تحولات في موقف حزب الله من الحكومة السورية: من التحالف العضوي إلى منطق الدولة 

يشكّل صعود الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع نقطة تحول مفصلية في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، ليس داخل سوريا فقط، بل أيضاً على الساحة اللبنانية، حيث كان الارتباط العضوي بين حزب الله والنظام السابق بقيادة بشار الأسد أحد الأعمدة الأساسية للمشروع الإقليمي للحزب ، هذا التحوّل في دمشق لا يطرح فقط أسئلة حول مستقبل سوريا السياسي، بل يجبر الفاعلين اللبنانيين، وعلى رأسهم حزب الله، على إعادة تقييم استراتيجيتهم وعلاقاتهم التقليدية مع السلطة السورية، في ظل بيئة جديدة تتسم بإعادة تثبيت السيادة الوطنية، ومراجعة الدعم الإقليمي، وتغير أولويات القوى الدولية.

‏ويهدف هذا المقال لفهم الديناميكيات الجديدة التي تحدد موقف حزب الله من الحكومة السورية الجديدة ، ويهدف إلى بناء رؤية تحليلية لموقف حزب الله، ليس بوصفه مجرد رد فعل على الأحداث، بل كعملية إعادة تموضع استراتيجية في بيئة إقليمية متغيرة، حيث تتحول العلاقة مع سوريا من تحالف عضوي إلى علاقة براغماتية مدروسة، قائمة على الحد الأدنى من التعاون والتكيف مع السيادة والمصالح الجديدة.

كذلك يشمل التحليل البعد اللبناني الداخلي والإرث الطائفيإذ تلعب التوازنات الطائفية الدقيقة والنقاش حول حصر السلاح بيد الدولة دوراً محورياً في صياغة خطاب الحزب وتحديد خياراته العملية تجاه الحكومة السورية الجديدة. 

ويستعرض التحليل عدة مستويات متكاملة لتفسير هذا التحول: أولاً، الانتقال من التحالف الوجودي مع النظام السابق إلى علاقة مشروطة تستجيب للواقع الجديد، حيث لم تعد سوريا عمقاً استراتيجياً مفتوحاً، بل دولة مستقلة تتطلب إعادة تعريف طبيعة العلاقة معها ، ثانياً، الموقف المعلن لقيادة الحزب الحالي، الذي يعكس براغماتية محسوبة، واعترافاً بالخسارة الاستراتيجية في سوريا، مع الحفاظ على هامش مرونة سياسي وأمني ،   ثالثاً، البعد الأمني واللوجستي الذي يحدد طبيعة التدخل والتحركات على الحدود، مع التحول من مشروع توسعي إلى إدارة مخاطر ،  رابعاً، التأثير الداخلي اللبناني، بما يشمل مسألة حصر السلاح والتوازنات الطائفية، والتي تلعب دوراً محورياً في صياغة خطاب الحزب وتوجهاته العملية تجاه سوريا ،  خامساً، الدروس المستفادة من منطق الدولة السورية في إدارة الفاعلين اللبنانيين، الذي يوضح كيف تتغير قواعد اللعب مع أي قوة لبنانية في ضوء سيادة الدولة الجديدة.

 هذا السياق يسمح بفهم أعمق للخطاب والتحركات الحالية للحزب، ويفسر لماذا اختار التكيّف بدلاً من المواجهة المباشرة مع الحكومة السورية الجديدة، وكيف يُوازن بين أولوياته الإقليمية والداخلية في آن واحد.

من التحالف الوجودي إلى العلاقة المشروطة

منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، بنى حزب الله سردية واضحة تربط مصيره بمصير النظام السوري السابق ،   لم يكن الأمر مجرد تنسيق عسكري أو تحالف سياسي عابر، بل اندماجاً عضوياً في الرؤية الاستراتيجية ، و في خطابات الأمين العام السابق حسن نصر الله، جرى تقديم سوريا بوصفها “ظهر المقاومة” وركيزة أساسية لاستمرار مشروعها ، هذا التوصيف لم يكن توصيفاً لوجستياً فحسب، بل تأسيساً لشرعية التدخل العسكري داخل الأراضي السورية.[1]

بموجب هذه السردية، تحوّلت المعركة في سوريا إلى امتداد مباشر للصراع مع إسرائيل ،   لم تعد حرباً أهلية ذات تعقيدات داخلية، بل ساحة دفاع متقدمة عن لبنان وعن “المقاومة” ، وبذلك، أصبح بقاء النظام السوري جزءاً من استمرارية المشروع الإقليمي للحزب، وأي تهديد له يُقرأ كتهديد وجودي للحزب ، غير أن التحولات السياسية التي شهدتها سوريا في المرحلة اللاحقة أفرزت واقعاً مختلفاً، أعاد طرح طبيعة العلاقة بين الحزب والسلطة في سوريا ضمن إطار جديد تحكمه اعتبارات السيادة وإعادة بناء الدولة.

إلا أن الحكومة السورية الجديدة طرحت مقاربة مختلفة خلال  خطابها السيادي، مدعوماً عربياً ودولياً، يؤكد على مركزية الدولة واحتكارها للقرار الأمني ، وفي هذا السياق، لم يعد من الممكن الحفاظ على صيغة العلاقة السابقة ،  فالحكومة الجديدة لا تُقدّم نفسها كجزء من محور أيديولوجي، بل كسلطة وطنية تسعى إلى إعادة تثبيت سيادتها.[2]

أمام هذا الواقع، بات الحزب يتحدث بلغة مختلفة: “العلاقات بين دولتين”، “حسن الجوار”، و”التعاون المشروط” ، لم يعد هناك حديث عن وحدة المصير، بل عن احترام خيارات الشعب السوري ، ولم تعد سوريا تُقدَّم بوصفها امتداداً أمنياً أو عمقاً استراتيجياً عضوياً، بل دولة ذات سيادة يُفترض التعامل معها وفق قواعد العلاقات الرسمية. [3]

هذا التحول في اللغة لا يقتصر على تغيير المفردات، بل يعكس إعادة تعريف لطبيعة العلاقة نفسها: من تحالف يقوم على فكرة المحاور الإقليمية و التشابك السياسي والعسكري، إلى علاقة تُدار بميزان المصالح، وتحكمها اعتبارات الاستقرار والبراغماتية السياسية ، هذا التحول يعكس انتقالاً من تحالف عضوي إلى علاقة مشروطة تُقاس بميزان المصالح.

حزب الله في حالة تموضع حذر في المشهد السوري الجديد  

في تصريحات الأمين العام الحالي نعيم قاسم، يمكن رصد اعتراف واضح بخسارة استراتيجية، خصوصاً في ما يتعلق بخسارة طريق الإمداد السوري ، فقد أقرّ الحزب  بصراحة أن ما حصل في سوريا بالتأكيد خسارة لمحور المقاومة لأن سوريا كانت طريق دعم عسكري، مضيفاً الامين العام للحزب  نعيم قاسم بأن الحزب قد خسر طريق الإمداد السوري ،   غير أن هذا الاعتراف لم يُقدَّم بوصفه انهياراً أو انتكاسة وجودية، بل أُدرج ضمن خطاب التكيّف، إذ شدد على أن “المقاومة مرنة وتتكيّف مع المتغيرات”.[4]

هذا الإقرار العلني بالخسارة يشكّل تحوّلاً مقارنة بخطاب المراحل السابقة، لكنه في الوقت نفسه لا يتضمن إعلان قطيعة مع الواقع السوري الجديد ،  فاللافت أن الخطاب يتجنب الاصطفاف المباشر مع الحكومة السورية الجديدة أو أن يكون  ضدها.

و في هذا السياق، حدّد نعيم قاسم معياراً واضحاً لطبيعة العلاقة، مؤكداً أنها يجب أن تُفهم في إطار سياسي لا عضوي، وأن المعيار الأساس بالنسبة للحزب هو موقف الحكومة السورية الجديدة من إسرائيل، معرباً عن أمله في ألا يكون النظام الجديد مطبّعاًً معها ، بهذا المعنى، لا يعلن الحزب دعماً سياسياً صريحاً للحكومة الجديدة كما كان يفعل في مرحلة النظام السابق، لكنه في الوقت ذاته لا يتخذ موقفاً عدائياً ، هذا التموضع الوسطي يعكس قراءة حذرة للمرحلة الانتقالية في سوريا، ويؤكد أن الحزب يفضّل إبقاء العلاقة ضمن مساحة رمادية قابلة للتكيّف.[5]

والتحول في الخطاب يحمل ثلاث رسائل متوازية:

أولاً، طمأنة الداخل اللبناني بأن الحزب لا يسعى إلى فرض نفسه على الدولة السورية الجديدة، ولا إلى إعادة إنتاج صيغة التداخل السابقة.
ثانياً، إرسال إشارة إلى سوريا بأن الحزب ليس في موقع المواجهة، وأنه يتعامل مع السلطة القائمة كأمر واقع سياسي.
ثالثاً، الحفاظ على هوية المقاومة عبر ربط طبيعة العلاقة مع سوريا بموقفها من إسرائيل لا بطبيعة نظامها السياسي أو اصطفافاتها الإقليمية.

بهذا المعنى، الموقف لا يُقرأ كتحول أيديولوجي جذري، بل كإدارة محسوبة للمخاطر في مرحلة يغلب عليها الغموض وعدم استقرار التوازنات.

البعد الأمني واللوجيستي لموقف حزب الله : من العمق الاستراتيجي الى إدارة المخاطر 

رغم الطابع السياسي للخطاب، يبقى البعد الأمني واللوجستي عاملاً حاسماً في تحديد موقف الحزب ،  فقد كان العمق السوري المفتوح سابقاً يُشكّل خطاً خلفياً آمناً للحزب، يتيح له حرية الحركة والتموضع العسكري خارج الحدود اللبنانية، ويسهّل الإمداد بالعتاد والموارد دون عوائق كبيرة. 

أما اليوم، فخسارة هذا العمق وإعادة تعريف الحكومة السورية الجديدة لسيادتها وتحكمها بالحدود، تُحوّل هذا الفضاء إلى خط تماس سياسي–أمني لكل منهما أولوياته الخاصة، حيث أي نشاط عسكري أو تحرك لوجستي خارج إطار الدولة السورية قد يتحول إلى أزمة أو مواجهة. 

في هذا السياق، يبدو واضحاً أن الحزب ينتهج استراتيجية ضبط النفس والتكيف ، فبدلاً من محاولة فرض نفسه على البيئة السورية الجديدة كما في الماضي، يسعى للحفاظ على حد أدنى من المصالح الأمنية وضمان الاستقرار الحدودي، ما يشير إلى تحول الخطاب من التمدد الإقليمي إلى خطاب الاستقرار والمحافظة على المكاسب.

 هذا التحول ليس شكلياً فحسب، بل يعكس تغييراً في الحسابات الاستراتيجية: من مرحلة توسع وتحريك النفوذ خارج الحدود، إلى مرحلة إدارة المخاطر، والتكيّف مع واقع سياسي لا يتيح هامش تحرك واسعاً، ويضعه في علاقة أكثر مراعاة للسيادة السورية. 

يمكن قراءة هذا التحول أيضاً ضمن إعادة تعريف العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة ، فالعلاقة لم تعد تقوم على الربط العضوي والتحالف الوجودي، بل على توازن المصالح والحد الأدنى من التوتر ، هذا يعكس قدرة الحزب على التكيف السيكولوجي والسياسي، إذ يحوّل خسارة العمق الاستراتيجي إلى فرصة لإعادة صياغة العلاقة ضمن إطار أكثر براغماتية، يضمن بقاء نفوذه في لبنان دون الدخول في مواجهة مع السلطة السورية الجديدة.

حصر السلاح والضغوط اللبنانية : كيف يشكل الداخل اللبناني موقف حزب الله 

لا يمكن فصل موقف حزب الله من الحكومة السورية الجديدة عن السياق الداخلي اللبناني المعقّد ،  فالنقاش المتصاعد حول حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية يمثل أحد أبرز التحديات المباشرة التي تواجه الحزب، إذ يُعيد طرح أسئلة حول شرعية استخدام القوة خارج الدولة، ويفتح الباب أمام خصومه السياسيين للطعن في استقلالية قراراته وأدواره العسكرية. [6]

إضافة إلى ذلك، تُشكّل التوازنات الطائفية الدقيقة في لبنان عاملاً إضافياً يفرض حدوداً على خيارات الحزب، فأي موقف يظهر وكأنه تدخل في الشأن السوري قد يُستغل سياسياً لرفع حدة الانقسامات الداخلية بين الطوائف والمناطق.

في هذا السياق، يصبح اعتماد خطاب السيادة والاحترام المتبادل مع الحكومة السورية الجديدة أكثر من مجرد صياغة لغوية؛ إنه أداة سياسية واستراتيجية تُستخدم لتهدئة المخاوف المحلية، ولإرسال رسائل واضحة بأن الحزب لا يسعى لتأجيج أي صراع داخلي أو لفرض نفسه على الدولة السورية الجديدة.

 هذا التوجه يعكس إدراك الحزب بأن التصعيد مع سوريا لن يكون له أثر خارجي فقط، بل قد يفتح جبهة داخلية غير محسوبة، وهو ما قد يضر بموقعه السياسي والاجتماعي في لبنان، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية وسياسية متصاعدة.

يمكن فهم هذا التحرك كجزء من محاولة الحزب لموازنة المصالح الإقليمية مع الأولويات الداخلية ،  فبينما يُعطي الحزب أهمية للحفاظ على نفوذه في لبنان وضمان أمن حدوده، فإنه في الوقت ذاته يسعى إلى الحفاظ على علاقة مستقرة مع الحكومة السورية الجديدة، حتى لا يتحول أي توتر ثنائي إلى أزمة سياسية داخلية تهدد صورة الحزب أمام بيئته الحاضنة ،   بهذا، يمكن القول إن البعد الداخلي اللبناني ليس مجرد سياق، بل عامل أساسي يحدّد طبيعة خطاب الحزب واستراتيجيته العملية تجاه سوريا .

منطق الدولة السورية في إدارة الفاعلين اللبنانيين

لفهم طبيعة العلاقة الجديدة، من المفيد العودة إلى تجارب سابقة لطريقة تعامل سوريا مع الفاعلين اللبنانيين ، في تسعينيات القرن الماضي، دعمت سوريا صعود جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية المعروفة بـ”الأحباش”، التي أسسها الشيخ عبدالله الهرري، ضمن استراتيجية دقيقة لإدارة التوازنات داخل الساحة السنية اللبنانية. [7]

كان الدعم السوري حينها وظيفياً ، لم يُمنح بناءً على تقارب أيديولوجي، وإنما كأداة لضبط البيئة السياسية والدينية، وتقليص نفوذ تيارات سنية منافسة مثل جماعة الإخوان المسلمين، وضمان بيئة سياسية مستقرة نسبيًا في العاصمة اللبنانية والمناطق المحيطة بها.

هذا النموذج يكشف أن الدولة السورية تاريخياً تعاملت مع الفاعلين اللبنانيين بحسابات دقيقة للمصلحة والسيطرة، حيث تُعاد صياغة الأدوار وفق الحاجة والمصالح المتغيرة، وليس وفق ولاءات أيديولوجية صلبة ،  بمعنى آخر، العلاقة كانت دائماً قائمة على منطق “التوظيف الاستراتيجي” للفاعلين المحليين، بحيث يخدم كل طرف مصالحه في ظل هيمنة سوريا على القرار اللبناني.[8]

اليوم، ومع سعي الحكومة السورية الجديدة إلى استعادة احتكارها للسيادة والقرار السياسي والأمني، ينعكس هذا المنطق القديم في صيغة جديدة ،   لم يعد الهدف رعاية الفاعلين اللبنانيين غير الرسميين، ولكنها تأخذ مسار تقليص نفوذهم وفرض التقييد على أنشطتهم خارج الإطار الرسمي للدولة. 

وهذا يفسر الحذر الذي يطبع موقف حزب الله، ويبرر تباعده عن الخطاب العضوي والتحالف الذي اعتمده في عهد النظام السابق ، الحزب اليوم يقدّم العلاقة بصيغة رسمية وسياسية، تحترم سيادة الدولة السورية وتضعه في إطار توازن مصالح بدلاً من اندماج أيديولوجي مباشر.

يمكن القول إن هذه التجربة التاريخية تعكس درساً استراتيجياً لحزب الله ، أي فاعل لبناني مهما كانت قوته أو امتداداته الخارجية، يجب أن يُبقي حساباته مفتوحة مع سوريا االجديدة، ومع مراعاة أن السلطة السورية لن تتسامح مع أي شكل من أشكال النفوذ الذي يتجاوز حدود الدولة أو يمس سيادتها ،   هذا يضع الحزب في مرحلة جديدة من إدارة العلاقة، تقوم على البراغماتية والمرونة، وعدم الانخراط العضوي في المؤسسات السورية، مع الحفاظ على مصالحه اللبنانية والإقليمية في الوقت نفسه.

علاقة انتقالية أم إطار مستقر؟

يبقى السؤال المحوري: هل العلاقة بين حزب الله والحكومة السورية الجديدة ستستقر عند مستوى من التنسيق المحدود، أم أنها تمر بمرحلة انتقالية قد تشهد توترات مستقبلية أو إعادة ضبط مستمرة؟ الإجابة ليست بسيطة، إذ تتداخل فيها اعتبارات داخلية لبنانية، حدودية، وإقليمية.

حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن الطرفين يفضّلان تجنب الصدام المباشر ، فالحكومة السورية الجديدة، المنخرطة في إعادة بناء سيادتها واستعادة شرعيتها على المستوى الداخلي والإقليمي، بحاجة إلى بيئة مستقرة ودعم خارجي لضمان قدرتها على إدارة الدولة دون تحديات إضافية من الداخل أو من لبنان المجاور.

 وفي المقابل، يسعى حزب الله إلى حماية حدوده اللبنانية وضمان عدم انكشافه سياسياً وأمنياًعلى الساحة السورية، خصوصاً بعد فقدان العمق الاستراتيجي الذي كان يوفر له هامش حركة لوجستية وأمنية واسع.

هذا التقاطع في المصالح يفسر طبيعة العلاقة الحالية على أنها براغماتية ومرنة، قائمة على الحد الأدنى من التعاون والتنسيق، مع تجنب أي خطوات قد تُعرّض الطرفين لمخاطر مباشرة ، ومع ذلك، فإن هذه العلاقة ليست مستقرة بالمعنى الكامل للكلمة، فهي مشروطة بعوامل متغيرة: طبيعة السياسة السورية الخارجية، الموقف من إسرائيل، ومستقبل التوازنات اللبنانية الداخلية والطائفية ،   أي تغيير في هذه المتغيرات قد يؤدي إلى إعادة تقييم الدور والحضور لكل طرف، وربما إلى تصعيد محدود أو تعديل استراتيجي في آلية التعاون.

يمكن القول إن هذه العلاقة تمثل مرحلة انتقالية أكثر من كونها صيغة ثابتة ،  فهي تعكس سعي الحزب على التكيّف مع واقع سياسي جديد، وإعادة تحديد أولوياته في بيئة إقليمية متغيرة، بينما تحاول الحكومة السورية الجديدة فرض قواعدها وسيادتها على الفاعلين الإقليميين واللبنانيين[9]

. بهذا المعنى، يظل موقف حزب الله مرناً، لكنه مرتبط بحسابات دقيقة توازن بين الحفاظ على النفوذ اللبناني وبين احترام السيادة السورية الجديدة، وهو ما يجعل العلاقة قابلة للتكيف المستمر مع التحولات المستقبلية.

وفي الختام، يظهر أن موقف حزب الله من الحكومة السورية الجديدة لا يقوم على القطيعة التامة، ولا على استمرارية آلية للتحالف السابق [10]، بل يعكس قراءة دقيقة للواقع الجديد، حيث لم تعد سوريا تُعد العمق الاستراتيجي المفتوح الذي كان يوفر للحزب هامش الحركة والتموضع الحر. الآن، الدولة السورية تسعى لإعادة فرض سيادتها على كامل أراضيها وحدودها، ما يفرض على الحزب إعادة تعريف علاقته وفق معايير جديدة تجمع بين البراغماتية والدفاع عن مصالحه في لبنان والمنطقة.

هذا التحول في الخطاب يوضح انتقال الحزب من منطق الاصطفاف العقائدي التقليدي إلى براغماتية دفاعية توازن بين الحفاظ على النفوذ وإدارة المخاطر ،  فبين مشروع التمدد الإقليمي الذي اعتمده في الماضي، وإعادة ترتيب الأولويات لتقليل الانكشاف الأمني والسياسي اليوم، يقوم الحزب بإعادة رسم حدوده الاستراتيجية وتحديد مجال تحركه في البيئة الإقليمية المتغيرة.

يمكن القول إن العلاقة بين الحزب والحكومة السورية الجديدة لم تنتهِ، لكنها باتت تخضع لشروط واضحة: احترام السيادة السورية، مراعاة المصالح اللبنانية والأمنية، والتكيف مع موازين القوى الإقليمية الجديدة.


[1] محمد البنا ، زياد القصاص ، عبدالحليم إبراهيم ، عبدالله السيد ، عبدالله الجندي ، عصام البدري ، محمد حسين ، ٢٠٢٣ . ” ‏الأزمة السورية : (٢٠١١-٢٠٢٢) ‏والصراع الإقليمي والدولي في المنطقة – ‏دراسة في الأصول ‏وآليات إدارة الصراع”. المركز الديمقراطي العربي.  https://www.democraticac.de/?p=87505

[2] درويش ، إسماعيل ، ٢٠٢٥. ” حكومة أحمد الشرع بين الشرعية الثورية والاعتراف الدولي ” . Independent  عربية . https://www.independentarabia.com/node/619792/

[3] جوهر , صهيب , 2025 . ” العلاقات اللبنانية السورية في ظل المتغيرات الاقليمية : موقع حزب الله بين الدولة اللبنانية والدولة السورية ” . الشرق للأبحاث الاستراتيجية .   https://research.sharqforum.org/ar/2025/10/24/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85/

[4] سكاي نيوز العربية . ” كلمة الأمين العام لحزب اللهُ نعيم القاسم بشأن سوريا ” . ٢٠٢٤ . https://share.google/CtDA7tcilRmfQ2TPl 

[5] عرب 48 . ” نعيم القاسم : من حق الشعب السوري ان يختار قيادته ومستقبله ” . 2024 . https://share.google/fJGuKfXO5geKkTU8B 

[6] ٢٠٢٤. ” مصير سلاح ” حزب الله ” تحدده مضامين قرار وقف النار والمشهد السوري الجديد “. الشرق الأوسط .

https://aawsat.com/العالم-العربي/المشرق-العربي/5090579-مصير-سلاح-حزب-الله-تحدده-مضامين-قرار-وقف-النار-والمشهد-السوري

[7] الكناني , حامد , 2026 . ” ملف بريطاني يفتح دفاتر ” الأحباش ” في لبنان : صعود ديني وحسابات سورية ” . independent العربية . https://share.google/RiML40o3LXdOX7E7a

[8] مرجع سابق.

[9] الجنيبي , مريم , 2025 . ” حزب الله  والحكومة السورية  الجديدة .. مآلات العلاقة في عهد احمد الشرع ” . تريندز للبحوث والاستشارات .  https://trendsresearch.org/ar/insight/%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%85%d8%a2%d9%84/

[10]  مرجع سابق. 

زر الذهاب إلى الأعلى