T-DOME: منظومة دفاع متعددة الطبقات ودور إسرائيل في إعادة تشكيل الردع في مضيق تايوان

يشكل خطاب الرئيس التايواني لاي تشينغ تي الذي ألقاه في 10 أكتوبر 2025 بمناسبة اليوم الوطني تحولًا واضحًا في الأولويات مقارنة بخطاباته السابقة، حيث يعكس مقاربة أكثر حذرًا وواقعية تجاه العلاقات عبر المضيق، مع تعزيز الرسائل الوطنية الداخلية، ومفاهيم الدفاع الوطني والأمن الداخلي، وتعزيز مكانة تايوان عالميًّا، مقارنة بالعام الماضي الذي شهدت فيه كلماته تأكيدًا قويًا على حرص تايوان على التعاون وبناء الثقة مع بكين ودول الجوار للمساهمة في حل الصراع الروسي الأوكراني من جهة وصراعات الشرق الأوسط من جهة أخرى، هذا العام، اقتصر تركيزه على الحديث عن أهمية تايوان عالميا واقتصاديا خاصة بعد تصدرها النمور الآسيوية الأربعة في معدل النمو الاقتصادي، ومن جانب آخر طالب لاي الصين بعدم تحريف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2758 أو السجل التاريخي للحرب العالمية الثانية، وهذا كله كان في إطار التحذيرات المستمرة من قبل الرئيس الصيني شي جينغ بين فيما يتعلق بالحركات الانفصالية نحو تايوان، وبالمقابل زيادة الضغط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على تايبيه لبذل المزيد من الجهد للدفاع عن نفسها، نتيحة لذلك أعلن لاي عن مواصلة تايوان في السعي نحو السلام بالقوة، من خلال تعزيز منظومة دفاع جوي (T-DOME) كخطوة لمواجهة أي تحرك محتمل نحو الجزيرة.
ما هي منظومة T- DOME ؟
تمثل المنظومة نظام جوي دفاعي حديث مضاد للصورايخ لتعزيز قدرات الردع ضد الهجمات الصينية المحتملة، ويوفر حماية متعددة الطبقات ومستويات رصد عالية وعمليات اعتراض فعالة، هذا المشروع الذي يشبه من حيث الوظيفة العامة منطق عمل منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية، ولكن مع اختلاف من حيث البنية التقنية والتكامل العملياتي.
وُيتوقَّع أن تعتمد T-DOME على دمج أنظمة قائمة مثل صواريخ باتريوت الأمريكية، ومنظومات سكاي بو (Sky Bow) المحلية، مع رادارات إنذار مبكر وشبكات قيادة وسيطرة متقدمة، ما يتيح مستوى حماية دفاعية مرتفع نسبياً ضد الضربات الجوية المحدودة والمتدرجة، لكنه لا يوفر درعاً كاملاً ضد هجمات صاروخية كثيفة أو ضربات بعيدة المدى واسعة النطاق من قوة كبرى مثل الصين.
ومن الناحية الوظيفية، يُنظر إلى المنظومة باعتبارها أداة لتعزيز الردع ورفع كلفة أي هجوم محتمل، أكثر من كونها ضمانة لاعتراض شامل.
وتقدّر التكلفة للمنظومة حوالي400 مليار دولار تايواني ما يعادل (12.8 مليار دولار أمريكي)، ولعل هذا يعكس تحوّلاً نوعياً في أولويات الإنفاق الدفاعي التايواني، إذ تمثل هذه الكلفة ما يقارب ثلث مخصصات ميزانية الدفاع المقترحة والبالغة 1.25) تريليون دولار تايواني)، ما يدل على التزام سياسي ومالي طويل الأمد تجاه بناء قدرة دفاع جوي متقدمة، حيث سيتم تنفيذه على مدار ثماني سنوات حتى عام 2033، وكما أوضح لاي في خطابه بزيادة الإنفاق الدفاعي حتى 5% مع حلول عام 2030، ولا تقتصر هذه الكلفة على إنشاء منظومة واحدة، بل تشمل عملية إعادة هيكلة شاملة لشبكة الدفاع الجوي من خلال دمج أنظمة قائمة مع مشتريات جديدة محلية وأجنبية، بما في ذلك أنظمة اعتراض إضافية وصواريخ مرافقة وبنية تحتية رقمية متقدمة للقيادة والسيطرة.
ويشير هذا الحجم من الإنفاق إلى أن تايوان لا تسعى إلى تحقيق تفوق عسكري مباشر، بل إلى رفع كلفة أي هجوم جوي محتمل عبر تعزيز قدرات الاعتراض المبكر والاستجابة متعددة الطبقات، كما أن اعتماد المشروع على مزيج من الأنظمة المحلية والمستوردة يضيف أعباء مالية مستمرة تتعلق بالتحديث والصيانة والتشغيل، ما يجعل (T-DOME) مشروعاً دفاعياً طويل الأمد يتجاوز كونه استجابة ظرفية للتهديدات الآنية، ويعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة تعريف مفهوم الردع الجوي التايواني ضمن معادلات الأمن الإقليمي.
العلاقات بين تايوان واسرائيل
تكتسب الزيارة السرية التي قام بها نائب وزير الخارجية التايواني فرانسوا وو إلى إسرائيل أواخر عام 2025 دلالة خاصة، إذ تعكس إدراكاً تايوانياً متزايداً لإمكانية الاستفادة من الخبرة العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما دروس حرب غزة، في بناء قدرات ردع واعتراض في مواجهة الصين، كما أن استقبال تايوان لوفود سياسية إسرائيلية، والتصريحات العلنية التي ربطت بين التهديدات التي تواجهها تايوان وتلك التي تواجهها إسرائيل، يشير إلى تشكّل سردية أمنية مشتركة تُوظَّف لتبرير هذا التعاون. في المقابل، تنظر بكين إلى هذا المسار بوصفه انتهاكاً مباشراً لمبدأ (الصين الواحدة) وتدخلاً في شؤونها السيادية، خاصة في ظل ما تعتبره دعماً إسرائيلياً تقنياً وعسكرياً يعزز القدرات الدفاعية التايوانية ضدها، وعليه، فإن التعاون التايواني الإسرائيلي لا يمكن فهمه بمعزل عن تداعيات حرب غزة، وتدهور العلاقات الصينية الإسرائيلية، خاصة مع الموقف الصيني الداعم لغزة ومحاولات تايوان توظيف الخبرة الإسرائيلية لتعويض اختلال ميزان القوى مع الصين، مما يجعل هذا التعاون جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الاستراتيجية التي تعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والدولي، خاصة بعد حادث انفجار جهاز النداء (البيجر) في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024 فقد ساعدت هذه الحادثة في ترسيخ هذا الارتباط بينهما في عناوين الأخبار العالمية، إذ أفادت التقارير بأن عملاء إسرائيليين مزعومين تسللوا إلى سلسلة توريد أجهزة النداء التي تحمل علامة تايوانية والتي يستخدمها حزب الله، والمرتبطة بانفجارات 17 سبتمبر/أيلول 2024 .
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن مسار العلاقات التايوانية الإسرائيلية يشهد تحولاً نوعياً من مستوى التفاعل غير الرسمي إلى مستوى تعاون أمني تكنولوجي متقدم، يكتسب أبعاداً استراتيجية في سياق التنافس الصيني الأمريكي والتحولات الجيوسياسية العالمية، فالتقارب بين الطرفين، رغم غياب الاعتراف الدبلوماسي الرسمي، يتجسد في تطوير منظومة الدفاع الجوي التايوانية متعددة الطبقات (T-DOME) على نحو يُظهر تشابهاً بنيوياً ووظيفياً واضحاً مع منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية، ما يعكس نقل خبرات وتفاعلاً تقنياً في مجالات الرادار، وأنظمة الاعتراض، وإدارة المعركة الجوية، ويُعزَّز هذا التعاون بوجود مكاتب تمثيل متبادلة في تايبيه وتل أبيب، بما يوفّر إطاراً مؤسسياً يسمح بتكثيف التنسيق في مجالات التكنولوجيا والدفاع دون الوصول إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وهو ما يفسر حساسية الموقف الصيني حيال هذه العلاقة.
وفي هذا الإطار، يكتسب التقارب التايواني الإسرائيلي بعدًا إضافيًا مدعومًا بتقييمات خبراء إسرائيليين، أقرّوا بوجود تكامل بنيوي بين بيئة الابتكار المتقدمة في قطاع الشركات الناشئة الإسرائيلية، والقاعدة الصناعية والتكنولوجية المتنامية في تايوان، ولا سيما في مجال أشباه الموصلات، ويُنظر إلى هذا التكامل بوصفه استجابة براغماتية للتحولات المتسارعة في ديناميكيات التجارة العالمية، حيث يصبح الوصول إلى شركاء موثوقين وكفؤين عنصرًا حاسمًا في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية وسلاسل التوريد الهشة، وفي هذا السياق، أشار رافائيل كاهان، مراسل الشؤون التقنية في موقع (واي نت)، إلى أن تواصل تايوان مع إسرائيل يندرج في إطار مساعٍ لتشكيل تحالف تكنولوجي في مواجهة ما يُنظر إليه إسرائيليًا بوصفه تهديدًا صينيًا متصاعدًا، مرجّحًا أن يتخذ هذا التعاون شكل اندماج للصناعات الإسرائيلية ضمن شراكات مع الولايات المتحدة، بما يفتح المجال أمام قيام تحالف تكنولوجي ثلاثي يعزز مناعته أمام الضغوط الصينية.
ويندرج هذا ضمن الأهمية الاستراتيجية للقدرة الصناعية التايوانية، التي تفتقر إليها إسرائيل، خاصة في سيناريوهات اضطراب سلاسل التوريد العالمية، في ظل تصاعد الحرب التجارية وتنامي العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، ويعكس هذا الطرح إدراكًا إسرائيليًا متزايدًا لهشاشة موقعها في النظام الاقتصادي الدولي بعد حرب غزة، وهو ما يفسر الدعوات الداخلية، بما فيها دعوة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى إعادة توجيه الاقتصاد الإسرائيلي نحو نماذج أقرب إلى الاكتفاء الذاتي، وعليه، لا يُفهم الانفتاح على تايوان بوصفه خيارًا تقنيًا محضًا، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع إسرائيل ضمن شبكات تكنولوجية وصناعية بديلة، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع ضرورات الاستدامة الاقتصادية في بيئة دولية آخذة في التصلب والانقسام.
أما على المستوى الدولي، يكتسب هذا المسار دلالة أوسع في ظل التنافس الصيني الأمريكي، حيث تُوظَّف تايوان كحلقة مركزية في معادلة الردع الإقليمي، فدعم واشنطن الضمني لتعزيز القدرات الدفاعية التايوانية والتي كان آخرها موافقة الولايات المتحدة على حزمة من مبيعات لأسلحة تجاوزت قيمتها 11 مليار دولار لتايوان، إلى جانب انخراط أطراف تكنولوجية متقدمة مثل إسرائيل، يعكس نمطاً متزايداً منتشبيك الأمن عبر الشراكات غير الرسمية، وهو نمط مرشح للتوسع في النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة. ويُحتمل أن يؤدي هذا الاتجاه إلى تعميم نماذج دفاعية مشابهة في مناطق نزاع أخرى، ما يعزز عسكرة التفاعلات الدولية ويُضعف من فرص بناء ترتيبات أمنية جماعية مستقرة.
ختامًا، لا يمكن النظر إلى منظومة (T-DOME ) التايوانية بوصفها مشروعاً دفاعياً تقنياً معزولاً، بل باعتبارها تطوراً استراتيجياً يحمل تداعيات تتجاوز مضيق تايوان إلى بنية النظام الدولي ذاته؛ فإطلاق منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات بهذا الحجم المالي والتقني يعكس انتقال تايوان من منطق الاعتماد الدفاعي التقليدي على الولايات المحتدة الأمريكية إلى تبنّي نموذج الردع القائم على رفع كلفة الهجوم، وهو ما يُعيد تشكيل معادلات القوة في واحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في النظام العالمي، ومن شأن هذا التحول أن يدفع الصين إلى إعادة تقييم استراتيجياتها العسكرية، سواء عبر تعزيز قدراتها الهجومية الصاروخية، أو عبر الاستثمار في وسائل اختراق أنظمة الدفاع الجوي، ما يفتح الباب أمام ديناميكيات سباق تسلح نوعي في شرق آسيا لا يقوم فقط على الكم، بل على التفوق التكنولوجي والتكامل بين الأنظمة.
