بين انسداد الخيارات وتبدّل التحالفات: مستقبل الإخوان المسلمين في لبنان

يمثّل الأمر التنفيذي [1] الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك فرعها اللبناني، كتنظيم إرهابي، محطة مفصلية في مقاربة واشنطن لمكونات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط. فالقرار يتجاوز الدوافع الأمنية المباشرة، ليعكس تحوّلاً في قراءة واشنطن لدور الحركات الإسلامية في البيئات الهشّة، ولعلاقتها بشبكات إقليمية أوسع، ولتأثيرها على مسارات الصراع والتحالفات في المنطقة.
وتتّخذ هذه الخطوة أبعاداً خاصة في الحالة اللبنانية. فالجماعة الإسلامية في لبنان، وهي الامتداد المحلي للإخوان، ليست أساسياً مؤثراً في المشهد السني، بل حركة دينية–اجتماعية تمتلك إرثاً تاريخي ممتد منذ الستينيات، وشبكات مؤسساتية، وحضوراً يتقلص في بعض البيئات المحلية، إضافة إلى دور عسكري محدود [2]ظهر في الحرب الأخيرة على إسرائيل من خلال “جبهة الإسناد”، حيث فقدت عدداً من أعضائها في غارات إسرائيلية، من خلال تنظيم مسلح يسمى “قوات الفجر”، وهو ما ذكره الأمر التنفيذي.
وجاء القرار الأميركي في لحظة كانت فيها الجماعة تسعى إلى إعادة صياغة موقعها بعد سنوات من الانكماش، ما يجعل تأثيراته مركّبة تتجاوز البعد القانوني إلى إعادة تشكيل حدود حضورها السياسي والاجتماعي.
الانعكاسات الداخلية: تعطّل مسار الاندماج
خلال الأشهر التي سبقت القرار، كانت الجماعة الإسلامية تعمل على إعادة الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية من بوابة الاستحقاق الانتخابي، وخاصة مع سقوط نظام الأسد، ووصول نظام إسلامي من خلفية جهادية، وبدا أن الجماعة المعولة على التحولات السورية، قد انخرطت في حوارات [3]هادئة وغير معلنة مع قوى سياسية متباعدة، بينها التيار الوطني الحر وحزب الكتائب، إضافة إلى نقاشات مع شخصيات سنيّة تقليدية في مدن رئيسية كبيروت وطرابلس، بهدف تشكيل لوائح مشتركة في الدوائر المختلطة، واستثمار حالة الفراغ التي تشهدها الساحة السنية منذ غياب تيار المستقبل، والذي أدى لفراغ سياسي.
وهذه النقاشات كانت تُظهر توجّهًا نحو بناء تحالفات غير مألوفة في السياسة اللبنانية، تعكس واقع الجماعة الهش، وحاجتها إلى أطر جديدة للتأثير، ولتجاوز عزلتها التاريخية وخاصة أن مشاركتها في جبهة الإسناد إلى جانب حزب الله، لم تلقى تأييداً من المرجعيات السياسية والدينية في المكون السني.
لذا فإن القرار الأميركي وضع نهاية شبه فورية لهذه المسارات، فالأحزاب المسيحية، التي كانت تتعامل مع الجماعة ببراغماتية انتخابية، للاستفادة من حجم أصواتها المنتشرة في أكثر الدوائر الانتخابية، وانعكاساً لنظام انتخابي هجين، لا تستطيع في ظل التصنيف تحمّل كلفة الارتباط بجسم بات ضمن دائرة التعقب الأميركية. كذلك، فإن الشخصيات السنية التي كانت تبحث عن ترتيبات انتخابية قادرة على تحقيق اختراقات محدودة ستتجنّب الدخول في تحالف يحمل مخاطرة سياسية خارجية مباشرة.
وهكذا، أُغلقت النافذة السياسية التي كانت الجماعة تراهن عليها لإعادة التموضع. وهذا يعيدها إلى موقع متراجع داخل المشهد السني، ويزيد احتمالات اقترابها من محور واحد فقط، وهو محور حزب الله، ليس نتيجة قناعة سياسية، بل نتيجة انسداد الخيارات الأخرى.
تماهي مع حزب الله
يمثّل التصنيف الأميركي عامل دفع غير مباشر باتجاه تعميق العلاقة بين الجماعة الإسلامية وحزب الله، ليس من منطلق تقارب أيديولوجي، بل نتيجة تشابه الضغوط التي يتعرض لها الطرفان. فمع إدراج الجماعة ضمن خانة التنظيمات الإرهابية، تضيق أمامها الخيارات السياسية، وتصبح الأحزاب اللبنانية الأخرى—ولا سيما المسيحية والسنيّة التقليدية—أقل استعدادًا للارتباط بها أو إدماجها ضمن تحالفات انتخابية أو سياسية. وفي المقابل، يجد حزب الله نفسه الطرف الوحيد القادر على استيعاب الكلفة التي قد تترتب على أي علاقة معها، نظراً لاعتياده على العقوبات الأميركية وتعامله مع الضغوط الإسرائيلية والأميركية بوصفها جزءًا من بنيته السياسية والأمنية.
