الكرك: اختبار المواطنة والمنعة بوجه التطرف

- لا يجوز استباق التحقيق أو افتراض خلفيات الفاعلين؛ لكن غياب الأدلة المكتملة لا يمنع تحليل الظروف التي قد تجعل المجتمعات أكثر عرضة للتطرف.
- يمكن فهم التهديد عبر مستويين متكاملين: تحليل الصراع والتحولات الإقليمية، وتفكيك الأدوار السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تنقل الأفكار من الخطاب إلى العنف.
- يرى النص أن المنطقة تشهد موجة تطرف جديدة أو إعادة تشكل لموجات سابقة، من دون افتراض وجود تنظيم واحد أو رابط سببي مثبت بين جميع الحوادث.
- يحدد المقال أربعة محركات: العنف والانتهاكات الإقليمية؛ الضغوط الاقتصادية والاجتماعية؛ تعثر التحول الديمقراطي وضعف جدوى المشاركة؛ والاستقطاب الإقليمي والمشاريع الأيديولوجية الإقصائية.
- المظلومية والبطالة والإحباط السياسي ليست أسبابًا حتمية للإرهاب، لكن الجماعات المتطرفة قد تستغلها وتعيد صياغتها في سرديات مغلقة تبرر العنف.
- المواطنة ليست شعارًا قانونيًا فقط، بل ضمانة اجتماعية وثقافية تقوم على الشراكة في الحقوق والمسؤوليات وقبول الاختلاف.
- رسالة الأردن بشأن الحج المسيحي وحماية الوجود المسيحي في المشرق تكتسب معناها الكامل عندما تنعكس في الممارسة اليومية والحقوق المتساوية داخل المجتمع.
- مكافحة التطرف تتطلب الجمع بين الأمن والقانون من جهة، والوقاية الثقافية والتعليمية والإعلامية والاقتصادية والسياسية من جهة أخرى.
- ينبغي تقييم برامج الوقاية من خلال التغير الفعلي في الاتجاهات والسلوك والقدرة على مقاومة التحريض، لا بمجرد عدد الأنشطة والندوات.
- الخلاصة: الانتقال من أمن الحدث إلى مناعة المجتمع، وتحويل رسالة الأردن عن التعددية والتعايش إلى قدرة داخلية قابلة للقياس والتجدد.
ما يتركه الحدث الأليم في حمود الكرك يتجاوز حدود الصدمة والحزن والغضب. فالأحداث التي تصيب المجتمع في أمنه، وتمس دور العبادة ومجالس العزاء والروابط الإنسانية التي تجمع الناس، تضعنا أمام أسئلة أعمق من تفاصيل الواقعة نفسها؛ أسئلة تتصل بطبيعة المجتمع الذي نريد، وبمعنى المواطنة التي نحتمي بها، وبقدرتنا على حماية المجال العام من الأفكار التي تحول الاختلاف إلى عداوة، والانتماء إلى أداة للإقصاء، والدين من منظومة للقيم إلى مبرر للعنف.
ليس من الحكمة، في لحظات كهذه، استباق التحقيق أو افتراض هوية فكرية أو تنظيمية لمن ارتكبوا الفعل. فالعدالة تقتضي انتظار الأدلة، ودولة القانون وسيادته لا يجوز أن تستبدل التحقيق بالتخمين. لكن عدم اكتمال الأدلة بشأن الخلفيات والدوافع لا يلغي ضرورة النقاش العام حول البيئة الإقليمية والاجتماعية والثقافية التي ينمو فيها التطرف، ولا يعفينا من مساءلة سياساتنا في الوقاية منه. ثمة فرق جوهري بين أن نزعم معرفة دوافع فاعلين لم تُحسم خلفياتهم، وأن ندرس العوامل التي قد تجعل المجتمعات أكثر عرضة للكراهية والتطرف.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة ما جرى في الكرك عبر مستويين متكاملين: مستوى الصراع، الذي يتابع التحولات السياسية والأيديولوجية في المنطقة، ومستوى تفكيك المشهد، الذي يبحث في الفواعل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي المسارات التي تنتقل عبرها الأفكار المتطرفة من الخطاب إلى التعبئة، ومن التعبئة إلى السلوك العنيف. وهذه القراءة لا تبحث عن تبرير للجريمة، وإنما عن فهم ما يجعل منع تكرارها مسؤولية تتجاوز الأجهزة الأمنية، من دون الانتقاص من الدور الحاسم لهذه الأجهزة.
موجة تطرف جديدة أم إعادة إنتاج لموجات سابقة؟
أميل إلى الاعتقاد بأن المنطقة تواجه موجة جديدة من التطرف، أو على الأقل إعادة تشكل لموجات سابقة ضمن بيئة أكثر تعقيدًا. ولا أقصد بذلك وجود تنظيم واحد يقف خلف مختلف الأحداث، أو وجود سلسلة سببية مثبتة تربط كل حادثة بأخرى؛ بل أقصد تداخل ظروف إقليمية، ومظالم اجتماعية، وخطابات أيديولوجية، ومساحات رقمية قادرة على إنتاج بيئة مشتركة للتطرف، حتى عندما تختلف التنظيمات والفاعلون والغايات. لكن الفكرة واحدة تحويل انعدام العدالة في مكان ما إلى مسوغ لخوف في كل مكان.
وليس الأردن غريبًا عن هذا السياق. فقد شهدت المملكة أحداث خلية إربد واعتداءات قلعة الكرك في عام 2016، ثم تفجير الفحيص والعملية الأمنية ضد الخلية في السلط، في منطقة نقب الدبور، عام 2018. ويثبت هذا التسلسل التاريخي أن التهديد المتطرف سبق موجات التصعيد الإقليمية الراهنة، لكنه لا يثبت أن تلك الأحداث تنتمي إلى شبكة واحدة أو أن دوافعها متطابقة، في حين أن الفكرة الوحيدة وراء ذلك هو استغلال اللا يقين وتحويله لأعمق شعور من الخوف.
والسؤال الذي تفرضه هذه التجارب لا يتعلق فقط بقدرة الدولة على اكتشاف الخلايا وإحباط مخططاتها، وإنما بقدرتنا على فهم كيفية إعادة إنتاج الأفكار المتطرفة، وكيف يمكن لأفراد يعيشون داخل مجتمعاتهم، ويتفاعلون مع مؤسساتها وعلاقاتها اليومية، أن يصبحوا قابلين لتبني تصورات تنزع الإنسانية عن الآخرين وتمنح العنف شرعية زائفة.
إن نجاح الأجهزة الأمنية في احتواء التهديد، مهما بلغت أهميته، لا يعني بالضرورة انتهاء الشروط التي تسمح بظهور تهديد جديد. فالأمن يعالج الخطر عندما يصبح قابلًا للرصد والتدخل، بينما تعمل الوقاية الفكرية والاجتماعية على تقليص احتمالات تشكله من الأساس. وبين المستويين مساحة واسعة من العمل الثقافي والتربوي والسياسي والاقتصادي لا يجوز تركها خارج استراتيجية مكافحة التطرف.
أربعة محركات تغذي قابلية التطرف
أول هذه المحركات هو مشهد العنف الإقليمي وما يصاحبه من انتهاكات جسيمة، ولا سيما ما شهدته غزة من قتل واسع للمدنيين ودمار ومعاناة إنسانية، وما ارتبط بالحرب من ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، فضلًا عن مشاعر الإفلات من العقاب وازدواجية المعايير الدولية.
