أزمة طرد السفير الإيراني في لبنان: اختبار الدولة بين الضغوط الخارجية والانقسام الداخلي

في تطوّر يكشف حجم التحوّل الذي يمرّ به الملف اللبناني، لم يعد النقاش محصوراً في كيفية احتواء الحرب أو الحدّ من تداعياتها، بل انتقل إلى مستوى أعمق يتصل بإعادة تعريف موقع لبنان الإقليمي، وحدود سيادته الفعلية، وشكل التوازن الداخلي الممكن في ظل استمرار الحرب واتساع آثارها.

في هذا السياق، لا يبدو قرار سحب اعتماد السفير الإيراني من بيروت حدثاً دبلوماسياً معزولاً، بل مؤشراً سياسياً كثيف الدلالة على انتقال جزئي من سياسة إدارة الالتباس بين المحاور إلى محاولة إظهار تموضع سياسي أكثر وضوحاً، ولو بشكل تدريجي ومحسوب.

وقد تكرّس هذا المنحى مع مقاطعة وزراء “الثنائي الشيعي” (حزب الله وحركة أمل) جلسة الحكومة، من دون أن يصل الأمر إلى حد محاولة إسقاطها، وفي لحظة يتقدّم فيها الميدان الإسرائيلي جنوباً لفرض وقائع ميدانية ذات طابع شبه دائم تحت عنوان “منطقة أمنية”، مع ما يرافق ذلك من تهجير واسع وضرب ممنهج للبنى التحتية.

تتلاقى في هذه اللحظة ثلاثة مسارات رئيسية كانت تتحرك سابقاً بوتائر مختلفة، لكنها باتت اليوم تتقاطع بشكل مباشر. المسار الأول هو المسار العسكري الإسرائيلي، الذي لم يعد يتعامل مع الجنوب كساحة ضغط مؤقتة، بل كحيّز لإنتاج وقائع ميدانية قابلة للاستدامة، بما يعني إعادة صياغة الجغرافيا الأمنية وحدود العودة المدنية والسيادة الفعلية.

المسار الثاني هو المسار الدولي–الإقليمي، حيث يتزايد الضغط على لبنان لإثبات خروجه من دائرة النفوذ الإيراني، في ظل مقاربة تعتبر الحرب فرصة لإعادة بناء التوازن الداخلي على أسس جديدة. أما المسار الثالث فهو المسار الداخلي، حيث تحاول السلطة مخاطبة الخارج بلغة حاسمة نسبياً، لكنها لا تملك بعد أدوات فرض هذا التموضع داخلياً، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح حزب الله. ويشكّل هذا التناقض بين الخطاب والقدرة جوهر المأزق اللبناني الراهن.

ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة قرار طرد السفير الإيراني كاختبار متعدد الطبقات. في طبقته الأولى، هو رسالة إلى الخارج، وخصوصاً إلى الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية والخليجية، بأن الحكومة اللبنانية لم تعد ترغب في البقاء في موقع المتلقي السلبي، وأنها قادرة على اتخاذ خطوة سيادية ذات كلفة سياسية.

وفي طبقته الثانية، هو محاولة لفصل المسار الرسمي اللبناني عن المسار الإيراني الإقليمي، في لحظة تعتبر فيها إسرائيل والغرب أن النفوذ الإيراني في لبنان لا يمر فقط عبر حزب الله، بل عبر شبكة دبلوماسية وأمنية أوسع.

أما في طبقته الثالثة، فهو اختبار دقيق للتوازنات الداخلية: إلى أي حد يمكن للسلطة المضي في هذا المسار من دون تفجير الحكومة، وإلى أي حد يمكن لـ”الثنائي الشيعي”، وتحديداً حزب الله، رفع سقف الاعتراض من دون الذهاب إلى قطيعة كاملة مع الدولة. وحتى الآن، يجري هذا الاشتباك ضمن سقف مضبوط يعكس إدراكاً متبادلاً لحساسية المرحلة.

غير أن هذا التوازن الهش يتأثر مباشرة بالبيئة الخارجية. فالترحيب الغربي والإسرائيلي بالقرار يمنحه غطاءً سياسياً، لكنه في الوقت نفسه يعزّز قراءته داخلياً كجزء من مسار ضاغط على حزب الله، لا كخطوة سيادية مستقلة. وكلما ازداد هذا الاحتفاء الخارجي، ازداد احتمال أن يُقرأ القرار داخلياً كجزء من سياق الحرب، لا كقرار لبناني صرف.

في المقابل، قد يرى حزب الله أن ما جرى لا يقتصر على السفير أو على إيران، بل يشكّل مقدمة لمسار أوسع قد يبدأ بإجراءات دبلوماسية ويتدرج نحو إعادة صياغة موقع حزب الله داخل الدولة، وهو ما يفسر سرعة انتقال المسألة إلى مستوى تعبئة سياسية وطائفية مرتفعة.

على المستوى البنيوي، تكشف هذه اللحظة حدود الدولة اللبنانية أكثر مما تكشف قوتها. فالدولة قادرة على اتخاذ قرارات سياسية مرتفعة النبرة، لكنها لا تزال عاجزة عن تحويلها إلى استراتيجية سيادية متكاملة، أو عن إنتاج إجماع داخلي حول معنى السيادة نفسها: هل هي فقط اعتراض على الحرب الإسرائيلية، أم تشمل أيضاً حصرية استخدام القوة واحتكار قرار الحرب والسلم؟

هذا الانقسام لم يعد تفصيلاً، بل بات الإطار الذي تُقرأ من خلاله مختلف الملفات، من العلاقات الخارجية إلى إدارة النزوح، وصولاً إلى موقع الجيش ومستقبل الحكومة نفسها. وبالتالي، لا تبدو الأزمة أزمة قرار منفرد، بل أزمة نموذج حكم يقوم على إدارة التناقض بين الدولة واللا-دولة، في لحظة تضغط فيها الحرب باتجاه حسم هذا التناقض.

في ضوء ذلك، يمكن تصور عدة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة. السيناريو الأول هو الاحتواء المنضبط، حيث يُبقي كل طرف على موقعه من دون تصعيد حاسم، بما يسمح باستمرار الحكومة مع ترحيل الأزمة إلى ما بعد الحرب.

أما السيناريو الثاني فهو التدرج نحو قطيعة سياسية أوسع مع إيران وحزب الله عبر مسار تراكمي يبدأ بإجراءات دبلوماسية وإدارية، ويستفيد من الضغط الدولي والحرب، لكنه يحمل مخاطر دفع الحزب إلى رد فعل تصعيدي داخلي، سواء داخل المؤسسات أو خارجها.

في حين يبقى السيناريو الثالث، وهو الأخطر، احتمال الانفجار المزدوج، حيث يتقاطع اتساع الحرب جنوباً مع انفجار سياسي–طائفي داخلي، ما قد ينقل الاشتباك من المؤسسات إلى الشارع، خصوصاً في ظل تصاعد خطاب تحميل المسؤوليات المتبادل.

خلاصة المشهد أن لبنان يعيش مرحلة انتقال غير مكتمل بين توازن قديم وآخر لم يتبلور بعد. قرار طرد السفير الإيراني هو أحد تعبيرات هذا التحول، ويعكس محاولة رسمية لإعادة التموضع، لكنها لا تزال محكومة بتوازنات داخلية هشّة وضغوط خارجية متناقضة. وبقدر ما يبدو القرار تعبيراً عن إرادة استعادة جزء من السيادة، فإنه يكشف أيضاً أن السيادة في لبنان باتت تُختبر ليس فقط في مواجهة إسرائيل، بل في كيفية تنظيم العلاقة بين الدولة والمحور الإيراني، وبين الداخل اللبناني وتحولات الإقليم. لذلك، فإن السؤال الفعلي في المرحلة المقبلة لا يرتبط فقط بمصير السفير، بل بقدرة لبنان على إعادة تعريف موقعه السياسي والأمني، أو بقائه عالقاً في منطقة رمادية بين دولة تسعى إلى امتلاك القرار وواقع يقيّد هذا الطموح.

زر الذهاب إلى الأعلى