قراءة في المعنى الاجتماعي للضربات الأردنية على الجنوب السوري

الضربات العسكرية من شأنها تحقيق أهداف أمنية معينة ولكنها أيضًا تنتج معاني اجتماعية عميقة، وما رصده تقرير معهد السياسة والمجتمع حول التفاعل الرقمي السوري مع الضربات الأردنية على الجنوب السوري في مايو 2026 يكشف أن المعنى الذي أنتجه السوريون حول هذه الضربات ذهب أبعد بكثير مما أعلنته عمّان؛ إذ لم يناقش السوريون تهريب المخدرات بقدر ما ناقشوا السلطة والشرعية ومستقبل الجنوب السوري. وهذا وحده يطرح تساؤلًا يستحق التأمل: ما المعنى الاجتماعي الذي أعطاه السوريون لهذه الضربات، وكيف تشكّل بمعزل عن الرواية الأردنية الرسمية، وماذا يعني كل هذا للأردن؟

يمكن القول إن الأحداث السياسية لا تحمل معنىً واحدًا ثابتًا، فالمجتمعات تُعيد بناءها وفق مرجعياتها التاريخية وصراعاتها الداخلية وذاكرتها الجمعية. وما كشفه الفضاء الرقمي السوري هو أن الضربات الأردنية لم تُقرأ بوصفها عملية أمنية حدودية بقدر ما قُرئت بوصفها موقفًا في صراع أعمق يدور في الجنوب السوري منذ سنوات؛ صراع على من يملك السلطة الشرعية في مرحلة إعادة بناء الدولة السورية. وفي قلب هذا الصراع يقف حكمت الهجري، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز والقائد الفعلي لميليشيا قوات الحرس الوطني في السويداء. فمنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، يمثل الهجري نموذجًا للزعامة المحلية المسلحة التي ملأت فراغ الدولة؛ في السويداء يراه كثيرون حاميًا وضامنًا لاستقرار محلي هش، وفي المحافظات السورية الأخرى يراه آخرون تجسيدًا لمشروع انفصالي تحميه علاقة مباشرة مع إسرائيل.

 وحين ضربت الطائرات الأردنية مواقع مرتبطة بمناطق نفوذه، لم يكن السوريون يتفاعلون مع الضربات بقدر ما كانوا يتفاعلون مع كل ما يرتبط بطبيعة المشروع الذي يمثله الهجري وما يقف خلفه. فالسوريون الذين أيّدوا العملية لم يؤيدوا الأردن بقدر ما أيّدوا ما رأوا فيه إضعافًا لنموذج الزعامة المسلحة خارج الدولة الذي يحمل في ذاكرتهم الجمعية وجعًا متراكمًا من سنوات الصراع. الضربات أتاحت لهم فرصة التعبير عن هذا الرفض في سياق يبدو أكثر أمانًا لأنهم يعبرون عن موقفهم من قضية سورية داخلية طُرحت بفعل عامل خارجي. وفي المقابل، رفض آخرون الضربات لا دفاعًا عن التهريب، وإنما من منطلق سيادي يرى في أي فعل عسكري خارجي استهانةً بدولة لا تزال تحاول إثبات سيادتها.

ولعل الأكثر دلالةً على هذا ظاهرة إعادة تداول تغريدة قديمة لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي تعود إلى عام 2015 وتتناول الهجري وارتباطاته، تغريدة عمرها أحد عشر عامًا أعاد الفضاء الرقمي السوري استحضارها فور وقوع الضربات، وكانت قد تداولت قبل ذلك حين اشتعلت التوترات في المنطقة ذاتها في أغسطس الماضي. هذا التكرار ليس مصادفةً رقمية؛ المجتمعات تستحضر من الماضي ما يُساعدها على تسمية ما تشعر به في الحاضر، ونص الصفدي وفّر للسوريين لغةً تُسمّي قلقًا متراكمًا حول نموذج السلطة المسلحة خارج الدولة، لأنه يأتي من خارج الصراع الداخلي السوري ويبدو بذلك أكثر موضوعية. وفي هذا ما يستحق التأمل؛ النقاش لم يكن عن مايو 2026 وحده، كان عن سنوات من القلق حول سؤال لم يُجَب عنه بعد، وكلمة الصفدي قبل أحد عشر عامًا لم تكن موجّهةً للفضاء الرقمي السوري عام 2026، لكنها صارت جزءًا من أدواته.

هذا المعنى الاجتماعي الذي أنتجه السوريون حول الضربات ليس معزولًا عن مستقبل العلاقة بين البلدين؛ فحين يُقرأ الفعل الأردني من خلال مرجعيات الصراع الداخلي السوري لا من خلال منطقه الأمني، فإن الشرعية الشعبية لأي تعاون مستقبلي تبقى مشروطةً بتوازنات متغيرة. وهذا يعني أن الأردن الذي يريد علاقةً أردنيةً سوريةً متينة يحتاج إلى أن تُقرأ أفعاله بوصفها أفعالًا أردنية لا بوصفها أدواتٍ في صراعات سورية داخلية، وهذه المسافة لا تُبنى بالغارات وحدها.

وهنا يأتي ما يجري بهدوء بعيدًا عن الأضواء؛ فالأردن الذي يضرب من الجو هو ذاته الذي تشير التقارير إلى أنه يُدرّب ضباط شرطة سوريين استعدادًا لانتشارهم في السويداء، وهذان الفعلان ربما يكملان بعضهما؛ فالضربات تستهدف شبكات تهريب يُشكّل وجودها عقبةً أمام الدولة السورية الجديدة في بسط سلطتها على الجنوب، والتدريب يُعدّ المؤسسة التي ستملأ الفراغ بعد إضعاف هذه الشبكات. فالشرطي السوري الذي تدرّب في الأردن وسيدخل السويداء يحمل معه شيئًا لا تستطيع الغارة أن تُنتجه، وهو الحضور المؤسسي اليومي الذي يُعيد بناء الثقة ببطء بفعل القوة الناعمة، ويبني في الوعي السوري صورةً عن الأردن تتجاوز لحظة الضربات. والأمن الحدودي المستدام يحتاج إلى مجتمع سوري يرى في الأردن شريكًا في استقراره لا فاعلًا يُوظّفه في حساباته الداخلية، وهذا ما لا يمكن للغارات أن تُنتجه وحدها؛ فالأردن يتحكم بقراره العسكري، لكن المعنى الذي يبنيه السوريون حول هذا القرار هو ما سيحدد في نهاية المطاف طبيعة العلاقة بين البلدين لسنوات قادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى