تحولات استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر وانعكاساتها على الأمن الأردني والإقليمي

تقدير بشأن التحول في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي وانعكاساته على الأردن والإقليم:

  • تقدر هذه الورقة أن إسرائيل دخلت، بعد 7 أكتوبر 2023، في مرحلة جديدة تعيد صياغة مفهومها الأمني، لا بوصفه مراجعة عسكرية محدودة، وإنما باعتباره تحولا في العلاقة بين الأمن والجغرافيا والسياسة. فقد أظهر الهجوم حدود التصور الإسرائيلي الذي اعتمد طويلا على الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، والتفوق الاستخباراتي والتكنولوجي. ويتمثل الأثر الأعمق في تآكل الافتراض الذي حكم السلوك الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين، وهو إمكانية إدارة التهديدات المحيطة دون الحاجة إلى تفكيكها تفكيكا جذريا.
  • تستند هذه الورقة إلى نقاشات وجلسات حوارية عقدها معهد السياسة والمجتمع مع خبراء في شؤون الجيش والأمن القومي الإسرائيلي.
  • تعتمد الورقة منهجية لتقدير الموقف تجمع بين قراءة المسار التاريخي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، وتحليل أثر 7 أكتوبر على مفهومي الردع والاحتواء، واستشراف السيناريوهات السياسية المرتبطة بطبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة بعد الانتخابات المتوقعة في أكتوبر 2026.
  • تخلص الورقة إلى أن إسرائيل تتجه إلى إعادة ترتيب عقيدتها الأمنية نحو نهج أكثر هجومية، يقوم على المنع الاستباقي، والدفاع الحدودي المتقدم، وفرض مناطق أمنية عازلة، وتوسيع حرية العمل العسكري خارج حدودها المباشرة. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن، لأن الضفة الغربية، وغور الأردن، والقدس تمثل نقاط التماس الأكثر حساسية بين الأمن القومي الإسرائيلي والأمن القومي الأردني.
  • تكتسب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أهمية مضاعفة لأنها ستكون أول انتخابات عامة بعد هجوم 7 أكتوبر وما تلاه من حرب متعددة الجبهات. ومن ثم، فإن الحكومة المنبثقة عنها لن تتعامل مع ملف الأمن القومي بوصفه نقاشا سياسيا عاما فقط، بل بوصفه التزاما مؤسسيا مكتوبا، في ضوء قانون يلزم بإعداد استراتيجية للأمن القومي.
  • لن تبقى الاستراتيجية المتوقعة، كما كان الحال سابقا، إطارا غير مدون يتشكل من تراكم قرارات الحكومات وتقديرات المؤسسة الأمنية ووثائق الجيش، حيث ستأخذ صيغة رسمية تقرها الحكومة، وتحدد من خلالها المصالح السياسية والأمنية، وأولويات التهديد، واتجاهات استخدام القوة، وعلاقة المستوى السياسي بالمؤسسة العسكرية.
  • لا يتمثل التهديد الأكبر على الأردن في مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة، وإنما في تهديدات مركبة ديموغرافية وحدودية وسياسية واقتصادية، ترتبط بمستقبل الضفة الغربية، وغور الأردن، والقدس، واحتمالات الضم، والتوسع الاستيطاني، والوصاية على المقدسات، وتراجع فرص التسوية السياسية.
  • يتسع التهديد الاقتصادي مع تصاعد توظيف ملفات التعاون الوظيفي في العلاقة الأردنية الإسرائيلية، وفي مقدمتها ملف المياه. فعدم تجديد الاتفاق الخاص بالكميات الإضافية من المياه بأسعار مخفضة يحول المياه من ملف تعاون فني إلى أداة ضغط سياسي، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية الأردنية وحاجة الأردن إلى تسريع بدائله الوطنية (Jordan Times, 2026; Times of Israel, 2026).
  • تتوقع الورقة أن يكون سيناريو اليمين المتطرف هو الأعلى خطرا على الأردن، لأنه يدمج بين الأمن والمشروع الأيديولوجي في الضفة الغربية والقدس. غير أن الخطر لا يقتصر على هذا السيناريو؛ فحكومة يمين تقليدي أو حكومة وسط أمني بقيادة شخصيات مثل غادي آيزنكوت قد تواصل المنع الاستباقي والدفاع الحدودي المتقدم بصيغة أكثر مؤسسية وقبولا خارجيا.
  • تقدر الورقة أن الأردن بحاجة إلى مقاربة استباقية لا تكتفي برد الفعل، تقوم على رصد مبكر للبرامج الحزبية الإسرائيلية، ومتابعة صياغة استراتيجية الأمن القومي المقبلة، وتثبيت خطوط حمراء بشأن التهجير والضم والقدس والمياه، وبناء تنسيق أردني – مصري – خليجي – فلسطيني تجاه الضفة وغزة والقدس.


التحول الأمني وموقع الحكومة الإسرائيلية القادمة

تعتمد هذه الورقة منهجية تحليلية تجمع بين تتبع المسار التاريخي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، وتحليل المتغيرات السياسية بعد 7 أكتوبر، وبناء سيناريوهات مرتبطة بطبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة. ويتمثل العامل الثابت في وجود عقيدة أمنية إسرائيلية متجذرة، حتى في ظل غياب وثيقة رسمية شاملة لفترات طويلة. أما المتغيرات المؤثرة فتتمثل في صدمة 7 أكتوبر، وشكل الحكومة المقبلة، واتجاهاتها الأيديولوجية، ومدى قدرتها على تحويل التصورات الأمنية المتداولة إلى استراتيجية رسمية مكتوبة.

