الحريديم والدولة في إسرائيل: حدود المواطنة وصراع الأعباء في دولة دينية – مدنية متحوّلة

منذ أشهر يتصاعد الجدل داخل إسرائيل حول مستقبل الإعفاءات الممنوحة للجماعة الحريدية، وسط تحولات ديمغرافية وسوسيولوجية تجعل استمرار المعادلة القديمة غير منطقية. هذا الجدل لا يتعلق فقط بقضية التجنيد او توزيع الأعباء الاقتصادية، بل يعكس ازمة أعمق في بنية العقد الاجتماعي الإسرائيلي، الذي تأسس على معادلة توازن دقيق بين مكونات دينية وعلمانية في لحظة معينة. اليوم، ومع تضخم الوزن السياسي والديمغرافي للحريديم، تدخل إسرائيل مرحلة تفاوض داخلي جديد حول معنى المواطنة، وحدود الاستثناءات، ومكان الدين في الدولة، بما يجعل هذا الملف مؤشرًا على مستقبل النظام السياسي نفسه واتجاهات العلاقة بين الدين والدولة.

تعود جذور هذا التوتر إلى “تسوية تأسيسية” تشكلت في السنوات الأولى لقيام “الدولة”، حين اختارت النخب المؤسسة احتواء المجتمع الحريدي عبر ترتيب براغماتي يخفف الصدام الداخلي ويضمن حدًا أدنى من الشرعية اليهودية الجامعة. ففي عام 1948، وافق دافيد بن غوريون بناء على طلب حزب “أغودات يسرائيل” على إعفاء عدد محدود من طلاب اليشيفوت من التجنيد، باعتبار أن نمط الحياة الحريدي القائم على مركزية الدراسة الدينية والفصل الاجتماعي يتعارض مع الجيش بوصفه مؤسسة تنتج هوية إسرائيلية حديثة. ومع الزمن، تحولت هذه الخطوة من استثناء محدود إلى إطار بنيوي قابل للتوسع: إعفاء متزايد من الخدمة مقابل تهدئة داخلية، واستقلال تعليمي وديني مقابل قبول سياسي بالدولة كأمر واقع، ودعم اقتصادي مباشر أو غير مباشر مقابل مشاركة انتقائية في النظام السياسي.

غير أن ما كان قابلًا للاستقرار حين كانت الكتلة الحريدية أصغر، صار اليوم موضع إعادة تفاوض تحت ضغط ثلاثة عوامل متداخلة. أولها ضغط قضائي متصاعد يضيّق مساحة “الأمر الواقع” ويطالب بسند تشريعي ينسجم مع مبدأ المساواة في الواجبات. وثانيها نمو ديموغرافي حريدي يحول الاستثناء إلى قضية واسعة التأثير على سوق العمل والتعليم والإنفاق العام، ويجعل كلفة الاستمرار في التسوية أعلى سياسيًا واقتصاديًا. وثالثها منطق النظام الائتلافي الذي يتيح للأحزاب الحريدية بوصفها كتلة منضبطة رفع كلفة تمرير أي تسوية جديدة أو إصلاح سريع، خصوصًا عند استحقاقات مثل الموازنة وقوانين التجنيد

في هذا السياق، اصبحت الأسئلة المؤجلة منذ سنوات تفرض نفسها من جديد: ما مدى قدرة الدولة على الإبقاء على نموذج يقوم على إعفاء جماعة واسعة من الخدمة العسكرية في ظل منظومة أمنية تعتمد على التجنيد الإجباري؟ وكيف يمكن للاقتصاد الإسرائيلي، الذي يتعرض لضغوط متزايدة، أن يستمر في تحمل كلفة الإعانات الموجهة لفئة تتسع بوتيرة ديمغرافية متسارعة؟ هذه الأسئلة لا تنفصل عن تحولات أعم في المزاج العام داخل إسرائيل، حيث يتزايد الشعور بأن المعادلة التي حكمت العلاقة بين الدولة والحريديم منذ لحظة التأسيس لم تعد صالحة في ظل المتغيرات الراهنة، إلى جانب تنامي الإحساس المجتمعي بالتمييز، خصوصًا فيما يتعلق بقضية عدم المساواة في عبء التجنيد الإجباري.