من هذه الزاوية، يصبح التقارب [4]بين الجماعة وحزب الله مساراً محتملاً في ظل البيئة الضاغطة الراهنة. فكل من الطرفين يتعرض لاستهداف مباشر—الأول عبر التصنيف والعقوبات، والثاني عبر الضغوط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية والعقوبات الأميركية المستمرة، ما يجعل العلاقة بينهما قائمة على مبدأ الحاجة المتبادلة، فالجماعة تحتاج إلى مظلة سياسية توفر لها حداً أدنى من الحماية والقدرة على الاستمرار، بينما يستفيد حزب الله من بقاء الجماعة ضمن بيئته الحليفة في الشارع السنّي، ولو بوزن محدود. وفي النتيجة، يدفع هذا الواقع إلى تماهي أكبر بين الطرفين، مع ما يحمله ذلك من إعادة تعريف لدور الجماعة واتجاهاتها داخل النظام السياسي اللبناني.
الأثر المالي: خنق شبكات الدعم
لا يمكن فهم بنية الجماعة الإسلامية في لبنان خارج شبكة المؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية التي بنتها منذ عقود. فهذه الشبكات ليست واجهة نشاط مدني فحسب، بل تمثل بنية تمويل داخلية، وقاعدة نفوذ اجتماعي، وآلية تجنيد، ووسيلة تواصل مع بيئات فقيرة ومتوسطة في أكثر من منطقة.
واستهداف هذه الشبكات هو جوهر الفعل التنفيذي الأميركي، الذي يركّز على تجفيف التمويل المرتبط بالمنظمات المصنّفة إرهابية، خصوصاً أن تلك التي تُتهم بتسهيل الدعم لحركة “حماس”. ومع إدراج الإخوان في خانة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، تصبح الجمعيات المرتبطة بالجماعة عرضة للمراقبة، وتواجه صعوبات في تحويل الأموال، أو الحصول على منح، أو الإبقاء على تواصل مالي مع أطراف خارجية.
تداعيات ذلك متعددة، هو تقلّص دور المؤسسات الأهلية التي مثّلت الرافعة الاجتماعية للجماعة، وانكماش قدرتها على تغطية نفقاتها التشغيلية، وصعوبة استقطاب كوادر جديدة تعمل داخل هذه المؤسسات، إمكانية تراجع الخدمات التي تقدّمها، ما يضعف حضورها في المناطق التي تعتمد عليها، والأهم أن هذه الضغوط تأتي في وقت باتت فيه الجماعة أقل قدرة على إجراء مراجعات فكرية وتنظيمية داخلية، ما يجعل معركة التكيّف أصعب من قدرة بنيتها التقليدية على الاستيعاب.
الانعكاسات الإقليمية: غياب المظلّة وتغيّر الحسابات
على مدى العقد الماضي، تراجعت مكانة الإخوان المسلمين في الحسابات الإقليمية لدول فاعلة في المنطقة، وتحديداً تركيا وقطر، الدولتين اللتين شكّلتا المظلّة الأبرز لهذا التيار بعد عام 2011، ومع صعود هذه التيارات في ثورات الربيع العربي، وهذا التراجع جاء نتيجة تفاهمات [5]أبرمت بين تلك الأطراف، وجهات عربية، وخاصة أن لتركيا أولويات اقتصادية جديدة، واندفاع نحو استقرار العلاقات الإقليمية، في ظل حالة الانكماش الاقتصادي وتغير الأولويات الداخلية في الداخل، إضافة أن الحرب الأخيرة على قطاع غزة، أظهر تململاً بين الأتراك والقطريين، وحركة حماس، كنتيجة عملية لـ”عملية طوفان الأقصى”.
ومع صدور القرار الأميركي، يصبح استمرار احتضان الجماعة اللبنانية عالي الكلفة بالنسبة للدولتين، تركيا التي تعمل على إعادة بناء مسار تفاوضي مع واشنطن والاتحاد الأوروبي في ملفات سوريا وتسعى للاستحصال على صفقات دفاعية، لا ترغب بإضافة ملف إشكالي في سجلها. وقطر، التي تحاول تثبيت موقعها كوسيط إقليمي محايد، لا تريد أن تُصنّف كداعم غير مباشر لتنظيم مدرج على لائحة إرهابية أميركية.
