التفاوض تحت النار: موقع لبنان في إعادة هندسة المسارات التفاوضية الإقليمية

شكّل إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان، بالتوازي مع تحركات أميركية لعقد اجتماع تحضيري في واشنطن، نقطة تحوّل في مسار الحرب الدائرة، إذ نقل الملف اللبناني من إطار المواجهة العسكرية المفتوحة إلى حافة مسار تفاوضي غير مستقر. هذا الإعلان لم يأتِ في سياق تهدئة ميدانية، بل ترافق مع استمرار العمليات العسكرية، ما يطرح منذ البداية طبيعة هذا التفاوض وحدوده: هل هو مدخل لتسوية، أم أداة لإدارة الحرب بوسائل سياسية؟

تكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لكونها جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع انطلاق مسار تفاوضي أميركي–إيراني في باكستان، ما يضع الملف اللبناني ضمن مشهد تفاوضي أوسع، تتداخل فيه الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية خارج هذا السياق، بل باعتبارها جزءاً من محاولة إعادة توزيع ملفات التفاوض في المنطقة، وفصلها عن بعضها البعض، بما يخدم إعادة صياغة التوازنات الإقليمية.

من “وحدة الساحات” إلى “تفكيك المسارات”

خلال السنوات الماضية، قامت الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ “وحدة الساحات”، أي ربط مختلف الجبهات الإقليمية ضمن إطار تفاوضي وسياسي واحد، يسمح لطهران باستخدام كل ساحة كورقة ضغط في الأخرى. إلا أن التطورات الحالية تشير إلى انتقال مقابل في الاستراتيجية الأميركية، يقوم على تفكيك هذه الساحات، وتحويلها إلى ملفات تفاوضية منفصلة، تُدار كل منها وفق ميزان قواها الخاص.

في هذا الإطار، يُدفع لبنان إلى مسار تفاوضي مستقل عن المسار الإيراني، ليس فقط لفصل الملفين تقنياً، بل لتجريد إيران من إحدى أهم أوراقها التفاوضية. فإخراج لبنان من معادلة التفاوض مع طهران يعني عملياً تقليص قدرة الأخيرة على المناورة، خصوصاً في ما يتعلق بملف “الأذرع الإقليمية”، الذي يشكل أحد أبرز محاور التفاوض مع واشنطن.

غير أن هذا التحول لا يعني نجاحاً كاملاً في تفكيك المسارات، إذ إن الترابط البنيوي بين الساحات لا يزال قائماً. فلبنان، بحكم موقعه ودور “حزب الله”، لا يمكن فصله بالكامل عن التوازنات الإقليمية، ما يجعل أي محاولة لعزله تفاوضياً عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني أو سياسي.

التفاوض كأداة ضغط لا كمسار تسوية

القراءة الإسرائيلية للمسار التفاوضي تختلف جذرياً عن المقاربة التقليدية التي تربط التفاوض بوقف الحرب. فإسرائيل لا تسعى إلى إنهاء العمليات العسكرية تمهيداً للتفاوض، بل تستخدم التفاوض كامتداد لها، أي كأداة إضافية لفرض شروط سياسية مستندة إلى التفوق العسكري.

الإصرار على “التفاوض تحت النار”، يعكس جوهر المقاربة الإسرائيلية، تحويل الطاولة التفاوضية إلى مساحة لاستثمار الضغط الميداني، لا إلى إطار متوازن لإدارة النزاع. في هذا السياق، يصبح التفاوض جزءاً من استراتيجية “فرض الوقائع”، حيث تُنتج المعادلات في الميدان، ثم يُطلب تثبيتها سياسياً.

الأهداف الإسرائيلية في هذا المسار تبدو واضحة ومباشرة، نزع سلاح “حزب الله”، إعادة تنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان وفق ترتيبات جديدة، وربما الذهاب أبعد نحو صيغة سياسية تشمل نوعاً من تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل. إلا أن هذه الأهداف تصطدم بواقع لبناني وإقليمي معقد، يجعل تحقيقها عبر التفاوض مسألة شديدة الصعوبة.

الموقف اللبناني: بين الانخراط القسري وحدود القدرة

في المقابل، لا يتحرك لبنان من موقع المبادرة الكاملة، بل من موقع إدارة الضرر ومحاولة احتواء الانعكاسات. فالموقف الرسمي يعكس قبولاً مبدئياً بفكرة التفاوض، لكنه يضع شرط وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي، في محاولة لمنع تحويل التفاوض إلى أداة ضغط إضافية.

وبدا أن بيروت لم تدخل هذا المسار من دون تحضير، بل تحمل تصوراً أولياً لورقتها التفاوضية، التي تركز على وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وفتح المجال أمام ترتيبات لاحقة ضمن إطار الدولة. غير أن هذا التصور يصطدم بحدود واقعية صارمة، أبرزها غياب الإجماع الداخلي، وعدم قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة في ملف السلاح دون توافق مع “حزب الله”.

هذا التناقض بين الخطاب السيادي والقدرة الفعلية يضعف الموقع التفاوضي اللبناني، ويجعله عرضة لضغوط مزدوجة: من الخارج، عبر الإصرار الإسرائيلي على فرض شروطه، ومن الداخل، عبر الانقسام حول طبيعة التفاوض وحدوده.

مفاوضات باكستان: الإطار غير المعلن للمسار اللبناني

على الرغم من الطابع المنفصل شكلياً للمسارين، إلا أن مفاوضات باكستان تشكل الإطار غير المعلن الذي يتحكم بإيقاع التفاوض في لبنان. فالمسألة لا تتعلق فقط بتزامن زمني، بل بترابط في الموضوعات المطروحة، حيث يشكل ملف “الأذرع الإقليمية” أحد أبرز محاور التفاوض بين واشنطن وطهران.

في هذا السياق، يتحول لبنان إلى عنصر ضمن معادلة تفاوضية أوسع، حتى لو جرى التعامل معه كملف مستقل. فنجاح واشنطن في فرض مسار تفاوضي لبناني منفصل يعني عملياً تحقيق اختراق في تفكيك النفوذ الإيراني، بينما نجاح طهران في ربط المسارين يعيد تثبيت موقعها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه.

هذا التداخل يفسر أيضاً التناقض في السلوك الأميركي: من جهة، دعم إطلاق المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، ومن جهة أخرى ممارسة ضغوط لتخفيف التصعيد، بما يحول دون نسف مفاوضات باكستان. أي أن واشنطن تحاول إدارة توازن دقيق بين الضغط والتفاوض، دون السماح بانهيار أي من المسارين.

ورغم الزخم السياسي والإعلامي، لا تزال المفاوضات في مرحلة أولية جداً، أقرب إلى “إدارة التوقعات” منها إلى إنتاج حلول. الاجتماعات المرتقبة في واشنطن تأتي في إطار تحضيري، وعلى مستوى تمثيل دبلوماسي، ما يعكس غياب اتفاق فعلي على الإطار أو الأجندة.

إلى جانب ذلك، لا تزال الفجوة بين الأطراف كبيرة: لبنان يصر على وقف إطلاق النار، إسرائيل ترفض، والولايات المتحدة تحاول إدارة هذا التباين دون حسمه. كما أن العامل الداخلي اللبناني، غير المستقر، يشكل عائقاً إضافياً أمام بلورة موقف تفاوضي واضح.

بناءً عليه، يمكن القول إن المسار لم يدخل بعد مرحلة التفاوض الحقيقي، بل لا يزال في مرحلة اختبار النوايا وتحديد خطوط الاشتباك السياسية.

سيناريوات المسار: بين الاحتواء والانفجار

انطلاقاً من المعطيات الحالية، يبدو أن المسار مفتوح على عدة احتمالات، لا يمكن ترجيح أحدها بشكل حاسم.

السيناريو الأول يقوم على نجاح نسبي لمفاوضات باكستان، ينعكس تهدئة إقليمية تسمح بإطلاق مسار تفاوضي لبناني أكثر جدية، ضمن ترتيبات أمنية قد تشبه أو تعدل القرار 1701.

السيناريو الثاني يتمثل في استمرار الفصل بين المسارين، مع إبقاء لبنان ساحة ضغط عسكرية، ما يؤدي إلى مفاوضات شكلية غير منتجة، بالتوازي مع تصعيد ميداني مستمر.

أما السيناريو الثالث، فهو تعثر المسارين معاً، نتيجة فشل التفاهم الأميركي–الإيراني، ما قد يدفع إلى تصعيد إقليمي أوسع يعيد خلط الأوراق بالكامل.

تفاوض بلا تسوية

في المحصلة، لا تعكس المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية مساراً واضحاً نحو التسوية، بقدر ما تعكس انتقالاً في أدوات إدارة الصراع. فهي جزء من مشهد تفاوضي إقليمي معقد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية، وتُستخدم فيه الطاولات التفاوضية كامتداد للمعارك، لا بديلاً عنها.

وعليه، فإن مستقبل هذا المسار سيبقى معلقاً بين مسارين متوازيين: مسار الحرب الذي لم يستنفد بعد، ومسار التفاوض الذي لم ينضج بعد. وبين الاثنين، يبقى لبنان ساحة اختبار لتوازنات إقليمية أكبر منه، تحدد مسارها النهائي في أماكن أخرى، وفي مقدمتها باكستان.

زر الذهاب إلى الأعلى