تشريع الموت: ما الذي يكشفه القانون الإسرائيلي الجديد؟
"أي شخص ارتكب جريمة قتل أو مجزرة أو ذبح بدافع قومي، لم يعد هناك حاجة لقرار النائب العام. لقد انتظرنا لسنوات قرار النائب العام، لكنه تأخر كثيراً. الحكم الافتراضي إلزامي، ويمكن تنفيذه أيضاً دون طلب النائب العام، وفي الواقع، القاعدة هي عقوبة الإعدام، والاستثناء هو السجن المؤبد" بن غفير، وزير الامن القومي الإسرائيلي

لم تعد أدوات استهداف وقتل الفلسطيني تقتصر على القتل المباشر أو العنف الميداني، حيث اصبحت تمتد أيضًا إلى بنى قانونية ومؤسساتية تعمل على إعادة تنظيم القمع وإدارته داخل فضاءات الاحتجاز. حيث يمكن قراءة أماكن احتجاز الأسرى بوصفها جزءًا من بنية أوسع لإدارة السيطرة والعقاب وإعادة تشكيل شروط الحياة اليومية للأسرى الفلسطينيين. وفي هذا السياق، يبرز القانون الجديد الذي تم التصويت لصالحه من قبل الكنيست الإسرائيلي بأغلبية تمثل 62 صوتًا[1]، بوصفه مؤشرًا على اتجاه متصاعد نحو تشديد المنظومة القانونية والإجرائية الناظمة لواقع السجون. ويأتي هذ القانون في سياق سياسي وأمني أوسع، تتزايد فيه الدعوات الإسرائيلية إلى تشديد العقوبات وتوسيع أدوات الردع داخل السجون.
لا يمكن فصل ما يجري داخل السجون الإسرائيلية عن الواقع الأوسع في الضفة الغربية والقدس، حيث تتشكل بيئة عامة يمكن وصفها بـ “السجن الأكبر” للفلسطيني. ففي هذا المجال، يمتد الضغط إلى الحياة اليومية عبر منظومة متكاملة من العنف والسيطرة تشمل اعتداءات المستوطنين، وعمليات القتل الميداني، ومداهمة المنازل ومصادرتها، وفرض الإخلاء القسري، والاستيلاء على الممتلكات، بما في ذلك في مناطق حساسة مثل سلوان ومسافر يطا. وتكشف هذه الممارسات، بما تتضمنه من تداخل بين عنف المستوطنين وأداء مؤسسات الدولة وأجهزتها العسكرية والقانونية، أن الأمر لا يتعلق بانتهاكات متفرقة، بقدر ما يُنتج بنية ممنهجة تستهدف تقويض الوجود الفلسطيني وإضعاف شروط استمراره. وبذلك، يصبح القمع ممتدًا من جدران السجن إلى المجال الفلسطيني العام، بحيث يرى الفلسطيني العنف داخل السجن كما يراه خارجه، في سياق ضاغط وطارد يدفع نحو التآكل أو الرحيل.
من هنا، يسعى هذا المقال إلى تحليل ما يجري داخل السجون الإسرائيلية، مع تركيز خاص على القانون الجديد، من حيث مضمونه، ودلالاته، وسياقه، وآثاره المحتملة على الأسرى الفلسطينيين. حيث يمثل هذا القانون تحولًا جديدًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الأسرى، ويعبر عن مسار رسمي قائم أصلًا من التشديد والتضييق. وتقوم المنهجية على تحليل نصوص مشروع القانون في صيغته الأخيرة، وعلى تصريحات قادة التيار الداعم له، فضلًا عن دراسات وتقارير صادرة عن عدد من المنظمات الحقوقية التي تتابع أوضاع الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، وترصد شهاداتهم ومعطياتهم بشأن ما يجري في الداخل. كذلك تستند إلى تصريحات أجهزة المخابرات والشرطة الإسرائيلية ذات الصلة بواقع السجون وإدارتها، بما يتيح قراءة تتجاوز النص القانوني ذاته إلى البيئة السياسية والأمنية التي أنتج فيها. وعليه، تحاول الدراسة أن تضع هذا القانون ضمن مساره الأوسع، بوصفه جزءًا من تحولات تمس وظيفة السجن، وطبيعة العقاب، وآليات إدارة الأسرى في المرحلة الراهنة.
السياق العام لأوضاع السجون الإسرائيلية
استنادًا إلى عدد من التقارير الأممية والحقوقية التي تعتمد على شهادات من داخل السجون[2]، يمكن القول إن القوانين الصادرة حاليًا جاءت في سياق بيئة تتسم أصلًا بتشديد متواصل على الأسرى، سواء من حيث ظروف الاعتقال والعزل، أو الأوضاع الصحية المتردية ومنع العلاج عن الاسرى تؤدي الى إصابات مستدامة تشمل بتر الأطراف وفقدان السمع والبصر وصولا الى الموت، أو العقوبات اليومية المفروضة عليهم.
وفي هذا السياق، ورد في تقرير لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم” شهادات مروعة لأسرى أفرج عنهم، كشفت عن أشكال متعددة من التنكيل الجسدي والنفسي والجنسي مثل التفتيش العاري استخدام الصدمات الكهربائية واستخدام قنابل الغاز والقنابل الصوتية والضرب بالهراوات، والانتهاكات بحق القاصرين، إلى جانب العنف اللفظي والإذلال، فضلًا عن ظروف معيشية غير إنسانية مثل حرمانهم من الاستحمام ومياه نظيفة للشرب وتبديل الملابس، وتقليص الطعام، وممارسات التجويع.
فيما يتعلق بالوفيات، تشير المعطيات إلى أن عدد الأسرى الفلسطينيين الذين توفوا داخل مراكز الاعتقال الإسرائيلية منذ بداية الحرب على غزة وحتى كانون الأول/ديسمبر 2025 بلغ نحو 84 أسيرًا، لم يُسلم من جثامينهم سوى 4، فيما بقيت 80 جثة محتجزة[3]. وتعكس هذه الممارسة نمطًا يتجاوز مجرد الامتناع عن التسليم، ليشكل جزءًا من سياسة تهدف إلى حجب الأدلة المرتبطة بالوفاة داخل الاعتقال، والحد من إمكان مساءلة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات المرتكبة. ولا تقف هذه السياسة عند حدود احتجاز الجثامين، انما تمتد إلى عرقلة ومنع تشريحها، بما يحول دون الكشف الدقيق عن أسباب الوفاة والعوامل التي أفضت إليها. ومن هنا، فإن صعوبة تحديد العدد الإجمالي الحقيقي للأسرى الذين توفوا أثناء الاعتقال ترتبط ببنية ممنهجة من الإخفاء والتعطيل، تشمل احتجاز الجثث، والتلاعب بإجراءات التشريح وتوقيتها، وتجميد الجثامين لفترات تؤثر في نتائج الفحص وتؤدي الى عرقلته، فضلًا عن تقييد حضور أطباء العائلات أو حصر دورهم في المشاهدة من دون تمكينهم من المشاركة الفعلية، الأمر الذي يضعف إمكان الوصول إلى رواية طبية وقانونية مستقلة بشأن أسباب الوفاة.[4]
أما بالنسبة إلى الأسرى الذين ما زالوا على قيد الحياة، فتشير الشهادات الواردة عن أسرى أُفرج عنهم إلى أن التعذيب شمل الأذى الجسدي وتنكيل نفسي، وفي هذا السياق، ترد في شهادات موثقة عن معتقلين صور بالغة القسوة من التعذيب الجسدي، فكما ورد عن منظمة بتسيلم كما يقول أحد المعتقلين: “اعتقلني الجنود وأخذوني عاريًا إلى مبنى مجاور لمستشفى الشفاء، وقيدوا يديّ وغطوا عينيّ بقطعة قماش وتركـوني عاريًا. خلال التحقيق، أطفأ الجنود السجائر على جسدي، وسكبوا عليّ حمض الملح، وحرقوا ظهري بولاعة. وبسبب هذه الحروق فقدتُ البصر في عيني اليسرى”[5]. وتكشف هذه الشهادة أنماطًا من التعذيب تتجاوز الضرب والإيذاء المباشر إلى ممارسات مركبة تقوم على الإذلال الجسدي والانتهاك النفسي والتشويه المتعمد.
وتوثق هذه الشهادات نمطًا من العنف الجنسي يبدأ بالتهديد بالاعتداء الجنسي، ويمرّ بالتعرية القسرية، وصولًا إلى اعتداءات جنسية فعلية تشمل القاصرين، شملت الضرب على الأعضاء التناسلية، والاعتداءات الجنسية القسرية باستخدام أدوات مختلفة، وفي إحدى الشهادات، يروي أحد المعتقلين أنه خلال التعذيب تعرض لاغتصاب بأداة خشبية أدخلت في جسده بالقوة أكثر من مرة، ثم أُجبر لاحقًا على وضعها في فمه[6]، في ممارسة تجمع بين الاعتداء الجنسي والتعذيب الجسدي والإذلال المتعمد. كما تتحدث الشهادات عن أساليب تعذيب أخرى، من بينها الصعق الكهربائي، والتسبب بحروق عبر إطفاء السجائر أو سكب سوائل مغلية على الأجساد، فضلًا عن الضرب بالعصي وإطلاق الكلاب على الأسرى.
تتعدد أيضًا أساليب التعذيب المستخدمة إلى جانب الأدوات السابقة. وفي سلسلة “حكاية أسير ورحلة عذاب”، ترد شهادة لأحد الأسرى حيث يتعرض الأسير لأشعة الشمس والحرارة المرتفعة لفترات طويلة، ثم نقله إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض، بما يسبب شعورًا حادًا بالبرد نتيجة رطوبة الجسد. وتستمر هذه الطرق أيامًا أو حتى شهورًا، بالقدر الذي يتحمله الأسير قبل الوصول إلى مرحلة كسر إرادته.[7]
على الجانب الآخر، يشكل التنكيل النفسي أحد أبعاد العنف داخل السجون، إذ لا يقتصر الأمر على التعذيب الجسدي، ويمتد ايضًا إلى ممارسات إذلال ممنهجة تستهدف كسر الأسرى معنويًا وإنسانيًا. وفي هذا السياق، تفيد شهادات أسرى محررين بتعرضهم للتصوير وهم عُراة، وإجبارهم على الاعتذار عن أفعال لم يرتكبوها، وعلى ترديد شعارات مثل شعب إسرائيل حيّ، إلى جانب تعرضهم للبصق والإهانة المباشرة من قبل الجنود.
يتقاطع هذا الإذلال النفسي مع ظروف معيشية قاسية داخل أماكن الاحتجاز، تشمل الاكتظاظ الشديد داخل الزنازين، وقذارة المرافق، وتقييد اليدين والقدمين لفترات طويلة، والحرمان من الاستحمام وتبديل الملابس، حيث ورد في شهادة لاحد المعتقلين ” لأننا كنا مقيدين بالقيود البلاستيكية طوال الوقت وكانت مشدودة جدا طوال تلك الفترة، فقد أدى ذلك الى تآكل نسيج الجلد واللحم في معصمي، كان النزيف متواصلا حتى ان العظام في كلتا يدي قد انكشفت”. بما أسهم في تفشي أمراض جلدية معدية، وعلى رأسها الجرب، حيث أشار التقرير إلى تسجيل 1437 حالة داخل السجون. كما تمتد هذه السياسات إلى الأسيرات الفلسطينيات، اللواتي يُحرمن من منتجات النظافة الصحية النسائية ومن العلاجات اللازمة، فضلًا عن حرمان النساء الحوامل من الرعاية الطبية المطلوبة، بما يكشف أن التدهور الصحي والمعيشي ليس أثرًا جانبيًا للاعتقال، بل جزء من بيئة عقابية ضاغطة وممنهجة.
بهذا، يمكن القول إن السجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أماكن للاحتجاز، بل تحولت إلى معسكرات للتعذيب[8]، تُمارس فيها أشكال متعددة من العنف الجسدي والنفسي والجنسي، ضمن بيئة عقابية ممنهجة تستهدف كسر الأسرى وإخضاعهم.
تتويج مسار التشديد: قانون الإعدام الجديد كنموذج
استكمالا لمسار متكامل من التشديد الداخلي “السجن” والتشديد الخارجي “المجال العام الفلسطيني”، تقدم حزب “القوة اليهودية/عوتسما يهوديت (עוצמה יהודית)” بزعامة ايتمار بن غفير وزير الامن القومي وحزب “إسرائيل بيتنا/يسرائيل بيتينو (ישראל ביתנו)” بزعامة افيغدور ليبرمان عضو الكنيست الإسرائيلي بمشروع قانون لإعدام الاسرى الفلسطينيين او كما ورد قانون عقوبة الإعدام للمخربين / עונש מוות למחבלים [9]، ولربما يمكن ربط توقيت طرح القانون الذي يتزامن مع اقتراب فترة الانتخابات والذي يعزز القاعدة الشعبية ل بن غفير لطرحه هذا القانون،
بحسب مشروع القانون، “يُعاقَب بالإعدام، كعقوبة أصلية، كل مقيم في المنطقة يتسبب عمدًا في موت شخص، إذا كان الفعل عملًا إرهابيًا وفق تعريف قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016. ومع ذلك، يجوز للمحكمة العسكرية، إذا وجدت أسبابًا خاصة تُدون خطيًا، أن تفرض بدلًا من ذلك السجن المؤبد كما شملت الصيغة المرافقة تعديلات تسمح أيضًا بفرض الإعدام في المحاكم المدنية الإسرائيلية في بعض حالات القتل المصنف إرهابًا، ونصت مواد التنفيذ على أن يكون الإعدام شنقًا خلال90 يومًا من الحكم النهائي، مع تقليص بعض الضمانات الإجرائية.[10]
لم يعد قانون إعدام الأسرى مجرد مشروع مطروح للنقاش، حيث انتقل إلى مستوى الإقرار التشريعي بعد أن صوت عليه الكنيست الإسرائيلي بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 وامتناع عضو واحد. ورغم أن الصيغة الأولى التي دفع بها إيتمار بن غفير اتجهت نحو فرض الإعدام بوصفه عقوبة إلزامية، دون مساحة فعلية للاستئناف أو تخفيف الحكم، فإن التعديلات اللاحقة التي دُفعت خشية التداعيات الدولية لم تمس جوهر المشروع بقدر ما أعادت تنظيمه في صيغة أقل حدة شكليًا، حيث ورد في التعديلات ” الذي يتسبب عمدًا في وفاة شخص بهدف نفي وجود دولة إسرائيل يحاكم بالإعدام او السجن المؤبد فقط” وهذا يختلف عن الصيغة الاصلية التي نصت على ان الإرهابي الذي نفذ هجومًا ارهابيًا بهدف الاضرار بدولة إسرائيل سيحاكم بالإعدام فقط”[11]
يجدر الذكر ان القانون لا يعتبر نافذًا الا بعد ان يمر بموافقة من المحكمة العليا الإسرائيلية، وان اقرته يصبح نافذًا ومتاحًا بعد 3 أشهر من تاريخ اقراره، هذا الى جانب ان القانون لا يسري بأثر رجعي ولا يمكن إعادة محاكمة الاسرى الذين تمت محاكمتهم أصلا[12]
وفي هذا السياق، يميز القانون بين عقوبة الإعدام للإرهابي في يهودا والسامرة وعقوبة الإعدام في القانون الإسرائيلي[13] إذ يجعل الأول عقوبة الإعدام هي القاعدة الأصلية، مع منح القضاة سلطة تقديرية محدودة للعدول عنها إلى السجن المؤبد في حالات استثنائية تستوجب تبريرًا خاصًا، ومن دون اشتراط إجماع القضاة أو فتح باب العفو أو تخفيف العقوبة، حيث ورد في نص القانون وفقًا للمعهد الإسرائيلي للديموقراطية ” مقيم المنطقة الذي يتسبب عمدًا في موت إنسان، وكان الفعل عملًا إرهابيًا وفق تعريفه في قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2016، فعقوبته الإعدام وهذه العقوبة فقط. غير أنه إذا وجدت المحكمة العسكرية، لأسباب خاصة تُسجَّل، أن هناك ظروفًا خاصة تبرر فرض عقوبة السجن المؤبد، جاز لها أن تفرض هذه العقوبة وحدها” [14]ولا يمكن القول ان الحكم سيكون عادلًا وذلك لان من سينفذ ويقر هذه الأحكام هو الجهاز القضائي العسكري لقوات الاحتلال في الضفة الغربية.
وبذلك، لا يقتصر القانون على تشديد العقوبة، بقدر ما يؤسس لازدواجية قانونية تُخضع الفلسطينيين في الضفة الغربية “يهودا والسامرة” لمسار أشد وأوسع في الوصول إلى الإعدام، اما المسار الثاني والذي يوضح عقوبة الإعدام في القانون الإسرائيلي العام بأنه لا يكفي مجرد التسبب في وفاة شخص ضمن فعل مصنف إرهابًا، بل يُشترط أن يكون الفعل قد ارتُكب بقصد نقض وجود دولة إسرائيل. فيربط القانون الإسرائيلي الإعدام بقصد سياسي – أيديولوجيمحدد وليس فقط بالقتل، ولهذا فالمعيار هنا أكثر تقييدًا من صيغة يهودا والسامرة التي تبدو أوسع وأشد. كما أن النص يقول إن العقوبة الممكنة هي الإعدام أو السجن المؤبد، وهاتان العقوبتان فقط، ما يعني تضييق مساحة العقوبات البديلة، وكما ور في القانون ” على الرغم مما ورد في الفقرة الفرعية (أ)، فإن من يتسبب عمدًا في موت إنسان، بقصد نفي وجود دولة إسرائيل، وفي الظروف المذكورة في الفقرة الفرعية (أ)(10)، تكون عقوبته الإعدام أو السجن المؤبد، وإحدى هاتين العقوبتين فقط”[15]
وعليه، فإن التمييز الذي يقيمه القانون بين مسار يهودا والسامرة ومسار القانون الإسرائيلي العام لا يعني توزيع العقوبة بين الفلسطيني والإسرائيلي والذي يعكس فصل عنصري واضح، بل يعكس تعدد المسارات القانونية المخصصة لاستهداف الفلسطيني نفسه. فالمسار الأول يطبق أساسًا على الفلسطينيين في الضفة الغربية الخاضعين للمحاكم العسكرية وعقوبتهم الإعدام فقط مع أسباب خاصة تبرر حكم مؤبد، بينما يظل المسار الثاني إطارًا مدنيًا داخل القانون الإسرائيلي يمكن استخدامه في حالات أخرى تخص فلسطينيين واقعين ضمن الولاية القضائية الإسرائيلية، وتكون العقوبة اعدام او مؤبد وتختص فقط بقصد نفي وجود دولة إسرائيل عكس يهودا والسامرة الذي يتشرط ان يكون العمل ارهابيًا. وبذلك، لا ينتج القانون ازدواجية بين فلسطيني وإسرائيلي، بقدر ينتج ازدواجية داخل البنية العقابية الموجهة ضد الفلسطينيين بحسب موقعه القانوني والجغرافي.[16]
انطلاقًا من نص القانون، يمكن القول إن عقوبة الإعدام تكتسب طابعًا فضفاضًا، بحيث لا تُربط فقط بفعل جنائي محدد على نحو ضيق فقط، حيث تُفتح أيضًا على توصيفات واسعة مثل “الإرهاب” أو الفعل المرتكب بقصد المساس بقيام دولة إسرائيل. وبهذا، لا تعود المشكلة في العقوبة ذاتها فحسب، انما في اتساع المجال التفسيري الذي يسبقها، بما يتيح توسيع دائرة من يمكن إدراجهم ضمن هذا الوصف، ويمنح السلطات مساحة أكبر لإضفاء الطابع الإرهابي على أفعال متعددة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى الإعدام أكثر قابلية للتوظيف السياسي والأمني.
في هذا السياق، لا يبدو قانون الإعدام إجراء منفصل، انما حلقة ضمن مسار أوسع من التشديد يعيد تنظيم العقاب داخل السجن وخارجه، في وقت تؤكد فيه قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، ضرورة حماية الأشخاص الواقعين تحت الاحتلال، وضمان عدم تحويل الإجراءات الجزائية إلى أداة مفتوحة للإخضاع والقهر، حيث ورد في اتفاقية جنيف الرابعة وتحديدًا في المادة 72 من القانون “للشخص المحكوم عليه حق استخدام وسائل الاستئناف التي يقررها التشريع الذي تطبقه المحكمة. ويبلغ بكامل حقوقه في الاستئناف والمهلة المقررة لممارسة هذه الحقوق.[17]” والذي يعطي الحق لاستئناف الحكم وهذا ما يلغيه الاحتلال في القانون الجديد، كما ورد في المادة 75 بأنه “لا يحرم الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام بأي حال من حق رفع التماس بالعفو أو بإرجاء العقوبة. لا ينفذ حكم بالإعدام قبل مضي مدة لا تقل عن ستة شهور من تاريخ استلام الدولة الحامية للإخطار المتعلق بالحكم النهائي الذي يؤيد عقوبة الإعدام، أو بقرار رفض التماس العفو أو إرجاء العقوبة”[18] وهذا ما يتعارض ايضًا مع قانون الاحتلال الذي يجعل مدة تنفيذ الحكم بعد 90 يوم من صدور القرار.
نهايةً، إن هذه البيئة المتكاملة، الداخلية والخارجية، بتعدد أطرافها السياسية والقانونية والمجتمعية، الرسمية وغير الرسمية، تنتج شكلًا من أشكال البيئة الطاردة التي تمتد إلى الواقع الفلسطيني الأوسع، بحيث تتكامل أدوات القمع والعقاب في دفع الفلسطيني نحو مزيد من الاستنزاف والتقييد وفقدان شروط الحياة الآمنة.
[1] فرانس 24، الكنيست الإسرائيلي: فلسطين… قانون الإعدام حكم هجمات دامية “إرهاب” يثير قلق حقوقيين، 30 آذار/مارس 2026، https://www.france24.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7/20260330-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D9%87%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%82%D9%84%D9%82-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82
[2]بتسيلم، جهنم على الأرض: السجون الإسرائيلية كشبكة معسكرات للتعذيب، كانون الثاني 2026، https://www.btselem.org/sites/default/files/publications/202601_living_hell_arb.pdf
[3] بتسيلم، جهنم على الأرض: السجون الإسرائيلية كشبكة معسكرات للتعذيب، كانون الثاني 2026، https://www.btselem.org/sites/default/files/publications/202601_living_hell_arb.pdf
[4] منظمة أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل، وفاة الفلسطينيين المحتجزين لدى السلطات الإسرائيلية: الإخفاء، والقتل المنهجي، والتستر، تشرين الثاني 2025، https://www.phr.org.il/wp-content/uploads/2025/11/6538_Death_custody_Paper_Arab.pdf
[5] بتسيلم، جهنم على الأرض: السجون الإسرائيلية كشبكة معسكرات للتعذيب، كانون الثاني 2026 محمد أبو طويلة, (35 عامًا)، أب لطفل (سنة واحدة)، من سكان مدينة غزة | بتسيلم
[6] بتسيلم، جهنم على الأرض: السجون الإسرائيلية كشبكة معسكرات للتعذيب، كانون الثاني 2026 تامر قرموط, (41 عامًا)، أب لخمسة, من سكان بيت لاهيا | بتسيلم
[7] الجزيرة، سلسلة حكاية اسير ورحلة عذاب، 1 ابريل 2026، https://youtube.com/shorts/Cl0Mm3WJG0c?si=LguC3FxbB_g73x6w
[8] بتسيلم، مرحبًا بكم في جهنم: السجون الإسرائيلية كشبكة من معسكرات التعذيب، آب 2024، https://www.btselem.org/sites/default/files/publications/202408_welcome_to_hell_arb.pdf
[9] يسرائيل هيوم، הכנסת אישרה: חוק עונש מוות למחבלים אושר בקריאה שנייה ושלישית، 31 آذار/مارس 2026، https://www.israelhayom.co.il/news/politics/article/20233675
[10] معاريف، بمشاركة نتنياهو وديري: سيتم اليوم مناقشة قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين، 30 اذار 2026، https://www.maariv.co.il/news/politics/article-1303117
[11] يسرائيل هيوم، שינויים של הרגע האחרון בנוסח חוק עונש מוות למחבלים | עושים סדר، 30 آذار/مارس 2026، https://www.israelhayom.co.il/news/politics/article/20228175
[12] قناة المملكة، تفاصيل مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؟، 31 اذار 2026 https://www.facebook.com/AlMamlakaTV/videos/3423763681124493/
[13] يديعوت أحرونوتynet/، بدعم من نتنياهو: أُقِرّ قانون عقوبة الإعدام للمخربين، 31 آذار 2026، https://www.ynet.co.il/news/article/skkoik00o11e#google_vignette
[14] المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، اقتراح قانون عقوبة الإعدام للمخربين، 30 آذار/مارس 2026. Attention Required! | Cloudflare
[15] المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، اقتراح قانون عقوبة الإعدام للمخربين، 30 آذار/مارس 2026. Attention Required! | Cloudflare
[16] قناة المملكة، كتلة “الجبهة العربية للتغيير” في الكنيست الإسرائيلي تشيد بموقف الملك ورفضه لقاء نتنياهو، 31 اذار 2026 https://www.youtube.com/watch?v=AOkZc9DnRf8
[17] جامعة مينيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان، اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، 12 آب/أغسطس 1949، https://hrlibrary.umn.edu/arab/b093.html.
[18] جامعة مينيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان، اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، 12 آب/أغسطس 1949، https://hrlibrary.umn.edu/arab/b093.html.
