لبنان بعد اغتيال خامنئي: حدود الدولة واحتمالات الانخراط في المواجهة الإقليمية

لم يكن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي حدثاً عسكرياً عابراً يمكن احتواؤه ضمن منطق الردع المتبادل، بل لحظة فاصلة في بنية النظام الإقليمي، وفي طبيعة الصراع الدائر حوله. فاستهداف رأس الهرم في الجمهورية الإسلامية لا يُقرأ بوصفه ضربة تكتيكية، بل بوصفه انتقالاً من إدارة الاشتباك إلى محاولة إعادة تشكيل المعادلة من جذورها.

في هذه اللحظة تحديداً، يصبح السؤال عن موقع لبنان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن لبنان ليس ساحة منفصلة عن النظام الإيراني، بل إحدى ساحات امتداده العضوي، وفي الوقت نفسه دولة تعلن دستورياً احتكارها لقرار الحرب والسلم، وخاصة في ظل ضبابية موقف حزب الله من الانخراط في هذه الحرب أو التريث.

وأتى بيان المجلس الأعلى للدفاع اللبناني الصادر في الأول من آذار 2026 في إطار مواكبة تطورات أمنية، في محاولة لإعلان تموضع سياسي–دستوري في لحظة اختبار حقيقية. عبر الإصرار الواضح على أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة، والتشديد على الإجماع الوطني حول هذه القاعدة، لم يكن موجهاً إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل أيضاً.

وبدا من خلال البيان وجود رسالة مزدوجة، وهو أن لبنان الرسمي لا يريد الانخراط، ولن يوفّر غطاءً لأي انزلاق، وهو يعتبر أن أي عمل عسكري خارج هذا الإطار يشكل خروجاً عن الإجماع الدستوري. غير أن قيمة هذا السقف لا تُقاس فقط بوضوح عباراته، بل بمدى قابلية تطبيقه في سياق توازن قوى داخلي معقّد، وفي ظل بنية سياسية تعرف تاريخياً ازدواجية في قرار السلم والحرب.

المعضلة الحقيقية تبدأ من هنا. فاغتيال خامنئي، يمسّ المرجعية العقائدية التي يقوم عليها حزب الله. والعلاقة بين الحزب والمرشد ليست تحالفاً سياسياً قابلاً لإعادة التفاوض، بل علاقة تأسيسية مرتبطة بمفهوم الولاية وبمشروعية السلاح نفسه.

ومع ذلك، فإن قراءة الحزب لاغتيال خامنئي لا يمكن أن تنفصل عن السياق الأوسع. فإيران ليست تنظيماً ينهار بسقوط قائده، بل دولة ذات مؤسسات، وآليات دستورية لنقل السلطة، وشبكة معقدة من مراكز القرار داخل النظام، من مجلس الخبراء إلى الحرس الثوري والقيادة العسكرية. السؤال إذن ليس فقط ما إذا كان الحزب يشعر بواجب ردّ، بل ما إذا كان النظام الإيراني نفسه سيدفع باتجاه توسيع المواجهة عبر ساحاته الخارجية، أو سيحاول احتواء الضربة ضمن مسار داخلي يحافظ على تماسك البنية.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات قاطعة على أن طهران قررت تحويل كل ساحاتها إلى جبهات مفتوحة. بل إن القراءة الأرجح هي أن الأولوية ستُعطى لإعادة تثبيت الاستقرار الداخلي، وإظهار انتقال منظم للسلطة، بما يقطع الطريق على أي رهانات خارجية على تفكك النظام. في هذا الإطار، يصبح الانخراط الواسع لحزب الله أقل إلحاحاً من زاوية الحسابات الإيرانية، وأكثر ارتباطاً بحسابات الحزب الذاتية وبسلوك إسرائيل.

لذا فإن لبنان الرسمي، عبر بيان المجلس الأعلى للدفاع، حاول أن يرسم خطاً واضحاً، أن الوقائع تفرض عليه أن لا يكون لا منصة اشتباك، لأن أي انجرار إلى حرب سيؤدي إلى تدمير جزء كبير من مقومات وبنى تحتية، لذا فالبيان لم يكتفِ بالشق العسكري، بل شدد على الاستقرار المعيشي، ضبط الأسواق، تأمين المواد الأساسية، إبقاء الأجواء مفتوحة، والتواصل مع المنظمات الدولية.

هذا التوسع في الطمأنة يعكس إدراكاً عميقاً بأن الخطر الأكبر ليس فقط في الصواريخ، بل في الذعر والانهيار الاقتصادي في حال شعور الداخل بأن الحرب واقعة لا محالة. الدولة أرادت أن تقول إنها جاهزة إدارياً، وأنها لن تسمح بانفلات أمني أو فوضى معيشية، وأنها صاحبة القرار السيادي الوحيد.

لكن البيان، مهما بلغ من وضوح، لا يُلغي حقيقة أن حزب الله يمتلك بنية عسكرية مستقلة عن الدولة، وقدرة عملياتية لا تمر حكماً عبر المؤسسات الرسمية. السؤال الفعلي هو: هل يملك الحزب اليوم مصلحة في تجاوز هذا السقف؟ البيئة الإقليمية تبدو مختلفة عن مراحل سابقة. دول الخليج، التي استُهدفت قواعد أميركية على أراضيها، أظهرت حساسية عالية تجاه أي تصعيد إضافي. الدعم الدولي للبنان بات مشروطاً بشكل غير معلن بالحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق. الاقتصاد اللبناني في حالة إنهاك شديد، وأي حرب واسعة قد تدفع إلى انهيار شامل لا يطال الدولة فقط، بل البيئة الحاضنة للحزب نفسه.

في المقابل، حزب الله يدرك أن عدم الانخراط قد يُفسَّر خارجياً على أنه تراجع في الالتزام بمحور يعتبر نفسه في معركة وجودية. غير أن طبيعة الرد لا تُحدَّد بالشعور الرمزي وحده، بل بميزان الربح والخسارة. حرب مفتوحة في لبنان، في ظل قرار دولي واضح بفصل الجناح السياسي عن العسكري شرط عدم التصعيد، قد تؤدي إلى تحوّل نوعي في الموقف الدولي، بحيث لا يعود الفصل قائماً. كما أن إسرائيل قد ترى في أي انخراط فرصة لتوسيع الضربات واستهداف البنية العسكرية بشكل منهجي، مستفيدة من انشغال إيران في إعادة ترتيب بيتها الداخلي.

من هنا، تبدو الاحتمالات مفتوحة، ولكنها غير متساوية. الاحتمال الأكثر واقعية في المدى المنظور هو استمرار حزب الله في سياسة عدم الانخراط المباشر، مع خطاب سياسي داعم لإيران، وربما إجراءات احترازية ميدانية دفاعية.

والاحتمال الثاني يتمثل في انخراط محدود ومدروس، يحاول حفظ توازن رمزي من دون دفع الأمور إلى حرب شاملة، لكنه يبقى محفوفاً بخطر سوء التقدير.

أما الانخراط الواسع، فهو مشروط بتطورات استثنائية، إما انهيار داخلي في إيران يغيّر طبيعة المعركة، أو قرار إسرائيلي مسبق بتوسيع الجبهة الشمالية بصرف النظر عن موقف الحزب.

يبقى عنصر حاسم لا يمكن تجاهله، وهو قدرة الدولة اللبنانية على تحويل بيانها إلى واقع عملي. فالتوافق السياسي المعلن حول احتكار قرار الحرب والسلم يمنح غطاءً داخلياً مهماً، لكنه لا يغيّر بين ليلة وضحاها معادلات القوة القائمة. غير أن الفارق اليوم أن الانخراط لن يكون بلا كلفة سياسية داخلية، لأن السقف الدستوري أُعلن بوضوح، والإجماع الوطني وُضع في الواجهة، ما يجعل أي تجاوز بمثابة كسر علني لهذا الإجماع، في ظل تماهي حليف حزب الله، رئيس مجلس النواب نبيه بري مع الخيارات الدستورية الرافضة للانخراط في الحرب، وهو تحول ليس بجديد، بل متدرج منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.

لذا فلبنان يقف اليوم في منطقة رمادية دقيقة. ليس طرفاً مباشراً في قرار الحرب الكبرى، لكنه معرّض لارتداداتها بحكم موقعه وبنية نظامه السياسي. اغتيال خامنئي نقل المواجهة إلى مستوى أعلى من المخاطرة، لكنه لم يحسم بعد اتجاهها النهائي. بين سقف الدولة المعلن، وحسابات الحزب المعقدة، وسلوك إسرائيل غير القابل للتنبؤ، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة.

غير أن المؤشر الأبرز حتى الآن هو أن الكلفة الباهظة لحرب جديدة في لبنان، داخلياً وخارجياً، تشكل عاملاً رادعاً قوياً يدفع نحو تجنب الانخراط المباشر، ما لم تطرأ تطورات دراماتيكية تعيد تعريف قواعد الاشتباك بالكامل.

** تنويه: نُشرت هذه المادة قبل ساعات من إعلان حزب الله اللبناني دخوله على خطّ المواجهة وإطلاقه صواريخ باتجاه إسرائيل.

زر الذهاب إلى الأعلى