المنظور الاوروبي للدور الامريكي المستقبلي

▪️تصاعد التشكيك الأوروبي في جدوى الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، وعودة فكرة “الاستقلال الاستراتيجي” الأوروبي.
▪️ تآكل الثقة داخل الناتو بفعل النزعة الأحادية الأمريكية وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية.
▪️ نزاعات تجارية متراكمة بين الطرفين، تفاقمت مع الرسوم الجمركية والتهديدات المتبادلة.
▪️ اتساع الفجوة القيمية والأيديولوجية بين أوروبا وأمريكا في قضايا داخلية حساسة.
▪️ تنامي الأدبيات الأوروبية التي تتحدث عن نهاية النظام الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة وبروز التعددية القطبية.
▪️ تراجع النظرة الإيجابية الأوروبية لأمريكا من 47% عام 2024 إلى 29% حاليًا.
▪️ كتاب “هزيمة الغرب” (2025) لإيمانويل تود يقدّم قراءة معمقة لتحولات المجتمع والنخب في الغرب، ويتنبأ بتراجع بنيوي أمريكي.
▪️ مؤشرات كمية على التراجع: انخفاض الحصة من الناتج الصناعي العالمي، اتساع العجز التجاري، تصاعد عدم المساواة، وتزايد الاعتماد على الكفاءات المهاجرة.
بحكم تخصصي واشتباكي الدائم مع الدراسات المستقبلية الغربية –عملا وقراءة – لفت انتباهي منذ سنوات بذور تشكك أوروبي متزايد في “جدوى او حدود” التشارك الاستراتيجي الأوروبي الامريكي، وحيث ان الظاهرة السياسية لا تولد ناضجة بل تتطور وتتكيف مع بيئتها الجديدة ، فان تلمسي للهمس الأوروبي تجاه امريكا بدأ منذ الحقبة الديغولية في فرنسا عندما دعا الى “أوروبا الأمم” ، ثم سحب فرنسا من القيادة العسكرية للناتو ، واعترض على دخول بريطانيا السوق المشتركة(لشكوكه في موقفها من الولايات المتحدة)وادان حرب فييتنام واعترف بالصين الشعبية واوقف بيع السلاح لاسرائيل بعد حرب 1967…الخ، ويبدو ان ديغول كان يعبر عن “لاوعي أوروبي كامن” بان أوروبا هي الاصل من اليونان الى الثورة الفرنسية وليست الولايات المتحدة التي هي في الاصل “إفراز أوروبي”.
ومع أن الحرب الباردة “لجمت النزوع الديغولي” إلا ان تيارات سياسية أوروبية بقيت في نفس الاتجاه “الحذر من التطاول الامريكي” ، ولعل عددا من المظاهر أسست لهذا الحذر وبشكل متصاعد:
- نزعة الضغط الامريكي في البعد التجاري والاقتصادي (بدءا من ثمانينيات القرن العشرين – ٢٠٢٥) ، وتجلى ذلك في تصاعد النزاعات الممتدة بين أوروبا وامريكا حول المنتجات الزراعية ( في ثمانينيات القرن الماضي ) إلى تهديدات جمركية متبادلة واسعة النطاق والتي دشنها ترامب في عودته للبيت الابيض في مطلع العام الماضي، وهي تهديدات مست صناعات الصلب والألومنيوم والسيارات الأوروبية، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى لبس قفازات المواجهة للرد بالمثل.
- تراكم نزعات الهيمنة الامريكية في صياغة استراتيجية الدفاع والأمن بخاصة خلال فترتي ترامب (2016-2020 و 2024-2026) حيث تعمقت الخلافات مع نزوع الولايات المتحدة الى اعلاء شأن مصالحها الاستراتيجية على حساب مصالح شركائها في الناتو بل والسعي الامريكي لإعادة التفاوض على معاهدات الأمن، كما اتضح جليا في موضوع جزيرة غرينلاند، بل والميل لمراعاة المصالح الاستراتيجية الروسية في أوكرانيا على حساب الهواجس الامنية الأوروبية –بخاصة المانيا وفرنسا-، مما أدى إلى تآكل الثقة ودفع أوروبا إلى التفكير في نوع من “الاستقلال الاستراتيجي”، وافرز ذلك نوعا من إلاجماع الأوروبي المتزايد على أن الأمن الأوروبي لم يعد يعتمد كليًا على الولايات المتحدة، مما يستلزم انتقالًا سريعًا نحو “اقتصاد الحرب” وزيادة الإنفاق الدفاعي المحلي، وهو ما نشهد بوادره الآن.
- حتى في فترة ما قبل ترامب، فان إخفاقات الاتفاقيات التجارية (٢٠١٣ – ٢٠١٦) بين أوروبا وامريكا كشفت عن عدم القدرة على إبرام اتفاقية الشراكة عبر الأطلسي للتجارة والاستثمار (TTIP) وعن وجود خلافات اقتصادية هيكلية بين الطرفين.
- الانقسامات الأيديولوجية والثقافية: شكلت بعض الموضوعات تشققا اضافيا في جدار العلاقة بين الطرفين الامريكي والأوروبي في موضوعات ترتبط بالسياسات “الداخلية” مثل السيطرة على الأسلحة الفردية ، وعقوبة الإعدام ، والرقابة الرقمية..الخ، مما ساهم في اتساع قاعدة انعدام الثقة في الديمقراطية الأمريكية.
- تزايدت الادبيات السياسية الأوروبية الصادرة عن النخب الفكرية ومراكز الدراسات الأوروبية التي تتبنى فكرة نهاية النظام العالمي الليبرالي،إذ يرى العديد من النخب أن النظام الدولي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة قد انتهى رسميًا، ليحل محله عالمٌ تحكمه “سياسات القوى العظمى” والتعددية القطبية التي تشكل الصين بنزوعها السلمي ابرز ملامحها.
- ثمة سلوك امريكي تكتيكي القى بظلاله على المنظور الأوروبي العام ،ويتمثل ذلك في “الطغيان البراغماتي الامريكي”،إذ تشير التوقعات إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية ستصبح نفعية بشكل متزايد، مع إعطاء الأولوية للمكاسب قصيرة الأجل على حساب التحالفات طويلة الأمد والقيم الديمقراطية المشتركة.
وقادت كل هذه المؤشرات الى تغير متلاحق في توجهات المجتمع والنخب الأوروبية تجاه الولايات المتحدة، فقد تراجعت نسبة النظرة الايجابية لامريكيا من 47% عام 2024 الى 29% حاليا، ولعل كتاب المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي ايمانويل تودد(Emanuel Todd) وعنوانه ” هزيمة الغرب” والصادر عام 2025، ينطوي على تحليل عميق لكل ما ورد في النقاط السابقة ويفسر تحولات المجتمع الأوروبي ونخبه تجاه الولايات المتحدة.
ففي الكتاب الصادر عن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية الفرنسي عام 2025 ، يبدأ الحديث عن عشر مفاجآت ايقظت العقل الأوروبي، كان اولها ان أوروبا التي توهمت سلامها استيقظت على مواجهة امريكية روسية على أراضيها (أوكرانيا)، والمفاجأة الخامسة التشقق الأوروبي في كيفية التعاطي مع الموضوع الاوكراني ، ثم يتحدث عن مفاجآت اخرى مثل عجز الولايات المتحدة عن زيادة الانتاج من الذخائر لتعويض اوكرانيا، ثم مفاجأة ان الغرب اصبح اكثر عزلة عن العالم ، لينتهي الى ما يتنبأ به هو “هزيمة الغرب اليقينية” لان هذا الغرب “يتدمر ذاتيا” لانه لم يتنبه لاطروحة العالم الامريكي ميرشايمر حول “العمق الانثروبولوجي والتاريخي للعالم”، فنخبة الواسب (WASP) النخبة البيضاء الانجلوسكسونية البروتستنتينية لم تعد متماسكة ولا حاكمة، وهو ما يؤسس لتراجع حتمي في الولايات المتحدة التي لم تمثل دولة-امة بالمفهوم الويستفالي، والتي كان رايت ميلز قد بنى عليها نظريته عن المجمع العسكري الصناعي.ويدلل الكاتب الفرنسي على ذلك في فصله العاشر وعنوانه”عصابة واشنطن ” على التغير في بنية النخب الامريكية ، وينتهي الى خلاصة هي ان تبخر البروتستنتينية في امريكا ادى لتبخر العنصرية مما ادى لاتساع الطريق امام الهويات الثقافية الفرعية الاخرى، وهو ما شكل خطوة كبيرة في تحولات النخبة ببروز النخب ذات الاصول الآسيوية والسوداء وضمور تدريجي في مكانة اليهود في الجامعات وفي الادارات المحلية وفي قطاع السينما ، لكن هذا التراجع في مكانة اليهود لا يخفي انهم مازالوا متواجدين بنسبة تفوق نسبتهم السكانية.
ويرى الكاتب الفرنسي ان غزة مثلت مهربا لاميركا من وهج خسارتها في اوكرانيا، لكن العالم لم يشاطرها موقفها في غزة،ولم تنتصر في اوكرانيا.
ويحذر الكاتب الفرنسي في فصوله المتتابعة من الفصل الخامس(انتحار أوروبي بمؤازرة امريكية)، و :بريطانيا نحو الامة صفر(الفصل السادس) ليصل الى امريكا في الفصل الثامن بعنوان “الطبيعة الحقة لاميركا: اوليغارشية عدمية”، ليصل الى ما اسماه” عصابة واشنطن” في الفصل العاشر، لينتهي في الفصل ما بعد الخاتمة الى ما يسميه “العدمية الامريكية: الدليل بغزة “.
ويقدم العالم الفرنسي مؤشرات كمية على التراجع الامريكي من صفحة 217 الى 230 ، مركزا على الجانب الاقتصادي ، ويكفي الاشارة الى الشواهد التالية :
- تراجع نصيب امريكا من الناتج الصناعي العالمي من 44.8% الى 16.8% وهو ما يساوي حاليا 57% فقط من اجمالي النصيب الصيني في الانتاج الصناعي العالمي .
- بعد ان كانت الولايات المتحدة دولة مصدرة رئيسية للمنتجات الزراعية ، اصبحت صادراتها مساوية لوارداتها.
- انخفاض متوسط العمر في المجتمع الامريكي.
- ارتفاع العجز التجاري منذ عام 2000 بنسبة 60%.
- كان عدد العاملين في القطاع الدفاعي في الثمانينات حوالي 3.2 مليون، انخفض الى 1.1 مليون.
- تزايد الاعتماد على الخبرات المهاجرة من الخارج فمثلا: الاجانب العاملين في قطاعات التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات يمثلون 39% من العاملين ، بل ان الحاصلين على شهادات الدكتوراة في العلوم والهندسة من الجامعات الامريكية يتراوح بين 66% من الايرانيين و و39% من الهنود و 35% من الصينيين ونفس النسبة من الهنود…الخ.
- استمرار التراجع الامريكي في مؤشر غيني(Gini index) ،فالفروق في توزيع الثروة تتزايد بشكل واضح في الولايات المتحدة، وهي الآن تتصدر الدول الصناعية في عدم عدالة توزيع الثروة.
ماذا يعني ذلك؟ إن فضائح ابستين هي دليل قاطع على الانحدار القيمي الذي ينطوي على دلالات سياسية اعمق من اعتبارها نزعات غرائزية، فهي تعبير عن هروب نخبوي عابث من شعور بقرب الغروب، لذا على العرب ان يستديروا شرقا لا لأنه الافضل بل لأنه الاقل سوءاً…ربما.
