الجذور التاريخية للمسألة الكوردية و شمال شرق سوريا

لا تزال القضية الكردية من أكثر القضايا إلحاحًا وتأثيرًا في تشكيل النظام السياسي للشرق الأوسط. ففي تركيا والعراق وسوريا وإيران، اصطدمت تطلعات الأكراد إلى تقرير المصير مرارًا وتكرارًا بوحدة أراضي الدول القومية القائمة. ورغم المحاولات التاريخية المتعددة لإقامة دولة كردية مستقلة، فقد باءت هذه الجهود بالفشل، مُنتجةً بدلًا من ذلك حركات سياسية مُشتتة وأشكالًا متفاوتة من الحكم الذاتي. في تركيا، ارتبط الحراك الكردي ارتباطًا وثيقًا بحزب العمال الكردستاني، الذي تأسس على إطار أيديولوجي ماركسي، وانخرط في كفاح مسلح طويل الأمد ضد الدولة التركية. أما في العراق، فقد اتسمت العلاقات بين الفصائل السياسية الكردية ونظام البعث بتحالفات متغيرة ومواجهات عسكرية متكررة واتهامات متبادلة حتى انهيار النظام عام 2003. وفي سوريا، تعود جذور القضية الكردية إلى تعداد عام 1962 في محافظة الحسكة، الذي جرّد عشرات الآلاف من الأكراد من جنسيتهم، وهي سياسة استمرت حتى صدور المرسوم رقم 13 مؤخرًا من الرئيس الشرع. بعد أحداث عام 2011، شهد شمال شرق سوريا تردداً سياسياً بدلاً من الانخراط الفوري في الانتفاضة، بينما أدى تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عام 2015، بدعم من الولايات المتحدة، إلى مرحلة جديدة غامضة لا تزال تداعياتها المستقبلية غير واضحة.
ومع ذلك، فإنه بعيداً عن أبعادها الجيوسياسية والعسكرية، تبقى القومية الكردية جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والحضري لسوريا: فالأكراد يشكلون عنصراً أساسياً في المدن والمناطق السورية الرئيسية، وأي جهد جاد لتحقيق الاستقرار السياسي أو المصالحة الوطنية أو إعادة الإعمار بعد الحرب سيظل ناقصاً ما لم يتم التعامل مع هذه القضية كتحدٍ هيكلي جوهري وليس كقضية هامشية أو مؤقتة.
في البداية لا بد من الاشارة الى وجود مشكلة كردية تاريخية عابرة لجغرافيا اربعة دول في العالم العربي والشرق الاوسط بدءا من ايران ومرورا بشمال العراق وجنوب تركيا وشمال شرق سوريا. وفي نفس الوقت ايضا لا بد من التذكير بأن العرب لم يكونوا سببا في هذه المظلومية وانما من كان مسؤلا عن تقسيم المنطقةسياسيا وجغرافيا ً بدءا من اتفاقية سايكس بيكو 1917 ومرورا باتفاقية لوزان عام 1923.
مع ظهور فكرة الدولة القومية في ايران (حكم الشاه) وتركيا (الكمالية) وحكم البعث في كل من العراق وسوريا ، استنهضت فكرة القومية الكردية في هذه الدول كرد فعل طبيعي لغياب الدولة الوطنية القادرة على استيعاب كافة الخلفيات الدينية والقومية والاثنية بالشكل الذي يعزز قيم المواطنة الحقيقية ضمن اطار وطني واحد. بدء الاكراد اولى محاولاتهم الانفصالية في شمال غرب ايران وتم تاسيس دولة مهاباد الكردية لكنها لم تدم لاكثر من اشهر معدودة حيث تم القضاء عليها ولكن لم يتم القضاء على الطموح الكردي في رؤية دولة كردستان .
في تركيا كانت الحركة الشبابية الكردية الانشط بالدول المذكورة الساعية الى تحقيق الاستقلال الكردي. تزعم عبدالله اوجلان المشهد الكردي في تركيا منذ مطلع الثمانينيات من خلال تأسيس حزب العمال الكردستاني والقائم على الفكر الماركسي . واصطدم الحزب مع الدولة بمعارك شرسة أُزهقت فيها ارواح كثيرة في الجانبين التركي والكردي. سجن اوجلان بعد القبض عليه في مشهد هوليودي والذي مُنح فترة زمنية طويلة لمحاربة تركيا من الاراضي السورية في ظل حكم حافظ الاسد. وفي عام 2025 طلب من انصاره التوقف عن الحرب مع تركيا وامر بحل الحزب والانخراط في بناء الدولة التركية. لم يرضي هذا القرار كثر من القيادات الكردية التي قررت العمل في الدول الاربعة المشار اليها بمسميات مختلفة.
اما في العراق فاتسمت العلاقة بين المكونات السياسية الكردية ونظام حزب البعث بكثير من التعقيد والاشتباك العسكري والاتهامات المتبادلة بين الطرفين حتى انتهاء حكم البعث في عام 2003 حيث وجد الاكراد انقسهم امام اللحظة التاريخية لتشكيل نواة دولة كردستان في شمال العراق. في المسألة السورية فقد بدأت المشكلة منذ عام 1962 وبما يسمى احصاء محافظة الحسكة (يسكنها نسبة جيدة من الاكراد) حيث حرم الكرد من الجنسية السورية بقرار سياسي استمر حتى صدور المرسوم 13 الذي اصدره الرئيس الشرع قبل ايام.
من المهم ذكر التالي فيما يخص سوريا: لايوجد كثافة سكانية كردية في الجزيرة العربية، وانما تواجد في محافظة الحسكة وخاصة في شمال شرق وغرب المحافظة جنبا الى جنب مع العرب في تلك المحافظة.
اذا ما الذي جرى قي شمال شرق سوريا بعد عام 2011؟
لم يكن هناك حراك كردي حقيقي في بدايات الثورة السورية باتجاه دعم الشعب السوري الثائر وانما كان هناك نوع من الترقب للمشهد الذي يمكن ان ينعكس ايجابيا على المستقبل السياسي للكرد كما حدث في العراق.
دخول تنظيم داع ش المتطرف على الساحة السورية وسيطرته على الرقة ودير الزور فتح افقاً جديداً للسياسين الاكراد. تم تشكيل تنظيم جديد سمي باسم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) 2015 هدف الى محاربة التنظيم المتطرف بدعم من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية،، عملت قسد على تقديم نفسها بطريقة تنسجم مع التفكير الغربي في تلك الفترة كما انها تقرّبت من العشائر العربية من بوابة محاربة التنظيم والعمل لمستقبل سوريا حيث شكلت اغلبية عربية في التنظيم لكن دون فعالية حقيقية في قيادة قسد. سيطر تنظيم حزب العمال الكردستاني على تنظيم قسد واصبح الطموح في تحقيق الذي لم يستطع الحزب تحقيقه في تركيا. رفضت قسد كل المبادرات التي تقدمت بها الحكومة السورية لانهاء حالة الانفصال والسيطرة من قبل قسد على اهم مصادر المياه والطاقة والزراعة في سوريا ولم تكتفي قسد بذلك فقط، وانما ساعدت النظام في محاربة الثورة وخاصة في حلب .
ما الذي حدث في الاسابيع الاخيرة؟
قدمت الحكومة السورية نفسها بطريقة مختلفة للولايات المتحدة الامريكية عبر دعم عربي من دول مفتاحية لها وزنها الاستراتيجي، قاد ذلك الى رفع الغطاء السياسي والامني عن قسد،، كما استطاعت الحكومة السورية ان تنافس قسد في الملف الذي قدمت فيها نفسها للغرب بإنضمامها الى محاربة الارهاب مما افقد قسد ورقة التوت التي كانت تغطي نفسها بها. في المقابل فقدت قسد بيئتها الاجتماعية الحاضنة عندما انقلبت عليها الاغلبية العربية بسبب سياساتها القمعية التي مارستها على سكان تلك المناطق بالاضافة الى ظهور البعد القومي في العلاقة بين الطرفين مما سهل عمل الجيش السوري في اعادة توحيد الاراضي السورية لمناطق الجزيرة العربية. ظهر وبشكل حلي سيطرة حزب العمال الكردستاني على التنظيم بحيث انه تم احباط كل محاولات التفاهم والحلول بين الحكومة وقسد. ذهبت قسد الى اكثر من ذلك عندما بدأت بأطلاق سراح كثير من ارهابي تنظيم دا ع ش من اجل اتهام الحكومة السورية بأنها تريد اعادة التموضع للتنظيم المتطرف في سوريا.
ما الذي سيجري في الايام القادمة؟
ستحاول الحكومة الامريكية ايقاف الحكومة السورية عن القيام بعملها خاصة في الحسكة من اجل اعطاء فرصة للقيادات الكردية في اعادة تنظيم نفسها وهذا يمكن ان يقود الى مشكلة اساسية لمستقبل سوريا حيث سيبدأ الحزب بحرب استنزاف طويلة تستهدف الامن في سوريا واستقرارها ومحاولة تعزيز فكرة الانفصال عند اطراف سورية اخرى من خلال القيام باعمال ارهابية تستهدف هذه المكونات واطالة الازمة السورية.
ملاحظة: المكون الكردي مكون اصيل في كبريات المدن السورية وهم جزء اصيل من حركة البناء القائمة الان