وفي موازاة ذلك، يتبنّى النظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع استراتيجية تقوم على الابتعاد [6]عن كل مكونات الإسلام السياسي، بما فيها الإخوان، كجزء من عملية استعادة الشرعية الدولية. وهذه الخطوة تحرم الجماعة اللبنانية من بيئة كانت تاريخياً حاضن تاريخي له، وظهر ذلك في مقال [7]نشره أحمد موفق زيدان مستشار الرئيس السوري، طالب فيه بحل جماعة الإخوان “السورية”، فكيف سيكون التعاطي مع نظيرتها اللبنانية.
لذا يمثّل هذا المشهد تحوّلًا استراتيجياً يجعل الجماعة بلا غطاء إقليمي فعّال، ويضعها أمام ضرورة الاعتماد على بيئتها الداخلية فقط، في وقت تتراجع فيه قدراتها المالية والتنظيمية.
الأثر الاجتماعي وصعوبة التجديد البنيوي
تُظهر معظم الدراسات الاجتماعية في المنطقة أنّ الأجيال الجديدة تميل إلى أنماط سياسية مدنية وعابرة للأيديولوجيا. وفي هذا السياق، يشكل التصنيف الأميركي عبئاً إضافياً على الجماعة الإسلامية، لأنه يضاعف من كلفة الانتماء إليها، ويجعل الالتزام بها خياراً محفوفاً بالمخاطر القانونية والاجتماعية، وخاصة أن التنظيم لم يعد جاذباً.
تتّسع بذلك الفجوة بين الجماعة وهذه الأجيال، وتصبح عملية التجنيد أكثر صعوبة، في وقت تبدو فيه البنية العقائدية والتنظيمية للجماعة أقل قدرة على القيام بمراجعات فكرية تتلاءم مع التحولات المعاصرة، وتاريخياً، لم تظهر الجماعة مرونة تُذكر فيما يتعلق بتعديل خطابها، ما يجعل إمكانية إعادة تشكيلها فكرياً مساراً شبه مستحيل.
لذا يكمن السؤال الأساسي: هل يدفع هذا التصنيف الأميركي الجماعة الإسلامية في لبنان نحو مرحلة “التنظيم المتآكل” الذي يفقد قدرته على التأثير تدريجيًا، أم أنه سيجبرها على إعادة صياغة هويتها في إطار جديد يتجاوز أطرها الفكرية والتنظيمية التقليدية؟
مسارات المستقبل واحتمالات إعادة التشكل
يبدو أن القرار الأميركي يشكّل لحظة مفصلية ستترك أثراً طويل الأمد على الجماعة الإسلامية في لبنان. فالتداعيات الداخلية والسياسية والمالية والإقليمية تتراكم بصورة تجعل الحركة أمام خيارات صعبة، وفي ظروف تجعل قدرتها على المناورة محدودة.
المسار الأول يتمثل في انكماش تدريجي وتحول الجماعة إلى تنظيم محدود التأثير، حيث تؤدي الضغوط المالية والسياسية إلى فقدان قدرتها على التجنيد والحضور الاجتماعي، فتتحول إلى إطار رمزي تاريخي أكثر من كونها قوة اجتماعية فاعلة.
المسار الثاني هو اندماجها الكامل داخل محور سياسي واحد، وتحديدًا محور حزب الله، باعتباره الطرف الوحيد القادر على تحمّل كلفة العلاقة معها. هذا المسار يوفر حماية مرحلية لكنه يعيد تعريف الجماعة داخل إطار مختلف كليًا عن هويتها الأصلية.
المسار الثالث هو محاولة إعادة بناء ذاتها عبر خطاب جديد ينقلها من الهوية الحزبية الصلبة إلى هوية اجتماعية–دعوية منخفضة الكلفة السياسية. إلا أن هذا الخيار يحتاج بنية قيادية قادرة على مراجعة أفكارها التاريخية، وهو أمر لم تظهر مؤشرات عليه حتى الآن.
وبين هذه المسارات، يبقى المؤكد أن الجماعة الإسلامية في لبنان تدخل مرحلة غير مسبوقة من التحول. فالتصنيف الأميركي لا يفرض عليها مجرد قيود، بل يعيد رسم حدود حضورها ودورها وطرق تأثيرها، ويضعها أمام معادلة جديدة: إما التكيّف، أو الانكماش، أو التحوّل إلى جزء من منظومة سياسية أكبر، تفقد فيها استقلاليتها وهويتها التقليدية.
[1] US. Department of the state – Terrorist Designations of Muslim Brotherhood Chapters
[2] Carnegie middle east – Quwwat al-Fajr and Hezbollah: Unlikely Allies Against Israel
[3] أيوب نيوز – لقاء مرتقب بين “الجماعة” و”الوطني الحرّ“
[4] صوت بيروت – لقاء بين نصرالله وطقوش
[5] صحيفة الاخبار اللبنانية – … وحظر سعودي وخليجي على الجماعة
[6] صحيفة نداء الوطن اللبنانية – القيادة السورية رفضت استقبال “الجماعة الإسلامية“
[7] الجزيرة نت – متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟
