هوية رئيس الوزراء العراقي القادم بين حسابات الداخل وتعقيدات الخارج

ثمة قواعد لعبة عمدت وتعمد إلى ترسيخها القوى السياسية في العراق مع إجراء كل انتخابات، والتي أثمرت في نهاية الأمر عن إنتاج نظام سياسي يضعه بعض الباحثين في خانة السلطوية التنافسية Competitive Authoritarianism، إذ بدت الساحة السياسية في العراق محصورة بين قوى محددة تعيد إنتاج الوضع القائم، حوّلت عملية الاقتراع إلى مجرد اختبار لوزن كل قوة على الأرض، مع عدم قدرة أي طرف آخر على الدخول إلى حلبة السياسة دون امتلاك المقومات التي تمتلكها معظم تلك القوى المشاركة في العملية السياسية والمتمثلة بالدعم الخارجي، وكثيرًا ما يكون مقرونًا بالولاء والمال وغالبًا السلاح.
ما تزال الأنباء متضاربة حول حقيقة الاتفاق على هوية رئيس الوزراء القادم بعد أن حسم السنّة منصب رئاسة البرلمان لصالح هيبت الحلبوسي المنتمي إلى تحالف تقدم الذي يقوده محمد الحلبوسي رئيس البرلمان الأسبق، بعد مشاورات جرت داخل “الإطار السني” أو ما سُمّي بالمجلس السياسي الوطني، في ظل أزمة أخرى بين الحزبين الكرديين بعد أن قرر الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) بقيادة نيجرفان بارزاني المنافسة على منصب رئاسة الجمهورية في مقابل التحالف الذي يحاول تشكيله الاتحاد الوطني الكردستاني (اليكتي) الذي يرأسه بافل طالباني.
لكن كان مفاجئًا انسحاب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من سباق الترشح والحديث عن احتمالية توليه حقيبة وزارة الخارجية تاركًا المنصب لنوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق لدورتين متتاليتين (2006–2014) وزعيم ائتلاف دولة القانون، وثمة من يقول إنها مناورة “مدروسة” من السوداني الحائز على أعلى عدد من الأصوات والمقبول من أطراف إقليمية، لقتل طموحات المالكي من خلال الرفض الذي قد يأتي سواء من الداخل والخارج، وهنا يُقصد بالداخل بعض أطراف الإطار التنسيقي مثل تيار الحكمة الذي يرأسه عمار الحكيم وحركة عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، رغم ما أُعلن في الساعات الأخيرة من بعض المصادر عن إجماعها على ترشيح المالكي، بالإضافة إلى التيار الصدري الذي لطالما تعامل مع المالكي بوصفه ندًّا وخصمًا، إلى جانب بعض القوى السنية التي أرسلت إشارات تتحفظ على ترشيح المالكي في مقابل ترحيب أخرى.
أما فيما يتعلق بالموقف في الخارج، فقد شهدت الأيام الأخيرة إرسال المرشد الأعلى مباركته لترشيح المالكي، رغم محاولة بعض قوى الإطار تفسير رسالة خامنئي على أنها تتحدث عن أي شخصية يتفق عليها الإطار وليس عن شخصية رئيس ائتلاف دولة القانون نفسه، إلى جانب انشغال إيران بتحدياتها الداخلية والتهديدات التي تتلقاها من الخارج، لكن لربما إن الموقف الأعقد يتمثل في تفسير موقف الولايات المتحدة غير الواضح ومدى كونه حاسمًا في تحديد هوية المرشح، وإذا ما كانت تعدّ المالكي جزءًا من الجماعات المدعومة من إيران.
تأتي أهمية هذا التساؤل بعد تهديدات أمريكية وُجّهت إلى سياسيين عراقيين بفرض عقوبات تستهدف الدولة قد تصل إلى استهداف عائدات النفط التي يحصل عليها العراق عبر البنك الاحتياطي الاتحادي في الولايات المتحدة، في حال ضمّت الحكومة القادمة شخصيات محسوبة على الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وبحسب صحيفة فايننشال تايمز فقد طلبت سفارة واشنطن في بغداد تغيير النائب الأول لرئيس البرلمان عدنان فيحان لانتمائه إلى فصيل مسلح مدرج على قوائم العقوبات الأمريكية وهو عصائب أهل الحق.
يمكن القول إن المنافسة اليوم تكاد تنحصر بين نوري المالكي ومرشح تسوية قد تفرضه “ظروف مفاجئة” في الساعات الأخيرة يمكن التوافق عليه تبعًا لحسابات الإطار التنسيقي نفسه والحسابات الإقليمية والدولية، فالمالكي الذي يُنسب إليه قدرته على إدارة العلاقة بتوازن بين الولايات المتحدة وإيران وحصر السلاح بيد الدولة، وهنا الإشارة إلى عملية “صولة الفرسان” ضد أتباع التيار الصدري في ولايته الأولى، هو نفسه من قام بفعل معاكس تمامًا في ولايته الثانية بعد أن بدا العراق متوجهًا إلى محور إيران بشكل علني، وفتح الباب أمام الفصائل المسلحة بعد اندلاع الأزمة السورية في 2011، إلى جانب تأزّم الوضع السياسي واحتلال تنظيم الدولة “داعش” ثلث مساحة العراق، إلا أن رئيس الوزراء الأسبق يراهن على ما يبدو في حال تسنّمه المنصب على نفوذه الكبير في مؤسسات الدولة وشبكته السياسية والأمنية الواسعتين، بعد أن قضى في المنصب دورتين متتاليتين.
في حين قد يرى الاتجاه المتحفظ من داخل الطبقة السياسية إن المالكي قد يستأثر بالسلطة ويعزل دور الإطار التنسيقي الذي يمثل مجلس إدارة الدولة، ويضعف مكاسب القوى السياسية الأخرى، ووجوده قد يؤزم الداخل العراقي نظرًا لإشكاليات متعلقة بالعلاقة مع التيار الصدري والقاعدة السنية في العراق، وقد يعوّل هذا الاتجاه افتراض الرفض الإقليمي والدولي لشخصية المالكي التي شهدت العلاقات العراقية الخارجية في عهده تراجعًا ملحوظًا.
إن قرار اختيار رئيس الوزراء في العراق ليس انتخابيًّا، ولا يأخذ بعين الاعتبار الطرف الحاصل على أعلى الأصوات أو المقاعد، بل يخضع لحسابات الداخل ومعادلات الخارج، كما إن منصب رئيس الوزراء في السنوات الأخيرة أُريد له ألا يعدو بمثابة مدير عام مكلّف باتباع توجيهات ومراعاة توجهات مجلس الإدارة المتمثل بالإطار التنسيقي الذي تُترك له القرارات السياسية الكبرى، رغم محاولات متكررة من السوداني لكسر تلك القيود المفروضة على المنصب.
أمام ما سبق، وإذا ما تجاوزنا منصب رئيس الوزراء إلى الحديث عن النظام السياسي وسؤال المستقبل، فثمة ما هو مرتبط بالتحولات الإقليمية والقرارات الأمريكية تجاه إيران والمنطقة وجدية الولايات المتحدة بمحاربة الفصائل المسلحة والنفوذ الإيراني داخل العراق كما يصرّح مبعوث ترمب الخاص إلى العراق مارك سافايا، وهي معطيات كفيلة بخلط الأوراق في أي لحظة وإعادة إنتاج وضع جديد مختلف عن ذلك الذي تحاول القوى السياسية التمسك به.
