم وأسئلة، عن أهمية النظر إلى الأمن والاستقرار بوصفهما مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود الاستجابة المباشرة. ولا يكفي أن نؤكد تماسك المجتمع في لحظة الأزمة، ثم نترك الأسئلة المتعلقة بالثقة والعدالة والمشاركة والوقاية دون معالجة. فالمجتمع لا يصبح أكثر منعة بمجرد رفضه للتطرف، بل بقدرته على بناء بيئة تقل فيها فرص استغلال الاختلاف، وتتسع فيها مساحات الانتماء والمشاركة، وتكون فيها المؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لمطالب الناس وحماية حقوقهم.

بعد أسبوع، ربما آن الأوان للانتقال من سؤال ما حدث إلى سؤال ما الذي ينبغي أن يتغير. كيف نراجع برامج الوقاية من التطرف؟ كيف نربط سياسات التعليم والإعلام والشباب والحماية الاجتماعية ضمن رؤية متكاملة؟ كيف نضمن أن تكون المواطنة المتساوية ممارسة في المؤسسات، لا مجرد قيمة نرفعها في المناسبات؟ وكيف نحول الثقة والتماسك من استجابات مؤقتة للأزمات إلى مكونات مستقرة في العلاقة بين الدولة والمجتمع؟

هذه ليست أسئلة يمكن الإجابة عنها ببيان أو مبادرة عابرة، ولا ينبغي أن تنتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي بالحادثة. إنها أسئلة تتطلب عملاً مؤسسياً طويل النفس، ومراجعة للسياسات، واستعداداً للاعتراف بالثغرات ومعالجتها، بعيداً عن المبالغة في الاطمئنان أو التهويل في توصيف المخاطر.

الكرك ليست الحادثة التي وقعت فيها، كما أن الأردن ليس مجموعة من الأزمات التي يواجهها. لكن قيمة المجتمعات لا تظهر فقط في قدرتها على تجاوز الصدمات، بل في قدرتها على التعلم منها، وعلى تحويل الألم إلى مراجعة، والمراجعة إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

بعد أسبوع من حادثة حمود، ربما يكون أهم ما ينبغي أن نفهمه أن التماسك الذي يظهر في لحظة الحزن يحتاج إلى ما يحميه في الأيام العادية. فالمجتمعات تستطيع أن تتضامن أمام الخطر، لكن اختبارها الأصعب يبدأ حين تتراجع مشاعر الصدمة، ويعود الناس إلى حياتهم وأسئلتهم القديمة حول العدالة والحقوق والثقة والمشاركة. وإذا كان المطلوب أن تبقى الكرك، كما عرفها أهلها، مساحة يتسع فيها الوطن للجميع، فإن مسؤوليتنا تبدأ من حماية تلك الثقة في المؤسسات والعلاقات اليومية، ومن معالجة الظروف التي تسمح للكراهية بأن تجد مكاناً لها بين الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى