الحرب متعددة الجبهات وإعادة تشكيل الاستراتيجية الإسرائيلية بين الداخل والإقليم

تدخل الحرب الراهنة في الشرق الأوسط ضمن سياق إقليمي شديد، تتراجع فيه القدرة على التنبؤ بمسارات الصراع ومآلاته السياسية والعسكرية. فمنذ السابع من أكتوبر، دخلت المنطقة مرحلة جديدة اتسعت فيها حرب لتأخذ طابعًا متعدد الجبهات ولا يقتصر على حدود الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي المباشر، تتداخل فيه الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية، وتتشابك فيه الأبعاد العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد رد فعل على حدث بعينه، انما باتت تعبيرًا عن إعادة صياغة أوسع لموازين القوة في الإقليم، وعن اختبار مستمر لحدود الردع، ولقدرة الفاعلين الرئيسيين على فرض تصوراتهم للأمن والاستقرار. كما كشفت هذه الحرب عن تصدعات عميقة داخل إسرائيل نفسها، سواء على مستوى بنية الائتلاف الحاكم، أو حدود المعارضة، أو طبيعة التحولات التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي تحت ضغط الحرب الممتدة.
وتتمحور إشكالية هذه الورقة حول سؤال رئيسي: هل تهدف الاستراتيجية الإسرائيلية في الحرب الراهنة إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي عبر إضعاف القوى الإقليمية المنافسة، أم أنها تعكس، في جانب منها، منطقًا أمنيًا وسياسيًا داخليًا يرتبط بإعادة إنتاج الشرعية داخل إسرائيل؟ وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة تقوم على تداخل هذين البعدين معًا، فهي تسعى من جهة إلى منع تشكل موازين إقليمية تحد من التفوق الإسرائيلي، ومن جهة أخرى توظف الحرب داخليًا لإعادة بناء الشرعية السياسية وترميم تماسك المجتمع والدولة بعد الهزة التي أحدثها السابع من أكتوبر.
السياق الإقليمي للحرب متعددة الجبهات
تجري الحرب الراهنة في بيئة إقليمية تتسم باتساع عدد الفاعلين المنخرطين فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يجعلها أبعد من أن تُفهم بوصفها مواجهة ثنائية أو جبهة معزولة. فالصراع الحالي يتقاطع مع حسابات قوى إقليمية ودولية عدة، من بينها إيران، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب فاعلين إقليميين آخرين يتأثرون بنتائجه أو يسعون إلى توظيفه ضمن حساباتهم الخاصة. ولذلك، فإن هذه الحرب لا تقتصر آثارها على الميدان العسكري، حيث تمتد إلى سلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي، وأمن الطاقة والغذاء، فضلًا عن تداعياتها السياسية على بنية الإقليم برمته.
ويكشف هذا السياق أن التفوق العسكري أو التكنولوجي لا يضمن بالضرورة دقة التقدير السياسي. فالقوى الكبرى قد تقع في أخطاء استراتيجية حين تفترض أن امتلاك أدوات القوة يكفي لإخضاع الخصم سريعًا أو لفرض وقائع نهائية عليه. ومن هذا المنظور، تبدو الحرب الراهنة مثالًا على سوء تقدير كلفة التصعيد وحدود الحسم، إذ إن الرهان على أن الضغط العسكري المكثف يمكن أن يحقق نتائج سياسية سريعة لم يفض إلى استقرار، بل إلى مزيد من التوسع في الجبهات والانكشاف على احتمالات أكثر خطورة.
كما أن اتساع الحرب يعيد ترتيب أولويات الإقليم بصورة قسرية. فبدل أن تتجه المنطقة نحو صيغ تهدئة أو إعادة بناء توازنات مستقرة، باتت الأطراف الإقليمية تتحرك في بيئة يسودها منطق الردع المتبادل، والتحسب الدائم لتوسيع المواجهة، والاستعداد لتداعيات قد تتجاوز الفاعلين المباشرين إلى بنية النظام الإقليمي نفسه. ومن ثم، فإن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه الحرب يقتضي وضعها ضمن هذا الإطار الأوسع، لا باعتبارها مجرد استجابة أمنية موضعية، بل بوصفها جزءًا من صراع على شكل الإقليم ومن يملك زمام القوة فيه.
المنطق الاستراتيجي للسياسة الإسرائيلية
تنطلق الاستراتيجية الإسرائيلية في الحرب الراهنة من تصور يتجاوز إدارة التهديدات المباشرة إلى السعي لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بصورة تضمن بقاء إسرائيل الطرف الأكثر تفوقًا وهيمنة. ولا يتعلق الأمر هنا بتحييد خصم محدد أو احتواء جبهة بعينها فقط، بل بمنع تشكل أي قوة إقليمية قادرة على فرض معادلات ردع مستقلة، أو على إنتاج توازن يحد من حرية الحركة الإسرائيلية سياسيًا وعسكريًا.
وعلى هذا الأساس، تبدو الحرب أداة لإعادة تعريف المجال الإقليمي وفق منطق يقوم على إضعاف الفاعلين القادرين على التأثير، أو إبقائهم في حالة إنهاك دائم، بحيث لا يتحول أي منهم إلى مركز قوة منافس. فإسرائيل لا تنظر إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه قيمة قائمة بذاتها، بقدر ما تنظر إليه من زاوية أثره في تفوقها الاستراتيجي. لذلك، فإنها تميل إلى التعامل مع البيئة المحيطة بها وفق مبدأ منع التمكين، لا الاكتفاء بإدارة التهديدات القائمة.
غير أن هذا المنطق لا ينفصل عن البعد الداخلي. فالحرب، في الحالة الإسرائيلية الراهنة، تؤدي أيضًا وظيفة سياسية داخلية تتصل بإعادة إنتاج الشرعية بعد الأزمة العميقة التي فجرها السابع من أكتوبر. ولربما يمكن القول انها كشفت تلك اللحظة عن إخفاق أمني وسياسي غير مسبوق هز صورة الدولة القادرة على الضبط والحماية، وفتح الباب أمام أسئلة تتصل بكفاءة القيادة، وبقدرة المؤسسة الحاكمة على المحافظة على صورة الردع والتفوق. ومن هنا، أصبحت الحرب مجالًا لإعادة ترميم هذه الصورة، سواء من خلال تصعيد المواجهة، أو توسيع نطاقها، أو إعادة توجيه وعي المجتمع نحو أولوية الأمن والاصطفاف خلف القيادة.
وبذلك، لا تقتصر الاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة على رؤية أحادية البعد، انما تتعدى ذلك الى تداخل بين مشروع إقليمي يسعى إلى منع صعود قوى منافسة، ومنطق داخلي يستخدم الحرب لإعادة بناء الشرعية السياسية والأمنية. وهذا ما يفسر ميل إسرائيل إلى الاستمرار في الحرب رغم كلفها المرتفعة، لأن التراجع لا يعني فقط فقدان مكاسب ميدانية، بل يعكس أيضًا انكشافًا سياسيًا داخليًا يهدد تماسك النظام الحاكم نفسه.
الائتلاف الحاكم وبنية القرار في إسرائيل
لا يمكن فهم القرار الإسرائيلي في الحرب بمعزل عن طبيعة الائتلاف الحاكم، الذي لا يقوم على كتلة سياسية متجانسة بقدر ما يستند إلى تحالف بين تيارات مختلفة يجمعها، رغم تبايناتها، منطق قومي–ديني متصاعد، ورؤية متشددة للصراع مع الفلسطينيين والإقليم. ويضم هذا الائتلاف مكونات رئيسية تتمثل في الأحزاب الحريدية الأرثوذكسية، والتيار الديني الشرقي المحافظ، وقوى الصهيونية الدينية الأكثر تطرفًا، إضافة إلى حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو.
وتنبع أهمية هذا الائتلاف من أن بنيته لا تقتصر على المصالح السياسية الآنية، بل تعكس تحولًا أعمق في بنية الحكم الإسرائيلية، حيث يتزايد تأثير التيارات التي تقرأ الصراع من خلال منظومات دينية وقومية مغلقة، وتتعامل مع الفلسطينيين لا بوصفهم طرفًا سياسيًا يمكن التوصل معه إلى تسوية، بقدر ما تصفهم تهديدًا ينبغي إخضاعه أو إقصاؤه. وفي هذا السياق، يبرز دور تيار الصهيونية الدينية بوصفه أكثر المكونات دفعًا نحو سياسات الحسم والإقصاء، بما في ذلك رفض أي أفق سياسي قائم على المساواة أو التسوية.
أما الليكود بقيادة نتنياهو، فيمثلان المظلة السياسية الأوسع لهذا التحالف. وتكمن قوة نتنياهو في قدرته على الجمع بين البراغماتية السياسية واستخدام الخطاب القومي–الديني في تعبئة الجمهور. فهو لا يكتفي بإدارة الائتلاف فقط، في المقابل يعيد صياغة المجال السياسي الإسرائيلي بما يرسخ أولوية الأمن، ويعيد تعريف الصراع بلغة تقوم على الإنكار والحسم، لا على الاعتراف والتسوية. كما أن استمراره الطويل في الحياة السياسية مكنه من التأثير في أجيال إسرائيلية كاملة، وإعادة تشكيل وعيها السياسي ضمن إطار يربط البقاء الإسرائيلي بتقويض أي مسار سياسي حقيقي مع الفلسطينيين.
ومن ثم، فإن بنية القرار في إسرائيل اليوم ليست مجرد نتاج لقيادة فردية، بل تعبير عن اصطفاف سياسي وفكري أوسع، تتداخل فيه الحسابات الحزبية مع البنية الأيديولوجية للائتلاف. وهذا ما يجعل الحرب الراهنة ليست فقط خيارًا تكتيكيًا، بقدر ما هي امتدادًا منطقيًا لطبيعة هذا التحالف وتصوراته الأساسية للأمن والإقليم والهوية.
حدود المعارضة السياسية الإسرائيلية
على الرغم من حضور المعارضة في المشهد الإسرائيلي بوصفها معسكرًا مناوئًا لنتنياهو، فإنها لا تمثل، في جوهرها، بديلًا سياسيًا يطرح تحولًا حقيقيًا في مقاربة الصراع مع الفلسطينيين أو في تصور إسرائيل لموقعها في الإقليم. فالمشكلة لا تقتصر على شخص نتنياهو أو على ائتلافه، حيث تمتد إلى بنية أوسع داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل، تقوم على تصورات راسخة عن التهديد الوجودي، وعلى مركزية الأمن في تعريف الدولة ودورها وعلاقتها بالآخر.
وفي هذا الإطار، فإن الفوارق بين الحكومة والمعارضة تبدو في كثير من الأحيان فوارق في الدرجة أو في أسلوب الإدارة، أكثر مما هي اختلافات جوهرية في الرؤية. فحتى القوى التي تقدم نفسها بوصفها أقل تطرفًا أو أكثر اعتدالًا لا تطرح تصورًا سياسيًا قائمًا على العدالة أو المساواة أو إنهاء البنية الاستعمارية للصراع، بل تنطلق غالبًا من خلفيات أمنية وعسكرية، وتظل أسيرة الإطار الصهيوني العام الذي يحدد حدود المقبول والمرفوض داخل السياسة الإسرائيلية.
ويظهر ذلك في الشخصيات المرشحة لتشكيل بدائل مستقبلية لنتنياهو، إذ إن كثيرًا منها ينتمي إلى اليمين أو الوسط، ولا يحمل مشروعًا فكريًا مغايرًا بصورة فعلية. لذلك، فإن الرهان على المعارضة الإسرائيلية بوصفها منفذًا لتغيير جذري في السياسات تجاه الفلسطينيين أو تجاه الإقليم يبدو رهانًا محدود الجدوى. فالأزمة الإسرائيلية ليست أزمة قيادة فردية فقط، بل أزمة بنيوية تتصل بطبيعة المجال السياسي نفسه، وبحدود ما يستطيع أن ينتجه من بدائل.
ومن هنا، فإن تراجع نتنياهو أو خروجه من المشهد لا يعني بالضرورة تراجع المنطق الذي يحكم السياسات الإسرائيلية الراهنة. إذ قد تتغير الوجوه أو أدوات الخطاب، لكن البنية العميقة التي تؤطر القرار السياسي والعسكري تظل فاعلة بدون تغيير، وهو ما يفسر محدودية الآمال المعقودة على المعارضة، سواء في وقف العدوان أو في فتح أفق سياسي مختلف.
الفلسطينيون في الداخل وتأثيرهم في التوازنات السياسية
يشكل الفلسطينيون في الداخل عنصرًا مهمًا في التوازنات السياسية الإسرائيلية، بسبب موقعهم الحساس بين الانتماء الوطني الفلسطيني ومقتضيات المواطنة داخل “الدولة الإسرائيلية”. فعلى الرغم من كونهم أقلية في إطار الدولة، فإن حضورهم السياسي قادر، في بعض اللحظات، على التأثير في شكل الاصطفافات البرلمانية، وعلى ترجيح كفة هذا المعسكر أو ذاك، خصوصًا في ظل هشاشة التوازنات داخل الكنيست.
غير أن أهمية هذا العامل لا ينبغي المبالغة فيها بمعزل عن القيود البنيوية التي تحكمه. فالتأثير البرلماني للفلسطينيين في الداخل يظل محكومًا بسقف النظام السياسي الإسرائيلي نفسه، وبحدود ما يسمح به المجال الصهيوني المهيمن. كما أن الانقسام داخل الأحزاب العربية، وتباين استراتيجياتها بين منطق الاندماج الحكومي ومنطق الحفاظ على الخطاب الوطني، يضعف أحيانًا من قدرتها على التحول إلى قوة موحدة قادرة على فرض وزنها السياسي بصورة أكثر فاعلية.
وفي هذا السياق، تبرز المقاربات المختلفة داخل الساحة السياسية العربية في الداخل بشأن كيفية التأثير. فهناك من يراهن على الاندماج في الائتلافات الحكومية بوصفه مدخلًا للنفاذ إلى دوائر القرار وتحقيق مكاسب عملية، وهناك من يرى أن هذا الخيار ينطوي على تنازلات سياسية ووطنية لا يمكن فصلها عن إعادة إنتاج الهيمنة الإسرائيلية نفسها. وهذا الانقسام يمتد إلى إدراك الجمهور العربي لطبيعة الممكن السياسي وحدود المشاركة داخل النظام.
ومع ذلك، فإن هذه التعقيدات لم تنجح في محو الانتماء الوطني الفلسطيني لدى الأغلبية الساحقة من فلسطينيي الداخل. فعلى الرغم من محاولات إسرائيل المستمرة لإعادة تشكيل الوعي والهوية عبر التعليم والمؤسسات والسياسات العامة، لا يزال هذا المجتمع يحتفظ بإدراك واضح لذاته بوصفه جزءًا من الشعب الفلسطيني. ومن ثم، فإن أي قراءة لدور الفلسطينيين في الداخل لا ينبغي أن تبقى محصورة في أرقام انتخابية أو في مقاعد برلمانية، بقدر ما يجب أن تنظر إليهم أيضًا باعتبارهم مكونًا وطنيًا يحمل موقعًا خاصًا داخل معادلة الصراع.
انعكاسات الحرب على بنية المجتمع الإسرائيلي
تشير العديد من المؤشرات الخطابية والسياسية داخل المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر إلى تصاعد النزعات الأمنية المتشددة، وتراجع الخطابات التي تدعو إلى التسوية السياسية. فقد شكل ذلك الحدث صدمة عميقة للوعي الإسرائيلي، ليس فقط بسبب الخسائر المباشرة، بل لأنه هز افتراضات راسخة حول قدرة الدولة على الحماية والسيطرة والردع. ومن هنا، اتجه جزء واسع من المجتمع إلى تبني مقاربات أكثر تشددًا، تنظر إلى الحرب بوصفها ضرورة دائمة، وإلى العنف بوصفه أداة مشروعة لاستعادة الردع ومنع تكرار الاختراق.
وقد ترافق ذلك مع تنامي الخطابات التي تعيد تعريف الأمن بصورة أكثر اتساع، يشمل توسيع شرعية الإجراءات العسكرية والعقابية والإقصائية وصلت الى تشريع قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين. كما انعكس هذا التحول على المجال السياسي والإعلامي، حيث تراجعت المساحات التي كانت تطرح تساؤلات نقدية حول كلفة الحرب أو جدواها أو حدودها القانونية والأخلاقية، لصالح خطاب أكثر انغلاقًا يربط البقاء الإسرائيلي باستمرار الحسم والقوة.
وفي موازاة ذلك، ساهمت الحرب في تعزيز سرديات دينية وتاريخية داخل المجتمع الإسرائيلي، تعيد تأطير المواجهة بوصفها جزءًا من صراع ممتد مع قوى تسعى إلى القضاء على اليهود أو تقويض وجودهم. وهذا الاستدعاء للمخزون الديني والهوياتي يعيد إنتاج وعي جمعي قائم على الخوف الدائم، وعلى تصورات ثنائية حادة تفصل بين “نحن” و “هم”، وتضيق معها فرص التفكير السياسي خارج منطق الحرب.
ومع أن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة واحدة متجانسة، فإن الاتجاه العام منذ السابع من أكتوبر يشير إلى مزيد من الأمننة، وإلى اتساع القبول الشعبي بسياسات أكثر عنفًا وإقصاءً. وهذا ما يجعل التحولات الاجتماعية داخل إسرائيل عنصرًا أساسيًا في فهم استمرار الحرب، لأن القرار السياسي أصبح يستند إلى بيئة اجتماعية وخطابية باتت أكثر استعدادًا لتقبل الحرب الممتدة وتبريرها.
خاتمة
تكشف الحرب الراهنة أن الاستراتيجية الإسرائيلية لا يمكن تفسيرها من خلال عامل واحد، سواء كان أمنيًا أو داخليًا أو إقليميًا، بل من خلال تداخل هذه العوامل ضمن منطق أوسع يسعى إلى تثبيت التفوق الإسرائيلي ومنع تشكل بيئة إقليمية قادرة على تقييده. فإسرائيل تتجه، من جهة، إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي عبر إضعاف القوى المنافسة واستنزافها، ومن جهة أخرى توظف الحرب لإعادة بناء الشرعية الداخلية وترميم صورة الدولة والقيادة بعد الهزة التي أحدثها السابع من أكتوبر.
وفي هذا الإطار، يظهر أن بنية الائتلاف الحاكم، وحدود المعارضة، والتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي، جميعها تصب في تكريس مقاربة أكثر تشددًا للصراع، وتقلص فرص ظهور بدائل سياسية حقيقية. كما أن موقع الفلسطينيين في الداخل، على أهميته، يبقى محكومًا بتوازنات بنيوية تحد من قدرته على إحداث تحول جوهري داخل النظام السياسي الإسرائيلي، وإن كان يحتفظ بأهمية خاصة في منع انزلاق المشهد أكثر نحو اليمين المتطرف.
من هُنا يمكن القول، إن التقدير الأقرب هو أن إسرائيل ستواصل خلال المرحلة المقبلة الاعتماد على استراتيجية مركبة، تجمع بين توسيع هامش القوة الإقليمية، وتعميق منطق الأمننة داخليًا، بما يجعل الحرب، في المدى المنظور، أداة لإعادة إنتاج السيطرة لا مجرد استجابة ظرفية لتهديدات آنية.