تزداد أهمية هذا العامل بعد إقرار قانون يُلزم كل حكومة إسرائيلية جديدة بإعداد استراتيجية للأمن القومي خلال فترة محددة من تشكيلها. وبذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية القادمة، بعد الانتخابات المتوقعة في أكتوبر 2026، وهي أول انتخابات عامة تلي هجوم 7 أكتوبر وما أعقبه من حرب متعددة الجبهات، لن تتعامل مع ملف الأمن القومي بوصفه نقاشًا سياسيًا عامًا فحسب، بل بوصفه التزامًا مؤسسيًا مكتوبًا. ومن ثم، فإن الاستراتيجية المتوقعة لن تبقى، كما كان الحال سابقًا، إطارًا غير مدون يتشكل من تراكم قرارات الحكومات وتقديرات المؤسسة الأمنية ووثائق الجيش، ستأخذ صيغة رسمية تقرها الحكومة، وتحدد من خلالها المصالح السياسية والأمنية، وأولويات التهديد، وأنماط استخدام القوة، وعلاقة المستوى السياسي بالمؤسسة العسكرية. وقد أقر الكنيست قانون استراتيجية الأمن القومي في قراءاته النهائية عام 2025، بينما تشير قراءات إسرائيلية إلى أن الحكومة الجديدة ستكون مطالبة بإعداد استراتيجية مكتوبة خلال 150 يومًا من تشكيلها (Knesset, 2025; Arad, 2026).

ملامح التحول الأمني بعد 7 أكتوبر

تاريخيًا، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى ثلاثية الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، مع إضافة الدفاع لاحقًا بفعل تطور تهديدات الصواريخ وتحول الجبهة الداخلية إلى ساحة مكشوفة. إلا أن التطبيق العملي لهذه العقيدة، خصوصًا في غزة ولبنان، اتجه نحو إدارة الصراع عبر جولات محدودة من التصعيد، بما يهدف إلى استعادة الردع من دون إحداث تغيير جوهري في بنية التهديد. وقد عكست هذه السياسة قناعة إسرائيلية بأن حماس وحزب الله يمكن ضبطهما عبر قواعد اشتباك متكررة، وأن التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي يمنح إسرائيل قدرة كافية على رصد التصعيد ومنعه قبل تحوله إلى خطر استراتيجي (Bar, 2024).

جاء هجوم 7 أكتوبر ليهز هذه القناعة من جذورها. فلم تعد الإشكالية، في القراءة الإسرائيلية الجديدة، محصورة في خطأ تقدير استخباراتي، حيث باتت تعكس تراجع مفهوم الاحتواء ذاته. لذلك انتقل مركز الاهتمام من سؤال كيفية ردع الخصم إلى سؤال أشد عمقًا: كيف يمكن منع الخصم من بناء قدرة تتيح له تهديد إسرائيل مستقبلًا؟ وبهذا المعنى، تتقدم عقيدة “المنع الاستباقي” على سياسة الردع التقليدية. فهي لا تنتظر اكتمال الخطر للتعامل معه، وإنما تسعى إلى تفكيك مصادره في مراحل مبكرة، عبر الضربات الوقائية، وإنشاء المناطق العازلة، وتعزيز السيطرة الأمنية، ونزع السلاح في المجالات القريبة من الحدود. وتتوافق هذه القراءة مع تصاعد النقاش الإسرائيلي حول الحاجة إلى تصور أمني جديد بعد إخفاقات 7 أكتوبر، ومع الانتقال من حماية خط الحدود إلى إبعاد التهديد عن هذا الخط  (INSS, 2025)

الأردن في قلب المعادلة: الغور والضفة والقدس والمياه كمجالات تهديد مركبة

يمثل التحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية تهديدًا مباشرًا للأردن، بالنظر إلى موقع الضفة الغربية وغور الأردن في التصور الأمني الإسرائيلي. فمنذ عام 1967، نظرت إسرائيل إلى الغور باعتباره عمقًا دفاعيًا وحدًا أمنيًا شرقيًا، أي مساحة فاصلة تمنحها قدرة أكبر على التحكم في المجال الجغرافي المحيط بها ومنع أي اقتراب غير مرغوب فيه من الشرق. غير أن مرحلة ما بعد 7 أكتوبر تضيف إلى هذا التصور وظيفة أخرى، إذ لم تعد السيطرة على الحيز الجغرافي مجرد إجراء دفاعي، بل غدت وسيلة لإنتاج واقع سياسي دائم، يقوم على إعادة تشكيل المجال وتثبيت الوقائع على الأرض لفترات طويلة. كما تتعامل القراءات الحديثة مع الأغوار والمرتفعات الشرقية للضفة الغربية بوصفها جزءًا من الحماية الاستراتيجية لإسرائيل في مواجهة تهديدات محتملة من الشرق، لا باعتبارها ملفًا فلسطينيًا قابلًا للتسوية فقط . ومن ثم، فإن انتقال هذا الموقع من كونه منطقة حدودية إلى كونه عنصرًا ثابتًا في التفكير الأمني الإسرائيلي يرفع مستوى القلق الأردني، لأن أي تغيير في وظيفة الغور ينعكس مباشرة على الأمن الوطني الأردني وعلى طبيعة البيئة المحيطة به.  (Institute for Palestine Studies, 2025)

يظهر التهديد الديموغرافي بوصفه أحد أخطر أبعاد هذه المعادلة. فتعميق السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان، وتكثيف العنف الاستيطاني، وتقييد الحركة، وإضعاف الاقتصاد الفلسطيني، كلها عوامل قد تدفع الفلسطينيين نحو خيارات قسرية أو اضطرارية. كما أن تراكم هذه السياسات لا يعمل في لحظة واحدة، ولكن يتقدم تدريجيًا عبر إضعاف شروط البقاء اليومي، وتقليص فرص العمل، وتفكيك الاتصال الجغرافي بين المدن والقرى، وإحكام الرقابة على الموارد والتنقل. ولا يعني ذلك بالضرورة سيناريو تهجير جماعي مباشر وفوري، لكنه يفتح المجال أمام تهجير بطيء أو ضغط ديموغرافي متراكم، بما يضع الأردن أمام احتمالات شديدة الحساسية على مستوى الأمن الوطني، والهوية السياسية، والتوازن الاجتماعي. ومن هنا، فإن أي سياسة إسرائيلية تؤدي إلى إفراغ مناطق في الضفة، أو دفع السكان إلى البحث عن مخارج خارجية، تمثل تهديدًا مباشرًا للمصلحة الأردنية، حتى إن لم تُطرح رسميًا بصيغة “التهجير”. ويزداد هذا الخطر حين تقترن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بخطاب سياسي يتسامح مع فكرة “الحسم” الديموغرافي، لأن ذلك يجعل الحركة السكانية جزءًا من الصراع، لا نتيجة جانبية له فقط.

أما التهديد السياسي، فيتصل بتقويض حل الدولتين وترسيخ واقع يضع الأردن أمام معادلة فلسطينية مغلقة غرب النهر. فكلما اتجهت إسرائيل إلى تثبيت السيطرة الأمنية في الغور والضفة، تراجعت إمكانية قيام كيان فلسطيني قابل للحياة، سواء من حيث الاتصال الجغرافي أو من حيث السيطرة على الحدود والموارد أو من حيث القدرة على بناء مؤسسات سيادية. ويعني ذلك أن الأردن سيجد نفسه أمام فراغ سياسي فلسطيني طويل الأمد، تتداخل فيه هشاشة السلطة الفلسطينية، وتنامي سطوة المستوطنين، وصعود النزعة الدينية القومية داخل إسرائيل. وفي هذه الحالة، لا يعود الخطر مقتصرًا على مصير الضفة، حيث يمتد إلى دور الأردن الإقليمي، وموقعه في معادلة التسوية، وقدرته على الدفاع عن تصور سياسي قائم على الدولة الفلسطينية المستقلة. كما أن إضعاف هذا التصور يعيد الضغط إلى الأردن بوصفه طرفًا عربيًا مركزيًا يواجه تبعات غياب الأفق السياسي، سواء في علاقاته مع القوى الدولية أو في داخله السياسي والاجتماعي، حيث يصبح السؤال الفلسطيني أكثر حضورًا في الحسابات الأردنية اليومية.

وترتبط القدس والوصاية الهاشمية بمستوى آخر من التهديد. فصعود التيارات الدينية القومية داخل إسرائيل، وتزايد المطالب بتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي، يضعان الأردن أمام اختبار سياسي وديني شديد الحساسية. فالوصاية الهاشمية ليست ملفًا رمزيًا فقط، إنما هي ركيزة من ركائز الشرعية الدبلوماسية الأردنية في القضية الفلسطينية، وعنوان مهم من عناوين الحضور الأردني في القدس وفي الوعي العربي والإسلامي. ومن ثم، فإن أي مساس بالوضع القائم في القدس، أو فرض وقائع جديدة داخل الحرم، أو توظيف الملف الديني في الصراع الداخلي الإسرائيلي، سيضغط على الأردن داخليًا وخارجيًا، ويزيد من صعوبة إدارة العلاقة مع إسرائيل ضمن سقف معاهدة السلام. كما أن أي تغيير محدود في الإجراءات أو الرموز داخل القدس قد يكتسب دلالة سياسية واسعة، لأن المكانة الدينية للمدينة تجعل أي تعديل في وضعها قابلًا للتحول إلى أزمة إقليمية أوسع، وهو ما يضع صانع القرار الأردني أمام ضرورة الموازنة بين حماية الثوابت الوطنية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

ويتصل البعد الحدودي بغور الأردن ومعابر الحركة بين الأردن والضفة الغربية. فإذا تحولت السيطرة الإسرائيلية في الغور إلى جزء ثابت في استراتيجية الأمن القومي، فإن الحدود الأردنية الفلسطينية ستصبح محكومة بترتيبات أمنية إسرائيلية أكثر صلابة. وهذا قد ينعكس على حركة الأفراد والبضائع، وعلى معبر الكرامة/اللنبي، وعلى قدرة الأردن على إدارة العلاقة اليومية مع الضفة الغربية. ويظهر الخطر هنا لا في تغيير قانوني لمعاهدة السلام، وإنما في تبدل تدريجي للبيئة الأمنية والاقتصادية على الحدود، بما يجعل الأردن أكثر عرضة لقرارات إسرائيلية أحادية في لحظات التصعيد. كما أن تشديد القيود على المعابر قد يؤثر في الاقتصاد المحلي في المناطق الحدودية، وفي الروابط الاجتماعية والعائلية بين الضفتين، وفي قدرة الأردن على الحفاظ على دور عملي في دعم الفلسطينيين عبر القنوات المدنية والإنسانية. ومن ثم، فإن الحدود في هذا السياق لا تمثل خطًا جغرافيًا فقط، لكن مجالًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا تتقاطع فيه مصالح متعددة، ويصبح اضطرابه عاملًا مباشرًا في زيادة الضغط على الأردن.

يمثل البعد المائي أحد العناصر المباشرة في معادلة الأمن القومي الأردني، بالنظر إلى أن الأردن يعد من أفقر دول المنطقة مائيًا، وأن أي تغير في أنماط السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن أو في إدارة الموارد المشتركة ينعكس مباشرة على قدرة الدولة الأردنية على تلبية احتياجات السكان والزراعة والخدمات. فالتحكم بالمناطق الشرقية من الضفة الغربية والغور لا يقتصر على الاعتبارات العسكرية والأمنية، بل يمتد إلى الأحواض المائية، ومصادر التغذية الجوفية، والأراضي الزراعية، ومجاري المياه القريبة من الحدود الأردنية.

ومع تداخل السياسات الأمنية الإسرائيلية مع التحكم بالموارد الطبيعية، يتحول الماء إلى جزء من ميزان القوة الإقليمي، وليس مجرد ملف فني أو خدمي. وعليه، فإن أي توسع في السيطرة الإسرائيلية قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الأردن في ملف المياه، سواء من خلال تقليص فرص الوصول إلى الموارد المشتركة، أو عبر ربطها بترتيبات سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا. وتزداد خطورة هذا العامل في ظل التغيرات المناخية وارتفاع الطلب الداخلي على المياه، بما يجعله مؤثرًا في قدرة الأردن على الصمود الاجتماعي والاقتصادي على المديين المتوسط والبعيد.

ويضيف ملف المياه بعدًا اقتصاديًا وسياديًا إلى هذا التهديد، خصوصًا بعد إعلان إسرائيل عدم تجديد الاتفاق الخاص بتزويد الأردن بكميات إضافية من المياه بأسعار مخفضة. فهذا التطور يوضح أن ملفات التعاون الوظيفي بين الجانبين لم تعد منفصلة عن التوتر السياسي. ورغم أن معاهدة السلام تنص على تزويد الأردن بكميات أساسية من المياه، فإن الاتفاق الإضافي كان ذا أهمية خاصة للأردن في ظل الشح المائي الحاد. لذلك، فإن عدم تجديده يطرح إشكالية كمية المياه و يكشف أيضًا عن قابلية ملفات المياه والطاقة والاعتماد الاقتصادي للتحول إلى أدوات ضغط في العلاقة الثنائية (Jordan Times, 2026; Times of Israel, 2026).

ومن منظور صانع القرار الأردني، يتجاوز ملف المياه قيمته الفنية والتنموية، إذ يشير إلى أن أي تصعيد سياسي مع إسرائيل في ملفات الضفة الغربية أو القدس أو غزة قد يمتد إلى ملفات اقتصادية وحيوية تمس الأمن الداخلي الأردني. ومن ثم، فإن تقليل الاعتماد على ترتيبات قابلة للتسييس يصبح ضرورة أمنية، وليس خيارًا تنمويًا فقط. وفي هذا السياق، تندرج مشاريع مثل الناقل الوطني، وتنويع مصادر الطاقة، وتحسين كفاءة إدارة المياه، وتوسيع الشراكات الإقليمية والدولية غير المرتبطة بإسرائيل، ضمن أولويات الأمن القومي الأردني.

الخريطة السياسية الإسرائيلية: أي حكومة ستكتب الاستراتيجية القادمة؟

حكومة يمين متطرف: الأمن كأداة لمشروع أيديولوجي

تتباين درجة التهديد بحسب طبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة. فإذا تشكلت حكومة يمين متطرف، فإن الخطر على الأردن يرتفع إلى مستوى بالغ، لأن الاعتبارات الأمنية ستندمج مع مشروع أيديولوجي يقوم على الضم، وتوسيع الاستيطان، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وإعادة تعريف الضفة الغربية بوصفها مجال سيادة يهودية. في هذا السيناريو، لا تكون المناطق العازلة مجرد تدبير عسكري، وتصبح جزءًا من مشروع سياسي ممتد. وقد أظهرت تطورات ما بعد الحرب أن الضفة الغربية شهدت توسعًا في الاقتحامات، وتصاعدًا في عنف المستوطنين، وتضييقًا على حرية الحركة والاقتصاد، وهو ما يعزز المخاوف الأردنية من تحول الضغط الأمني إلى بيئة طاردة للفلسطينيين ‪(Mada al-Carmel, 2024).

الليكود واليمين التقليدي: استمرار السيطرة الأمنية بأدوات أكثر انضباطًا

أما حكومة يمين تقليدي بقيادة الليكود، فستكون أقل اندفاعًا في الخطاب، لكنها ستواصل على الأرجح سياسة السيطرة الأمنية الدائمة. فالدروس التي استخلصتها إسرائيل من 7 أكتوبر تدفع نحو إنشاء أحزمة أمنية في غزة وجنوب لبنان وسوريا، مع تثبيت خاص لمكانة غور الأردن في التصور الدفاعي. وقد أظهر استطلاع منشور في إسرائيل هيوم تأييدًا إسرائيليًا واسعًا لفكرة المناطق العازلة والحضور الأمني الدائم في مجالات التهديد المحيطة بإسرائيل، كما أشار الاستطلاع إلى ضعف الثقة بالقوات الدولية بوصفها بديلًا عن الوجود الأمني الإسرائيلي ‪(Israel Hayom, 2026).

يشّار وآيزنكوت: مأسسة التحول الأمني بلغة وسطية

ومن جهة أخرى، يمثل حزب يشّار، بقيادة غادي آيزنكوت، حالة مختلفة داخل المشهد الإسرائيلي. فلا يندرج الحزب ضمن اليسار، ولا يتبنى خطاب اليمين الديني، وإنما يعبر عن تيار أمني مؤسسي يسعى إلى استعادة الثقة بالدولة والجيش بعد 7 أكتوبر، وإلى إعادة بناء القرار الأمني على أسس مهنية. وتكمن أهمية هذا التيار في أنه قد يمنح التحول الأمني الإسرائيلي صيغة أكثر قبولًا داخليًا وخارجيًا. فحكومة تضم شخصيات مثل آيزنكوت قد تخفف من لغة الضم والتوسع، لكنها قد تجعل المنع الاستباقي والدفاع الحدودي المتقدم سياسة أكثر تنظيمًا وشرعية، ولا سيما أمام الولايات المتحدة وأوروبا. ومن منظور أردني، لا يقل هذا السيناريو أهمية عن سيناريو اليمين؛ لأن الخطر ينتقل من الاندفاع الأيديولوجي إلى التثبيت المؤسسي للاستراتيجية الأمنية الجديدة. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن آيزنكوت يطرح نفسه ضمن معسكر وسطي يركز على ترميم الدولة بعد الحرب، واستعادة الثقة بالمؤسسات، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر ‪(Reuters, 2026a).

المعارضة الوسطية: تراجع الضم العلني لا يعني التراجع عن العقيدة الجديدة

أما حكومة معارضة أوسع تضم قوى وسطية مثل لابيد، بينيت، فقد تخفض احتمالات الضم العلني، لكنها لن تعيد إسرائيل إلى مرحلة ما قبل 7 أكتوبر. فالإجماع الإسرائيلي بعد الهجوم يتجه نحو رفض سياسة الاحتواء القديمة، ولا سيما تجاه غزة ولبنان. وقد عبّرت كتابات إسرائيلية عن أن إسرائيل كانت ستواصل سياسة احتواء حماس لو أُحبط هجوم 7 أكتوبر، لأن الافتراض السائد كان أن الحركة مردوعة وأن مصالحها الحكومية والاقتصادية تمنعها من المبادرة الكبرى. ويجعل انهيار هذا الافتراض أي حكومة قادمة، حتى ذات الطابع الوسطي، مضطرة إلى تقديم إجابات أمنية أكثر تشددًا لجمهورها ‪(Michael & Wertman, 2025).

اليسار ووسط اليسار: هامش سياسي أوسع ضمن قيود أمنية صلبة

ويبقى سيناريو حكومة يسار أو وسط يسار الأقل تهديدًا سياسيًا، لكنه لا يلغي التحول الأمني. فقد تعيد هذه الحكومة الاعتبار إلى التنسيق مع الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية، وتحد من احتمالات الضم الرسمي، وتفتح نافذة لترتيبات سياسية أو إقليمية. غير أن البيئة الاجتماعية والسياسية داخل إسرائيل بعد 7 أكتوبر تجعل أي حكومة مقيدة بمطلب الأمن المسبق، وبضرورة إظهار القدرة على منع تراكم التهديدات. لذلك سيكون الفارق في الأدوات واللغة، وفي مدى التنسيق مع الخارج، لا في أصل التوجه نحو دفاع أكثر تقدمًا ومنع أكثر صرامة.

الارتدادات الإقليمية: من الحدود المصرية إلى الخليج العربي

وتطال التداعيات الإقليمية مصر ولبنان وسوريا والخليج العربي. وبالنسبة إلى مصر، يتمحور الخطر حول غزة ومحور فيلادلفيا وسيناريوهات التهجير نحو سيناء. وأي حضور أمني إسرائيلي طويل الأمد في غزة سيعيد إنتاج التوتر حول معاهدة السلام والتنسيق الحدودي. وفي لبنان، يتجه الجنوب إلى أن يكون ساحة اختبار لفكرة الحزام الأمني بصيغة جديدة، ولا سيما في ظل السعي الإسرائيلي إلى منع حزب الله من إعادة بناء قدراته قرب الحدود. وفي سوريا، ستستمر الضربات الإسرائيلية ضد التموضع الإيراني ونقل السلاح، مع احتمال توسيع الرقابة الأمنية على الجنوب السوري. وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن إسرائيل تتجه إلى استراتيجية طويلة الأمد تقوم على مناطق عازلة في غزة وسوريا ولبنان، وهو ما يعكس انتقالًا من الرد على الهجمات إلى إبعاد مصادر التهديد عن الحدود ‪(Reuters, 2026b).

أما الخليج العربي، فيواجه تهديدًا مختلفًا يرتبط بالممرات البحرية، وإيران، والحوثيين، وأمن الطاقة. فكلما توسعت إسرائيل في سياسة الضربات الاستباقية، زادت احتمالات انزلاق الخليج إلى تداعيات لا يتحكم بمسارها، ولا سيما في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز. ويزداد هذا الخطر في حال تحولت المواجهة مع إيران أو حلفائها إلى مسار مفتوح، لأن دول الخليج ستجد نفسها بين متطلبات الردع الإقليمي، وحماية التجارة والطاقة، وتجنب الانخراط في مواجهة لا تملك السيطرة في مواجهتها.

ما ينبغي على صانع القرار الأردني مراقبته خلال الأشهر المقبلة

بالنسبة إلى صانع القرار الأردني، لا يكفي التعامل مع التحول الإسرائيلي بوصفه اتجاهًا عامًا أو تغيرًا مرحليًا مرتبطًا بسياق سياسي محدد. بل ينبغي متابعة مؤشرات دقيقة ومترابطة، يمكن من خلالها قياس مسار التحول في الاستراتيجية المقبلة، وتقدير مدى انعكاسه على الأردن، سواء على مستوى الأمن الحدودي أو على مستوى الترتيبات السياسية والإقليمية الأوسع:

  • متابعة برامج الأحزاب الإسرائيلية قبل انتخابات أكتوبر 2026، ولا سيما ما يتعلق بالضفة الغربية، وغور الأردن، والقدس، وغزة، والمناطق العازلة، والاستراتيجية المكتوبة للأمن القومي، مع رصد الخطاب الانتخابي للأحزاب اليمينية والدينية بشأن الضم، والسيادة على الضفة، والحرم القدسي، ووضع السلطة الفلسطينية، لأن هذه المفردات لا تعكس فقط مواقف دعائية، بل تكشف أيضًا عن اتجاهات سياسية قد تتحول لاحقًا إلى سياسات حكومية فعلية.

  • مراقبة أي تسريبات أو مسودات أولية تتعلق باستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية المقبلة، ولا سيما البنود المرتبطة بالحدود الشرقية، والمناطق العازلة، والمنع الاستباقي، وحرية العمل العسكري، مع الانتباه إلى الصياغات القانونية والأمنية التي قد تشير إلى انتقال هذه المفاهيم من مستوى التقدير العسكري إلى مستوى التوجيه الرسمي المعتمد.

  • متابعة القرارات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان، ومصادرة الأراضي، وبناء الطرق الالتفافية، وتسليح المستوطنين في الضفة الغربية، لأن هذه الإجراءات تمثل أدوات عملية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية على الأرض، وتؤثر بصورة مباشرة في إمكانات أي تسوية مستقبلية وفي طبيعة الاتصال الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية.

  • مراقبة مستوى العنف الاستيطاني في مناطق الأغوار، وشمال الضفة، ومحيط القدس، ومدى تحوله إلى سياسة ضغط منظمة على الوجود الفلسطيني، لأن ارتفاع هذا العنف أو تزايد انتظامه قد يدل على انتقاله من أفعال فردية متفرقة إلى أداة أكثر اتساقًا في إدارة الصراع.

  •  متابعة الوضع المالي والأمني للسلطة الفلسطينية، لأن انهيارها أو إضعافها الشديد سيجعل الأردن الطرف الأكثر تضررًا من الفراغ السياسي والأمني غرب النهر، وسيزيد من أعباء التنسيق الأمني والإنساني، فضلًا عن احتمال انتقال أزمات الميدان إلى الحدود الأردنية بشكل مباشر أو غير مباشر.

  • رصد أي تغيير في ترتيبات معبر الكرامة/اللنبي، سواء على مستوى حركة الأفراد أو البضائع أو المساعدات، بوصفه مؤشرًا مبكرًا على تبدل البيئة الأمنية الأردنية الفلسطينية، وعلى احتمال استخدام المعبر كأداة ضغط سياسية أو أمنية في أوقات التوتر.

  • مراقبة المواقف الإسرائيلية تجاه الوصاية الهاشمية والوضع القائم في الحرم القدسي، خاصة خلال المواسم الدينية والتصعيدات الداخلية الإسرائيلية، لأن أي تغيير في هذا الملف لن يبقى ضمن نطاق رمزي أو ديني فحسب، بل قد يمتد إلى علاقة الأردن الإقليمية ومكانته السياسية في القدس.

  • متابعة ملف المياه مع إسرائيل، والتمييز بين الالتزام الأساسي في معاهدة السلام وأي ترتيبات إضافية قابلة للتجديد أو التعليق السياسي، مع تحليل مدى ارتباط هذا الملف بالتوترات الإقليمية وبالرسائل السياسية المتبادلة بين الطرفين.

  • تسريع تقييم أثر عدم تجديد اتفاق المياه الإضافية في الأمن المائي الأردني، وفي كلفة البدائل، وفي الجدول الزمني للناقل الوطني، لأن التأخر في هذا التقييم قد يحد من قدرة الدولة على إعداد بدائل واقعية في الوقت المناسب، ويزيد من كلفة الاستجابة المستقبلية.

  • مراقبة الخطاب الأمريكي والأوروبي تجاه الضم والتهجير والقدس، لأن وضوح الموقف الغربي أو غموضه سيؤثر في هامش الحركة الإسرائيلي، وقد يحدد أيضًا درجة الجرأة التي ستعتمدها الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ سياساتها على الأرض.

  • رصد أي تحول في الموقف الخليجي تجاه التعاون الأمني أو الاقتصادي مع إسرائيل، لأن الانقسام العربي يضعف قدرة الأردن على تثبيت خطوط حمراء جماعية، ويجعل الضغط السياسي أكثر تركزًا على الأطراف التي ما تزال تتمسك بموقف أكثر تحفظًا.

التقدير النهائي: التهديد يتجاوز شكل الحكومة الإسرائلية القادمة إلى بنية العقيدة الأمنية الإسرائيلية ورؤيتها

يخلص هذا التقدير إلى أن 7 أكتوبر لم يبتكر عقيدة إسرائيلية جديدة من العدم، بل دفع أكثر مكونات العقيدة السابقة ميلًا إلى الهجوم إلى صدارة المشهد، مثل الحسم، والمنع، والأحزمة الأمنية، والدفاع المتقدم، والضربات بعيدة المدى. وفي هذا السياق، لا يبدو التغير مجرد رد فعل عابر على حدث أمني كبير، إنما أقرب إلى إعادة ترتيب داخلية في سلم الأولويات الأمنية، بحيث أصبحت مفاهيم السيطرة والوقاية المسبقة أكثر حضورًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. وبالنسبة إلى الأردن، فإن التحدي الأساس هو منع تحويل الضفة الغربية وغور الأردن إلى عنصر ثابت في استراتيجية أمن قومي إسرائيلية مكتوبة ورسمية، بما قد يؤدي إلى إغلاق الأفق السياسي الفلسطيني وفرض ضغوط مباشرة على الأمن الوطني الأردني، سواء عبر الحدود أو عبر البيئة السياسية المحيطة بالقضية الفلسطينية.

وتكمن خطورة الوثيقة المتوقعة في أنها قد تنقل مفاهيم المنع الاستباقي، والمناطق العازلة، والسيطرة الأمنية من مستوى التطبيق الظرفي إلى مستوى المبادئ المعتمدة في سياسة الدولة. كما أن هذا التحول قد يمنح الممارسات الميدانية غطاءً نظريًا ورسميًا أوسع، ويجعلها أكثر استمرارية وأقل خضوعًا للتبدل الحكومي السريع. كما تشير السيناريوهات المختلفة إلى أن التهديد لا يرتبط فقط بصعود اليمين المتطرف، رغم خطورته العالية، بل يمتد أيضًا إلى سيناريوهات الوسط الأمني أو حكومة المعارضة، لأن التحول بعد 7 أكتوبر أصبح جزءًا من إجماع أمني إسرائيلي أوسع ورؤية وطنية، الأمر الذي يعني أن مصدر القلق الأردني لا يكمن في هوية الحزب الحاكم وحدها، لكن في اتجاه البنية الفكرية والأمنية التي قد تتجاوز تبدل الحكومات وتستمر معها.

ما الذي يترتب على الأردن والدول المهددة؟

يترتب على الأردن أن يتحرك استباقيًا عبر مسارات متوازية، لأن انتظار تطور الأحداث بعد وقوعها لم يعد كافيًا في بيئة إقليمية تتغير بسرعة، وفي ظل مؤشرات على انتقال السياسة الإسرائيلية من ردود الفعل الظرفية إلى تصور أكثر ثباتًا وطويل المدى:

  • إنشاء وحدة رصد استراتيجية متخصصة لمتابعة النصوص الحزبية والعسكرية الإسرائيلية بالعبرية والإنجليزية، مع تحليل ما يرد فيها من مؤشرات تتعلق بالضم، والتهجير، والمناطق العازلة، وإعادة ترتيب المجال الأمني على الحدود.

  • تثبيت خطوط حمراء واضحة مع واشنطن وبروكسل ضد التهجير والضم وتغيير الوضع القائم في القدس، مع تحويل هذه الخطوط من مواقف عامة إلى رسائل سياسية متكررة ومحددة، تشرح أثر أي تغيير على استقرار الأردن والمنطقة.

  • بناء موقف أردني-مصري-خليجي-فلسطيني مشترك تجاه غزة والضفة والقدس، بحيث لا يبقى كل طرف في مواجهة منفردة مع السياسة الإسرائيلية، وبحيث يجري التعامل مع هذه الملفات باعتبارها مترابطة وليست قضايا منفصلة.

  • تعزيز الجاهزية الحدودية والإنسانية من دون قبول أي سيناريو تهجيري، عبر تطوير الخطط الأمنية واللوجستية، ورفع القدرة على الاستجابة السريعة، مع التأكيد السياسي الدائم على رفض تحويل الأردن إلى بديل جغرافي أو ديموغرافي.

  • تقليص الاعتماد الاقتصادي والمائي والطاقوي على ترتيبات قابلة للتسييس، لأن استمرار الاعتماد غير المتوازن يجعل أدوات التعاون عرضة للضغط في أوقات التوتر، ويضعف هامش القرار الوطني.

  • تسريع بدائل الأمن المائي، وفي مقدمتها الناقل الوطني، وتحويل ملف المياه من إدارة للموارد إلى قضية أمن قومي، لأن الأمن المائي لم يعد شأنًا تقنيًا فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالاستقرار الداخلي والقدرة على الصمود في المدى الطويل.

  • تكثيف الحضور القانوني والدبلوماسي الأردني لتأكيد أن أمن الأردن ليس ملفًا ملحقًا بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل شرط أساسي لاستقرار الإقليم، وأن أي مساس بهذا الأمن سينتج عنه آثار تتجاوز الحدود المباشرة للدولة.

  • بناء قناة تنسيق منتظمة مع السلطة الفلسطينية ومصر ودول الخليج لمتابعة مؤشرات الضم والتهجير والتصعيد في القدس، بحيث تكون هناك متابعة سياسية وأمنية ودبلوماسية مستمرة، لا مجرد اتصالات عند الأزمات.

  • إعداد تقديرات دورية لصانع القرار الأردني بشأن مسار الاستراتيجية الإسرائيلية المكتوبة، وربطها بتداعيات مباشرة على الأمن الداخلي والحدود والمياه والاقتصاد، حتى يصبح القرار الأردني مبنيًا على قراءة مبكرة للتغيرات لا على رد الفعل المتأخر.

  • أما الدول العربية المهددة، فهي بحاجة إلى مقاربة وقائية مشتركة تقوم على تنسيق الإنذار المبكر، ورفض الأحزمة الأمنية الدائمة والضم، وحماية الممرات البحرية، وربط أي تعاون أمني أو سياسي مع إسرائيل بالتزامات واضحة تمنع تحويل العقيدة الأمنية الجديدة إلى مشروع لإعادة تشكيل الإقليم بالقوة. كما أن هذه المقاربة تتطلب درجة أعلى من التوافق العربي على تعريف الأخطار، وعلى تحديد ما يمكن قبوله وما يجب رفضه بشكل صريح، لأن غياب هذا التوافق يترك كل دولة في موقع أضعف أمام الضغوط الثنائية.

خاتمة

تكشف التحولات الجارية في التفكير الأمني الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر أن المنطقة لا تواجه مجرد مرحلة تصعيد عسكري عابر، وإنما احتمال انتقال إسرائيل إلى استراتيجية أمن قومي مكتوبة تنقل ممارسات كانت تُدار سابقًا بقرارات ظرفية إلى مستوى المبادئ الرسمية للدولة. هذا التحول يمنح ملفات مثل المنع الاستباقي، والمناطق العازلة، والدفاع الحدودي المتقدم، والسيطرة الأمنية، وزنًا أكبر في صناعة القرار الإسرائيلي القادم، ويجعل من الضروري قراءة هذه المؤشرات بوصفها جزءًا من بنية سياسية وأمنية جديدة، لا مجرد ردود فعل مؤقتة.

بالنسبة إلى الأردن، تتمثل خطورة هذه المرحلة في تداخل الجغرافيا بالأمن والسياسة. فالضفة الغربية، وغور الأردن، والقدس، والمياه، لم تعد ملفات منفصلة، تجاوزت ذلك وأصبحت حلقات مترابطة في معادلة أمنية واحدة. أي تغيير إسرائيلي في الضفة ينعكس على الأردن سياسيًا وديموغرافيًا، ويؤثر في حسابات الاستقرار الداخلي والحدود. وأي مساس بالقدس يضغط على الوصاية الهاشمية، ويضع الأردن أمام تحديات تتعلق بالدور والمكانة والشرعية التاريخية. وأي توظيف للمياه أو المعابر أو الاقتصاد في العلاقة الثنائية يحول أدوات التعاون إلى أدوات ضغط، ويزيد من حساسية القرار الأردني في الملفات اليومية والاستراتيجية معًا.

لذلك، فإن الاستجابة الأردنية المطلوبة لا يمكن أن تقتصر على إدارة الأزمات عند وقوعها. المطلوب هو انتقال واضح نحو سياسة استباقية ترصد التحول الإسرائيلي قبل أن يتحول إلى وثيقة رسمية، وتبني خطوطًا حمراء مبكرة، وتوسع التنسيق العربي، وتقلل الاعتماد على الترتيبات القابلة للتسييس. كما أن هذه الاستجابة يجب أن تجمع بين الأدوات السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية، لأن طبيعة التهديد نفسها لم تعد أحادية الجانب، وإنما امتدت إلى أكثر من ساحة في وقت واحد. فالأمن الأردني في المرحلة المقبلة لن يتأثر فقط بما تفعله إسرائيل عسكريًا، أيضا بما ستكتبه رسميًا في استراتيجيتها القادمة، وبكيفية ترجمة تلك الاستراتيجية في الضفة والقدس والغور والمياه والحدود، وبمدى قدرة الأردن والدول العربية على بناء موقف يمنع تحويل هذه النصوص إلى واقع دائم.

المراجع

  • Arad, S. (2026). The challenge of formulating Israel’s first official national security strategy. Begin-Sadat Center for Strategic Studies.
  • Bar, K. (2024). Aspects of the formation of Israel’s national security doctrine. Dado Center / Israel Defense Forces.
  • Institute for National Security Studies. (2025). The state of Israel’s national security: Policy recommendations for 2025. INSS.
  • Institute for Palestine Studies. (2025). Israel’s security discourse as regards the Ghawr/Rift Valley after October 7. Institute for Palestine Studies.
  • Israel Hayom. (2026). Israelis overwhelmingly back buffer zones, permanent security presence after Oct. 7. Israel Hayom.
  • Jordan Times. (2026). Gov’t prepares alternative water plan as Israel deal expires. Jordan Times.
  • Knesset. (2025). National Security Strategy Bill approved in final readings. The Knesset.
  • Mada al-Carmel. (2024). Israel’s shifting policies toward the West Bank. Mada al-Carmel: Arab Center for Applied Social Research.
  • Michael, K., & Wertman, O. (2025). If Oct. 7 had been thwarted, would Israel’s strategic doctrine have changed?. Israel Hayom.
  • Reuters. (2026a). Israeli vote to dissolve parliament may bring elections forward. Reuters.
  • Reuters. (2026b). As US and Iran talk truce, Israel digs in for a “forever war”. Reuters.
  • Times of Israel. (2026). Parched Jordan fuming at Israeli refusal to renew expired water deal: Report. Times of Israel.

زر الذهاب إلى الأعلى