بهذا المعنى، لا يمثل الجدل الدائر مسألة مرتبطة بجماعة محددة، بل يعكس لحظة مفصلية تعيد إسرائيل فيها النظر في إحدى الركائز التي قامت عليها: توزيع الأدوار بين الدين والدولة، وبين الحقوق والالتزامات، وبين الخصوصية الدينية والهوية الوطنية العامة. هذا التحول يمهد لفهم أعمق لمسار العلاقة بين الدولة والمجتمع الحريدي، ولماذا أصبح هذا الملف اختبارًا مبكرًا لاتجاهات السياسة الإسرائيلية في السنوات المقبلة.

من هم الحريديم؟ الهوية الدينية، المظهر الثقافي، وممارسات الحياة اليومية

تشكل التيار الحريدي في أوروبا الشرقية خلال القرن التاسع عشر بوصفه استجابة تاريخية لتحولات عميقة عصفت بالمجتمعات اليهودية، لا كرد فعل ديني بسيط على الحداثة أو التنوير اليهودي (الهسكلاه “ההשכלה“). فقد جاءت الحريدية في سياق تفكك البنى الجماعية التقليدية، وصعود الدولة القومية الحديثة، وانتقال اليهود من وضعية الجماعة الدينية إلى مفهوم المواطنة الفردية، ما دفع قطاعات متدينة إلى إعادة بناء هوية جماعية مغلقة تقوم على مركزية الشريعة، والتعليم الديني الصارم، والانضباط الاجتماعي. ومع الصدمات الكبرى في القرن العشرين، ولا سيما الهجرات الواسعة والمحرقة، تحولت الحريدية من نمط تدين محلي إلى هوية دفاعية شاملة، ترى في الانعزال وإعادة إنتاج الجماعة وسيلة للبقاء.

يعرف التيار الحريدي “חרדים” بانه تيار أرثوذكسي متشدد داخل اليهودية، يقوم على مركزية الشريعة والانضباط الاجتماعي وأولوية الدراسة الدينية. وعلى المستوى الثقافي، ترتبط قطاعات واسعة منه “خصوصًا الأشكنازية” بأنماط لباس محافظة (كالبدلة/المعطف الأسود والقبعة والطاليت[1]) إلى جانب الشكل الخارجي يطيلون ذقونهم ويتدلى من اذانهم خصلات من الشعر الملتف وبفصل اجتماعي صارم، مع حضور لليديشية في بعض الأوساط. وتميل الأسر الحريدية إلى معدلات إنجاب أعلى مقارنة بالتيارات العلمانية، ما يجعل نموهم الديمغرافي عاملًا حاضرًا في النقاش العام. [2]

الى جانب ذلك، يعتبر الحريديم الدراسة التوراتية خصوصًا في المعاهد الدينية “اليشيفوت ישיבות” النشاط المركزي في حياة الذكور، بينما تُبنى الأدوار الاجتماعية والاقتصادية داخل الأسرة على هذا الافتراض، ما يجعل النساء غالبًا يتحملن العبء الأكبر في إعالة الأسرة.

والتفلين “תפילין” باختصار أداة طقسية يهودية تُستخدم في صلاة الصباح، وتتكوّن من صندوقين صغيرين من جلد الحيوان يحتويان على نصوص توراتية مكتوبة على رقّ، ويُربط أحدهما على الجبهة والآخر على الذراع قرب القلب. يُنظر إليها كعلامة رمزية على الالتزام بالشريعة والذكر الديني. [3]

يجدر التنبيه إلى أن المجتمع الحريدي ليس كتلة واحدة؛ إذ يمكن الحديث عن تيارات رئيسية منها: الحريديم الأشكناز (ويندرج ضمنهم الحسيديم/חסידים[4] والليتوانيون/ליטאים[5])، والحريديم السفارديم/الشرقيون (ספרדים) [6]، وهي تقسيمات تفسر لاحقًا طبيعة تمثيلهم الحزبي والانقسام التنظيمي داخل الكنيست.

البُعد القانوني والقضائي: من تسوية سياسية إلى مأزق شرعي

لم يعد ملف إعفاء الحريديم من التجنيد مجرد تسوية سياسية قابلة للتجديد داخل الائتلاف، بل تحول خلال عام 2024 إلى أزمة شرعية قانونية فرضت نفسها على قلب النقاش حول “حدود المواطنة”. فمع غياب إطار قانوني نافذ يتيح تأجيل الخدمة لطلاب اليشيفوت، بدأت المحكمة العليا بالتعامل مع الإعفاء بوصفه ممارسة لا يمكن استمرارها كـ”أمر واقع” خارج السند التشريعي، خصوصًا في ظل تصاعد الحاجة إلى القوى البشرية خلال الحرب وتزايد الاحتكاك المجتمعي حول مبدأ المساواة في الواجبات.[7]

وقد ظهر هذا التحول بوضوح في قرار قضائي في 28 مارس 2024 امر بوقف او تجميد التمويل الحكومي للمعاهد الدينية “اليشيفوت” المتعلقة بطلاب بلغوا سن التجنيد، على أساس أن استمرار الدعم مرتبط بترتيب قانوني غير قائم، ودخل القرار حيز التنفيذ بدءًا من 1 ابريل 2024.[8] ثم جاء حكم المحكمة العليا في 25 يونيو 2024 ليؤكد أن الدولة مطالبة ببدء تجنيد طلاب المعاهد الدينية، وهو ما نقل الأزمة من حيز النقاش إلى حيز الإلزام، وعمّق التوترات داخل الائتلافات الحاكمة المعتمدة على الأحزاب الحريدية.[9]

في هذا السياق القانوني المتقلب، يأتي العامل الديمغرافي ليحول الاستثناء الى جدل حول استمرار المعادلة القديمة التي قامت على إعفاءات واسعة من الخدمة العسكرية مقابل ترتيبات سياسية واجتماعية ضمنية، غير أن تحولات السنوات الأخيرة جعلت هذه المعادلة موضع إعادة تفاوض، لا بوصفها ترتيبا قانونيًا فقط، بل كقضية عدالة توزيع للأعباء والحقوق داخل المجتمع، خصوصًا مع توسع قاعدة الفئة المستثناة وتزايد وزنها الديمغرافي، إذ تشير تقديرات الى ان عدد الحريديم يصل قرابة 1.39 مليون وبحدود 13.9% من سكان “إسرائيل”، مع توقع وصولهم إلى 16% بحلول عام 2030.[10]

ومع اتساع الكتلة الحريدية عدديًا، لا يبقى أثر الديموغرافيا محصورًا في التجنيد، بل يمتد إلى سوق العمل والتعليم؛ إذ تتحول سياسات المناهج والمهارات والمشاركة الاقتصادية إلى عامل حاسم في كلفة الاستثناء واستدامة نموذج الرفاه العام، وتبرز هذه الحساسية بصورة أشد في لحظات الحرب أو الاستنزاف، حين يصبح الطلب على القوى البشرية أعلى، ويصبح الاستثناء أكثر كلفة في الوعي العام.

يمتلك الحريديم تمثيلًا حزبيًا واضحًا داخل الكنيست عبر أحزاب تُعرّف نفسها ممثلًا لجمهور ديني اجتماعي محدد، أبرزها شاس (שס) المرتبط بجمهور الحريديم الشرقيين/السفارديم، ويهدوت هتوراه المتحدة (יהדות התורה המאוחדת) المرتبطة بالحريديم الأشكناز. وفي الكنيست الخامسة والعشرين حاز الحزبان معًا 18 مقعدًا (11 لشاس و7 ليهدوت هتوراه)، وهو رقم لا يمنحهم غالبية مستقلة، لكنه يكتسب وزنًا مضاعفًا عندما تقوم الحكومات على هوامش ضيقة وعند التصويت على ملفات وجودية مثل الموازنة. في هذه الحالات، تتحول الكتلة الحريدية المنضبطة إلى شريك مُلزِم في تمرير التشريعات، لا لأنها تصنع القرار وحدها، بل لأنها تستطيع رفع كلفة تجاهلها أو تعطيل الاستقرار الحكومي عبر الامتناع عن التصويت أو التهديد بالانسحاب، وهو ما ظهر مرارًا في ربطها بين قانون التجنيد واستحقاقات الموازنة. [11]

لذلك تُستخدم المشاركة الائتلافية لديهم غالبًا كآلية لحماية الاستقلال المجتمعي أكثر من كونها اندماجًا في المشروع القومي، وقد ظهرت هذه الآلية بوضوح عندما لوّحت أحزاب حريدية بإرباك الائتلاف ما لم يُمرر تشريع ينظم إعفاء طلاب اليشيفوت قبل استحقاقات الموازنة. [12]

الخاتمة

في المحصلة، تُظهر أزمة تجنيد الحريديم أنها نقطة تقاطع بين القانون والسياسة والديموغرافيا، وليست نزاعًا تقنيًا على بند إداري. فالمحكمة تدفع باتجاه إخضاع الاستثناء لمنطق الشرعية والمساواة، فيما يجعل نمو الكتلة الحريدية أثر الاستثناء ممتدًا إلى الاقتصاد والتعليم وسوق العمل، ويمنح النظام الائتلافي الأحزاب الحريدية قدرة تفاوضية عالية تُبقي أي تغيير رهينة حسابات الموازنة واستقرار الحكومة.

