مضيق هرمز وحُدود تنويع مصادر الطاقة في إيطاليا

كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 مدى الهشاشة الهيكلية لمنظومة أمن الطاقة في إيطاليا أمام الصدمات الخارجية؛ حيث أجبر الاعتماد شبه الكامل على الغاز الروسي روما على إعادة التفكير في استقلاليتها الإستراتيجية، وهو مسار لم يكتسب صفة الإلزام القانوني داخل الاتحاد الأوروبي إلا بعد مرور أربع سنوات تقريباً، و ذلك بموجب الاتفاقية القاضية بحظر كافة واردات الغاز الروسي بحلول خريف عام 2027. ومع ذلك، وبعد مرور أربع سنوات على اندلاع الصراع، يبدو أن هذا الدرس لم يُستوعب سوى على نحو جزئي؛ إذ لم تعمل إيطاليا على تقليل اعتمادها على الواردات، بل اكتفت بنقل هذا الاعتماد إلى مصادر جغرافية أخرى.

تمثّل هذا الانتقال في تنويع الموردين، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى مضاعفة عدد العلاقات الثنائية الواجب إدارتها، ولا سيما مع الجزائر، وباكو، والدوحة، وواشنطن على نحو متزايد. بيد أن المتغير الهيكلي الرئيسي الذي أوجد تلك الهشاشة الأولية في المقام الأول يظل دون تغيير. وبإيجاز، لا تزال هناك فجوة ملموسة بين الخطاب المعلن حول تحقيق أمن الطاقة وبين مضمونه الفعلي.

مكّنت الاستراتيجية التي جرى تدشينها عَقِبَ عام 2022 إيطاليا من الاستعاضة عن خطوط الأنابيب السيبيرية المتصلبة بشحنات أكثر مرونة من الغاز الطبيعي المسال، محققةً بذلك هدف فصل الإمدادات الوطنية عن موسكو. ومع ذلك، أسفر هذا التحول عن أثر جانبي خطير؛ إذ نقل مركز الهشاشة من البنية التحتية البرية إلى المسارات البحرية، ومن مخاطر ثنائية مرتبطة بفاعل دولي واحد إلى مخاطر هيكلية منوطة بقدرة عدد محدود من المضايق البحرية الحيوية على الصمود.

ومن بين هذه المضايق البحرية، يُعدّ مضيق هرمز الأهم بالنسبة لإيطاليا، وهو المعبر الذي اتخذته إيران منذ اندلاع صراع عام 2026 أداةً للضغط الجيوستراتيجي، والذي يمر عبره عادةً زهاء ربع النفط المنقول بحراً وخمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. ولم تقتصر تعقيدات المشهد على إغلاق المضيق فحسب، بل تعدته إلى سلسلة من الهجمات المباشرة التي استهدفت البنية التحتية للنفط والغاز في عموم منطقة الخليج. وتتجلى الحالة الأوضح بالنسبة لإيطاليا في العقد المبرم بين شركتي “إدسون” و “قطر للطاقة” والمخصص لمحطة أدرياتيك للغاز الطبيعي المسال؛ ففي الفترة الممتدة بين مارس ويوليو من عام 2026، تذرعت شركة “قطر للطاقة” مراراً بـ بند القوة القاهرة، مما أدى إلى تعليق وصول ما مجموعه 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى البلاد، وهو ما يُقدر بنحو 3 مليارات متر مكعب من الغاز.

ورغم ذلك، فإن الانقطاع المادي للإمدادات، الذي يُخشى حدوثه في المراحل الأولى من الأزمة، لم يتحقق على أرض الواقع، إذ تجلت الأزمة أساساً في شكل طفرة تضخمية، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 2% خلال ثلاثة أشهر فقط، بين فبراير ومايو من عام 2026، وهو ما يعادل كلفة إضافية قدرها 505 يورو سنوياً للأسرة المتوسطة، وفقاً لحسابات الاتحاد الوطني للمستهلكين في إيطاليا والمستندة إلى بيانات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء. وإلى جانب المخاوف المتعلقة بمدى موثوقية سلاسل الإمداد، أدى قيظ الصيف الحالي إلى زيادة استهلاك الطاقة لأغراض تبريد المنازل والمكاتب، مما اقتطع من كميات الغاز المتاحة للحقن في منشآت التخزين، وذلك في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يعمل الاتحاد الأوروبي على تكوين احتياطياته لمواجهة فصل الشتاء.

في هذا السياق، تجد إيطاليا نفسها في موقع جيد نسبياً. فمن إحدى الزوايا، يمكن لإيطاليا الاعتماد على ثلاثة عشر موقعاً للتخزين موزعة في جميع أنحاء البلاد بسعة إجمالية تتجاوز 18 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهي سعة كافية لتغطية أكثر من ثلث الاستهلاك الوطني خلال موسم التدفئة الشتوي. كما أثبتت بنيتها التحتية الحالية قدرةً كافية على الصمود للاستعاضة السريعة عن الغاز القطري بالغاز الطبيعي المسال الأمريكي (في معظمه)؛ الأمر الذي ربط البلاد بروابط وثيقة بواشنطن منذ اندلاع الصراع، وأعاد إنتاج نمط سبق الاستشهاد به، والمتمثل في استبدال مورّد بآخر دون معالجة حقيقية لأساس المشكلة، ألا و هي الاعتماد الهيكلي على الواردات الخارجية.