لا يعني ذلك أن هذه الوقائع تنتج التطرف بصورة تلقائية، أو أن الغضب من الظلم يقود بالضرورة إلى العنف. فالغالبية الساحقة من الناس تستطيع التمييز بين مقاومة الظلم واستهداف الأبرياء، وبين الدفاع عن الحقوق وتبرير الاعتداء على الآخرين. لكن الجماعات المتطرفة تحاول استثمار المظلومية الحقيقية، وتختزلها في سرديات مغلقة، ثم تقدم العنف بوصفه واجبًا أو انتقامًا أو استعادة للكرامة. والخطر هنا ليس في وجود الغضب ذاته، إنما في تلك القوى التي تسعى إلى احتكاره وتوجيهه نحو استهداف المختلفين، وإلغاء إمكانات الحل السياسي والقانوني والأخلاقي.
أما المحرك الثاني، فهو اقتصادي واجتماعي بقدر ما هو نفسي وسياسي. فالبطالة، وانسداد الأفق، والعوز، وضعف فرص الحراك الاجتماعي، والشعور بانعدام العدالة، قد تتراكم لتنتج إحباطًا وفقدانًا للثقة بالمؤسسات. وفي الأردن، أظهر تقرير الأمم المتحدة بشأن نتائج عام 2024 أن معدل البطالة بلغ 21.4%، بينما بلغت البطالة بين الفئة العمرية 20–24 عامًا 40.5% وفق بيانات عام 2023 التي أوردتها الأمم المتحدة.
ولا تعني هذه الأرقام أن البطالة تفسر الإرهاب، أو أن الشباب العاطلين عن العمل أكثر ميلًا إلى التطرف بطبيعتهم؛ فمثل هذا الاستنتاج غير دقيق وظالم. لكنها تكشف حجم التحدي المتعلق بفرص الحياة والمشاركة والاستقلال الاقتصادي. وحين يشعر الإنسان بأنه لا يمتلك أفقًا يستطيع التأثير فيه، وأن جهده لا يفتح أمامه طريقًا للإنجاز، فقد يصبح أكثر تعرضًا لخطابات تعده بهوية يقينية أو مكانة بديلة أو بطولة زائفة. هنا تتحول المسألة الاقتصادية إلى سؤال يتعلق بالكرامة والعدالة والانتماء، وهي قضايا لا تستطيع المقاربة الأمنية معالجتها بمفردها.
المحرك الثالث هو تعثر التحول الديمقراطي أو بطؤه أو تأخره على أقل تقدير، وما يرافق ذلك من تراجع الثقة بقدرة المشاركة العامة على إحداث تغيير ملموس. لقد حمل ما سمي بـ”الربيع العربي” 2010 – 2019 وعودًا كبيرة، لكن إخفاق تجارب عديدة، والحروب التي تفجرت في عدد من البلدان، وتراجع مسارات الإصلاح أو تعثرها، خلّفت خيبات وأنتجت بيئات من الإحباط السياسي.
وفي الحالة الأردنية، تشير بيانات المشاركة في الانتخابات البرلمانية عام 2024 بلغت نحو 32% من الناخبين المؤهلين، فيما بلغت المشاركة بين من هم دون الخامسة والثلاثين نحو 31.18%. وهذه الأرقام لا تقيس وحدها الثقة السياسية، لكنها تذكّر بأن توسيع المشاركة وتحويلها إلى تأثير ملموس يظلان تحديًا مهمًا يطرح سؤال التمثيل والديمقراطية والجدوى على الطاولة.