ومن هنا يمكن تصور ثلاث مسارات محتملة لتطور الملف. المسار الأول هو إصلاح تدريجي يوسع الخدمة أو يطور بدائل مدنية، ويربط التمويل العام بمعايير امتثال محددة، بما يقلل كلفة الاستثناء دون كسره دفعة واحدة. المسار الثاني هو إعادة تدوير التسوية عبر تشريع جديد يشرعن الاستثناء مع تعديلات شكلية، ويستثمر في إدارة الغضب المجتمعي بدل معالجته جذريًا. أما المسار الثالث فهو تصعيد واستقطاب، يتغذى من صدامات متكررة بين المحكمة والائتلاف ومن اتساع إحساس قطاعات واسعة بانعدام العدالة في توزيع الأعباء، بما يفتح الباب لأزمات ائتلافية متلاحقة أو احتجاجات أوسع.

في جميع الحالات، يبقى السؤال الحاسم ليس “هل يتجند الحريديم؟” وحده، بل أي نموذج مواطنة تريد إسرائيل تثبيته: مواطنة متساوية في الواجبات والحقوق، أم مواطنة تفاوضية تُدار عبر استثناءات جماعية تُعاد صياغتها وفق موازين القوة داخل الدولة.


[1] الطاليت: وهو رداء قماشي كبير بثمانية اهداب في كل زاوية، يرتديه اليهود اثناء الصلاة ويُلبس عادة خلال صلوات السبت وصباحات الأعياد ويُلبس من قبل كل من بلغ سن الرشد اليهودي

[2] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الثاني، القاهرة دار الشروق للنشر، 2003، ص 154.

[3] תקופת חנוכה ליהודי מרוקו، التفلين… شرح حول الصناديق الجلدية التي يضعها اليهود أثناء الصلاة، 26 فبراير 2017 https://www.facebook.com/share/1BAtSwe98X/

[4] تيار حريدي أشكنازي صوفي–جماعاتي، يقدّم التجربة الروحية والفرح الديني والانتماء للجماعة على الدراسة المجردة. يتمحور حول “الريبّي” كزعيم روحي/اجتماعي، ويتحرك سياسيًا وفق توجيهاته ومصالح كل جماعة، لذا ليس كتلة موحدة.

[5] تيار حريدي أشكنازي، يجعل دراسة التلمود واليشيفوت محور التدين ونمط الحياة. سياسيًا براغماتي تنظيميًا لحماية الدراسة الدينية والإعفاء من التجنيد، بقيادة مرجعيات حاخامية عليا غير كاريزمية.

[6] تيار حريدي ذو جذور شرق أوسطية/شمال أفريقية، يرتكز على الفقه العملي والهوية الجماعية مع مرونة أكبر للاندماج والعمل مقارنة بالأشكناز. سياسيًا يحمل بعدًا احتجاجيًا ضد التهميش والهيمنة الأشكنازية، بقيادة أكثر مركزية حول حاخام مرجعي جامع.

[7] Reuters, Israel court hears challenges to religious draft waiver amid Gaza war  26, Israel court hears challenges to religious draft waiver amid Gaza war | Reuters

[8] The Times of Israel، In ‘historic’ step, High Court orders halt to yeshiva funds for students eligible for draft 28, In ‘historic’ step, High Court orders halt to yeshiva funds for students eligible for draft | The Times of Israel

[9] Reuters, Israel court ends draft exemptions for ultra-Orthodox Jews، 25 June 2024. Israel court ends draft exemptions for ultra-Orthodox Jews | Reuters

[10] The Jewish People Policy Institute (JPPI)، Annual Assessment of the Jewish People 2025 | 5785 (Section 6: The Political System: Fateful Elections,15 October 2025. מצב העם היהודי: הערכה שנתית 2025 | תשפ”ה

[11] The Times of Israel، Shas vows to oppose 2026 budget unless coalition passes Haredi draft exemption bill, 4 January 2026 https://www.timesofisrael.com/shas-vows-to-oppose-2026-budget-unless-coalition-passes-haredi-draft-exemption-bill/.

[12] The Times of Israel، Haredi party threatens to bolt government if conscription law not passed before budget، 15 October 2024, UTJ threatens to bolt coalition if law keeping haredim out of IDF not passed before budget | The Times of Israel

زر الذهاب إلى الأعلى