فضلاً عن ذلك، فإن المورّد البديل ليس بالشرِيك العادي؛ إذ يمكن للولايات المتحدة أن تتخذ من صادراتها من الغاز الطبيعي المسال أداة مساومة لتشكيل الخيارات السياسية والاقتصادية لروما. كما أن موجة ارتفاع الأسعار لم تقف عند حدود الغاز فحسب؛ ففي بورصات السلع الأساسية في تورينو وروما، شهدت أسعار “اليوريا” (السماد الكيميائي) ارتفاعاً حاداً، مما أدى إلى تداعيات مباشرة ومترابطة على تكاليف القطاع الزراعي الإيطالي. وتُظهر هذه الآثار المتتابعة أن الاعتماد على الطاقة الخارجية لا يتوقف مطلقاً عند مسألة حدود التكلفة المالية، بل يتعدى ذلك ليشكل الموازين التجارية، والقدرة على المناورة الدبلوماسية، وتكاليف المعيشة في آنٍ واحد.

إن هذا الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً، بدلاً من الغاز المورد عبر الأنابيب، قد وضع مكانة إيطاليا البحرية في قلب أمن طاقتها. وجذور ذلك كله تمتد إلى عامل أكثر عمقاً، ألا وهو الموقع الجغرافي لإيطاليا، والذي ما تزال تجد صعوبة في تحويله إلى مزيدٍ من الميزة الاستراتيجية. فبوقوعها في حوض البحر الأبيض المتوسط، وانفصالها شمالاً بحاجز جبال الألب الذي يحد من الممرات البرية مع بقية أرجاء القارة، تعتمد إيطاليا اعتماداً وثيقاً على شبكة موانئها للربط مع تدفقات التجارة العالمية. ورغم امتلاك البلاد خطاً ساحلياً يمتد لنحو ثمانية آلاف كيلومتر، إلا أنها لم تبنِ قط نفوذاً بحرياً ممتداً بالقدر الكافي للعب دور فاعل في الأزمات التي تمس المسارات ذاتها التي تعتمد عليها؛ وهي المسارات نفسها التي باتت اليوم، كما رأينا، ركيزة الاستقرار لقطاعيها الاقتصادي والزراعي.

تتضح حدود النموذج الإيطالي على نحو أكثر جلاءً عند مقارنته بالدول التي تمكنت من بناء قدرتها على الصمود ليس فقط من خلال تنويع الموردين، بل وأيضاً من خلال تنويع مسارات الإمداد. وهنا تبدو المقارنة مع الأردن ذات دلالة توضيحية؛ ففي حين اعتمدت إيطاليا على قدرتها على دفع مبالغ إضافية (علاوة سعرية) للحصول على شحنات بديلة، حقق الأردن النتيجة ذاتها عبر الفصل اللوجستي، إذ تمر وارداته من النفط والغاز المسال عبر ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر وصولاً إلى العقبة، متجاوزةً مضيق هرمز بالكامل. كما منح تشغيل وحدة التخزين و التغزير العائمة للغاز الطبيعي المسال هناك عام 2025 المملكة خط دفاع ثانٍ فور إغلاق المضيق.

لا تمتلك إيطاليا بديلاً مُكافئاً على هذا الصعيد؛ وهو ما يُفسر جزئياً سبب اعتماد استجابتها حتى الآن على القنوات الدبلوماسية بدرجة أكبر من اعتمادها على البنية التحتية. وضمن هذا السياق الحافل بالعوامل الهيكلية، ينبغي قراءة مؤشرات إعادة توجيه الموقف البحري لروما؛ إذ صرّح وزير الخارجية أنطونيو تاياني بأن إيطاليا ستكون مستعدة، فور انتهاء الصراع، للإنضمام إلى تحالف دولي ذي طبيعة دفاعية لكفالة حرية الملاحة عبر المضيق، وهو الموقف الذي أكدت عليه رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في ختام قمة مجموعة السبع الأخيرة. بيد أن هذا الالتزام يظل مشروطاً بانتهاء أزمة طاقة عالمية لا تزال آفاق حسمها غائبة، فضلاً عن كونه لا يعالج المشكلة الهيكلية الأعمق المتمثلة في التبعية المادية لإيطاليا لمسارات تقع خارج نطاق سيطرتها.

إن ما تكشّف منذ اندلاع هذا الصراع يشير إلى قضية أوسع نطاقاً؛ إذ إن تنويع المورّدين الخارجيين ليس هو عينُ أمن الطاقة، ولا يمكن أن يكون بديلاً عنه. وتبرز هنا حاجة إيطاليا إلى توجيه اهتمامها نحو الداخل أيضاً، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة بذات القدر من الإلحاح الذي أبدته في السعي وراء مورّدين خارجيين جُدد. ففي المقابل، إن الاستمرار في نقل التبعية من نقطة إلى أخرى على الخارطة، دون تقليص حجمها الإجمالي مطلقاً، لا يفعل شيئاً سوى التمهيد لتكرار الأزمة ذاتها بصورة مختلفة في المرة القادمة التي يُغلق فيها أحد المضايق.

زر الذهاب إلى الأعلى