إن المواطنة لا تترسخ بمجرد دعوة الناس إلى الالتزام بالقانون، مهما كانت ضرورة ذلك، وإنما حين يشعر المواطن بأنه شريك في صياغة الأولويات العامة، وأن المؤسسات تستجيب لمطالبه، وأن الاختلاف السياسي لا يجعله خارج الجماعة الوطنية. وحين تنغلق قنوات المشاركة أو تضعف جدواها في نظر الناس، تسعى بعض الخطابات المتطرفة إلى تقديم نفسها باعتبارها بديلًا عن السياسة، وتستبدل التعددية بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
أما المحرك الرابع، فهو الاستقطاب الإقليمي بين مشاريع التوسع والهيمنة التي يدفع بها اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبين شبكات العنف والتعبئة الأيديولوجية والطائفية المرتبطة بقوى إقليمية، ومنها جماعات مسلحة توظف خطاب الإسلام السياسي وتستند إلى دعم دول وكيانات في المنطقة وتوظيفها. ولا يعني ذلك مساواة هذه المشاريع في طبيعتها أو آثارها، ولا اعتبارها سببًا مباشرًا لكل حادثة تقع في المنطقة؛ إنما المقصود أن تصاعد الخطابات الإقصائية، وتطبيع القوة على حساب القانون، وتسييس الهويات الدينية، كلها عوامل توسع مساحة الاستقطاب وتضعف المساحات المشتركة بين المجتمعات.
حين يصبح الدين أو الطائفة أو القومية أداة لتصنيف الناس إلى أصدقاء وأعداء، ويُختزل الإنسان في هويته، يصبح استهدافه أسهل في المخيلة المتطرفة. وعندما تتغذى هذه السرديات من صراعات إقليمية ممتدة، فإنها تتجاوز حدود الدول التي نشأت فيها، وتجد طريقها إلى المجال العام عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وشبكات الدعاية والتحريض.
هذه المحركات الأربعة لا تعمل منفصلة. فقد يتحول الظلم إلى مظلومية سياسية، وتتحول المظلومية إلى خطاب هوياتي مغلق، ثم تمنحها جماعات متطرفة تفسيرًا يبرر العنف. لكن هذه ليست سلسلة حتمية؛ إنها مسارات محتملة يمكن للمؤسسات والمجتمعات تعطيلها، إذا امتلكت أدوات الوقاية والعدالة والمشاركة.
المواطنة ليست شعارًا في مواجهة التطرف
هنا نصل إلى جوهر المسألة الأردنية. فالتطرف لا يهدد حياة الأفراد وأمنهم فحسب، إنه يهدد الفكرة التي يقوم عليها المجتمع الوطني؛ أي أن المواطنين، على اختلاف أديانهم وأصولهم وآرائهم، شركاء في الوطن والحقوق والمسؤوليات.
ومن هذه الزاوية، فإن علاقة الأردن بالتنوع الديني ليست تفصيلًا ثقافيًا أو سياحيًا، وليست رسالة موجهة إلى الخارج فقط. إنها جزء من تعريف الأردن لذاته، ومن صورته التاريخية والاجتماعية، ومن المعنى الذي تمنحه المواطنة لكل فرد فيه.
وقد أظهر الأردن هذا المعنى من خلال رعاية المواقع الدينية المسيحية، وإبراز دوره بوصفه مقصدًا للحج المسيحي، والدفاع عن الوجود المسيحي في المشرق، إلى جانب مواقفه الداعمة لصون المقدسات والتعايش الديني. وفي عام 2026، افتتح الملك عبدالله الثاني جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية، ووجّه الحكومة إلى دعم مبادرة إحياء مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح عام 2030. كما أعلنت وزارة السياحة توثيق 34 موقعًا للحج المسيحي في المملكة، وذكر الملك صراحة عن النموذج الأردني في صون مسيحيي المشرق أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أيلول الماضي.
وتكتسب هذه المواقف أهميتها من أنها تؤكد أن الوجود المسيحي في الأردن ليس طارئًا على تاريخه، وأن حماية التنوع ليست تنازلًا تقدمه أغلبية إلى أقلية، إنه بالضرورة تعبير عن هوية وطنية تشكلت عبر التاريخ من تعدد مكوناتها ومصالحها وتجاربها.
لكن الرسالة التي يرسلها الأردن إلى العالم لا تكتمل بحماية المواقع الدينية أو الاحتفاء بالحج المسيحي أو تأكيد خطاب الاعتدال في المحافل الدولية. تكتمل حين يشعر كل مواطن بأن هذه القيم تُترجم إلى ممارسة يومية، وبأن كرامته وحقوقه محمية، وأن انتماءه الوطني لا يخضع لاختبار ديني أو طائفي أو سياسي.
فالمواطنة ليست مجرد النقيض القانوني للتطرف، هي نقيضه الاجتماعي والثقافي أيضًا. إنها الفكرة التي تمنع احتكار الوطن من أي جماعة، وتؤسس لقبول الاختلاف باعتباره حقيقة طبيعية في المجتمع، لا تهديدًا ينبغي التخلص منه.
ولهذا، لا ينبغي أن تتحول مواجهة التطرف إلى نقاش أمني محض، ولا إلى خطاب أخلاقي يكتفي بالدعوة إلى التسامح. المطلوب أن تصبح المواطنة ممارسة ملموسة في التعليم والإعلام والسياسات العامة والعمل السياسي والاقتصادي، ورؤى تحديث الدولة الثلاث؛ السياسية والاقتصادية والإدارية، وأن يشعر الفرد بأن الانتماء الوطني يمنحه مساحة للكرامة والفرص والمشاركة، بدل أن يتركه يبحث عن معنى بديل في هويات مغلقة أو جماعات تستثمر في غضبه.
الثقافة بوصفها خط الدفاع الذي يسبق الجريمة
من مركز بحثي كمعهد السياسة والمجتمع، يلعب دوراً في تحليل البنى الهيكلية للتطرف، يمكن أن ينطلق النقاش من حقيقة أن التطرف ليس مجرد أفكار موجودة في الكتب أو المنصات، وإنما ظاهرة تنمو عند التقاء الخطاب الأيديولوجي بظروف اجتماعية ونفسية وسياسية تسمح له بالتأثير. ولهذا، فإن فهمه يستوجب التعامل مع البيئة التي تستقبل الأفكار وتعيد إنتاجها، لا الاكتفاء بملاحقة التعبيرات التي تظهر في نهايات المسار.
والمقصود بتقديم البعد الثقافي والواعي ليس التقليل من أولوية الأمن، ولا إحلال الحوار محل القانون، وإنما الانتقال من الاقتصار على التعامل مع التهديد بعد تشكله إلى الاستثمار في منع تشكله. فالدولة تحتاج إلى أجهزة أمنية كفؤة، وقضاء مستقل وفعال، وقوانين تطبق على الجميع؛ لكنها تحتاج كذلك إلى مدارس وجامعات ومؤسسات إعلامية وثقافية وسياسية قادرة على بناء المناعة الفكرية، وتطوير مهارات التفكير النقدي، ومواجهة التضليل وخطاب الكراهية.
وتحتاج أيضًا إلى سياسات اقتصادية واجتماعية تقلل الإقصاء وتوسع فرص المشاركة، وإلى مجال عام يستطيع الشباب من خلاله التعبير عن غضبهم ومواقفهم والاختلاف فيما بينهم دون اللجوء إلى الإلغاء أو العنف. كما تحتاج إلى مراجعة مدى قدرة برامج مكافحة التطرف على قياس أثرها الفعلي؛ فعدد الأنشطة والندوات والحملات ليس دليلًا كافيًا على نجاح الوقاية ما لم نعرف ما الذي تغير في اتجاهات الناس وسلوكهم وقدرتهم على مقاومة التحريض.
إن الاختبار الحقيقي للخطاب الوطني ليس أن يتفق الجميع على كل شيء، إنما أن يستطيعوا الاختلاف دون أن يتحول اختلافهم إلى خصومة وجودية. وليس النجاح أن نمنع التعبير عن الغضب، بل أن نمنع القوى المتطرفة من تحويله إلى كراهية موجهة ضد فئة من المجتمع. وليس المطلوب أن نصنع مواطنين متشابهين، وإنما مواطنين يدركون أن اختلافهم لا ينتقص من حقوقهم أو انتمائهم أو إنسانيتهم.
وهنا ينبغي ألا نخلط بين نقد السياسات العامة والتطرف، أو بين الاعتراض السياسي والتحريض، أو بين الغضب من الظلم وتبرير الاعتداء على الأبرياء. فالمبالغة في الخلط بين هذه المفاهيم لا تعزز المناعة الوطنية؛ إنما وصفة قد تضعف الثقة بالمؤسسات وتغذي الشعور بالإقصاء الذي تستثمر فيه الجماعات المتطرفة.
من صدمة الكرك إلى سؤال المستقبل
لا يمكن فصل ما جرى في الكرك عن القلق الذي تثيره التحولات الإقليمية، لكن لا يجوز أيضًا اختزال الحادثة في نظرية جاهزة أو افتراض أن محركات التطرف العامة تفسر تلقائيًا دوافع كل من يرتكب العنف. ذلك عمل التحقيق، أما عمل التحليل السياسي والاجتماعي فهو أن يختبر أسئلته، ويراقب المؤشرات، ويميز بين الحقائق والفرضيات، وأن يستعد لمواجهة المخاطر قبل أن تتحول إلى وقائع جديدة.
وإذا كانت الأحداث السابقة قد أكدت قدرة الأجهزة الأمنية الأردنية على التعامل مع تهديدات خطيرة، فإن المسؤولية الوطنية اليوم تقتضي توسيع مفهوم النجاح في مكافحة التطرف. النجاح ليس فقط في إحباط المخططات، إنه بالضرورة في تقليص البيئات التي تسمح بنموها؛ وليس في حماية المجتمع من عنف وقع فحسب، لكن في حماية قدرته على التماسك والثقة والمشاركة.
إن حادثة الكرك تذكير بأن سلامة المجتمع لا تقوم على قوة مؤسساته الأمنية وحدها، ولا على الاعتدال بوصفه خطابًا سياسيًا، وإنما على علاقة متبادلة بين دولة تحمي مواطنيها، ومؤسسات عادلة وفعالة، ومجتمع يرفض تحويل الاختلاف إلى عداوة، ومواطنة لا تتجزأ.
قد لا نعرف اليوم كل ما ينبغي معرفته بشأن خلفيات الفاعلين، ولا يجوز أن نستبق التحقيق في ذلك. لكننا نعرف أن المنطقة تمر بمرحلة عالية الاستقطاب، وأن خطابات الكراهية قادرة على استثمار الخوف والظلم والإحباط، وأن مواجهة هذا الواقع تحتاج إلى أكثر من الاستجابة الأمنية، مهما كانت ضرورية.
المعركة الأبعد ليست فقط مع من يرتكب العنف، وإنما مع كل خطاب يحاول أن يجعل العنف مقبولًا، وكل بيئة تسمح بتجريد الآخر من إنسانيته، وكل سياسة تجعل المواطن يشعر بأن الوطن لا يتسع له أو أن صوته لا قيمة له.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الأردن لا ينفصل عن الدفاع عن فكرة الأردن نفسها؛ وطنًا لا تُقاس فيه المواطنة بالدين أو الطائفة، ولا تُختزل فيه الهوية الوطنية في رواية واحدة، ولا يصبح فيه الاختلاف مدخلًا إلى التهديد أو الإقصاء. ذلك هو المعنى الذي ينبغي أن نخرج به من هذه اللحظة، وهو أيضًا المعيار الذي يجب أن نقيس به قدرتنا على مواجهة موجات التطرف المقبلة.
فالأردن لا يحتاج إلى الدفاع عن صورته الدولية فحسب؛ لكن إلى تحويل رسالته بشأن التعددية والعيش المشترك إلى مناعة داخلية قابلة للقياس والتجدد. فالحفاظ على هذه الرسالة ليس شأنًا دبلوماسيًا أو دينيًا فقط، هو مسؤولية سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية.