لبنان في 2026: إدارة الدولة تحت ضغط الاستحقاقات المتزامنة

ينهي لبنان عام 2025 وقد خرج من حالة الفراغ الكامل، لكنه لم يدخل بعد في حالة الاستقرار القابل للاستدامة. الدولة عادت لتشغل موقعها الشكلي، إلا أن هذا الموقع لا يزال محكوماً بقيود داخلية وخارجية تجعل كل خطوة فيها قابلة للتحوّل إلى أزمة جديدة. ما يميّز المرحلة الراهنة ليس حجم التحديات بحد ذاتها، بل تزامنها، وترابطها، وضيق هامش المناورة أمام المؤسسات.
السنة الأولى من العهد الرئاسي والحكومي، مع الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، لم تفشل بمعايير الأداء الإداري، لكنها اصطدمت مبكراً بحقيقة بنيوية، وهي أن معالجة الملفات التي عطّلت الدولة خلال العقد الماضي تبقى شرطاً ضرورياً، لكنها غير كافية بحدّ ذاتها، في ظل معضلة بنيوية أعمق في النظام السياسي اللبناني تعود في جذورها إلى ما بعد اتفاق الطائف، وتتعلق بطبيعة التوازنات وآليات الحكم وإدارة السلطة. وفي مقدّمها ملف السلاح، والحدود، والعلاقة مع سوريا، وموقع لبنان في منظومة الصراعات الإقليمية. غير أن هذه الملفات لا تُدار بإرادة داخلية صافية، بل تُسحب باستمرار إلى ساحات تفاوض وضغط خارجية.
هذا الواقع يجعل عام 2026 عاماً انتقالياً بالغ الحساسية، حيث تُختبر قدرة الدولة ليس على فرض حلول، بل على منع الانزلاق، وضبط الإيقاع، والحفاظ على حدّ أدنى من التماسك المؤسسي في ظل اشتباك ملفاتها الكبرى.
ملف السلاح وحصريته: مأزق الدولة بين الالتزام والقدرة
مع اقتراب نهاية 2025، بات ملف حصرية السلاح بيد الدولة ملفاً مفتوحاً لا يمكن إقفاله سياسياً أو إعلامياً. فالدولة والمؤسسات الرئاسية والتنفيذية التزمت رسمياً[1] بهذا المسار، والجيش اللبناني دخل في خطة تنفيذية[2] تدريجية، وجرى تحقيق تقدّم فعلي في مناطق محددة جنوب نهر الليطاني. إلا أن هذا المسار لم يتحوّل إلى نموذج قابل للتعميم، بل إلى ساحة اختبار دائمة لحدود الدولة.
والمعضلة الأساسية تكمن في أن الجهة المسلحة المعنية لا تتعامل مع هذا الملف كمسألة لبنانية داخلية، بل كجزء من منظومة إقليمية أوسع، والموقف المعلن يقوم على رفض أي نقاش حول السلاح خارج سلّة شروط تشمل الساحة الفلسطينية، والحدود الشرقية، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، ما يعني عملياً أن قرار السلاح مُرحّل إلى لحظة تسوية إقليمية غير واضحة المعالم أو التوقيت.
وبالنسبة للدولة اللبنانية، هذا التموضع يخلق معضلة مزدوجة. فمن جهة، لا تستطيع التراجع عن التزامها المعلن من دون كلفة سياسية ودولية عالية. ومن جهة ثانية، لا تملك الأدوات ولا الإجماع السياسي الذي يسمح لها بفرض التنفيذ بالقوة أو بالضغط الداخلي. وأي اندفاع غير محسوب قد يفتح الباب أمام توترات داخلية يصعب ضبطها، وأي تجميد طويل قد يُستخدم ذريعة لفرض ضغوط أو وقائع خارجية.
لذا فالعام 2026 مرشّح لأن يكون عام إدارة هذا المأزق، لا الخروج منه. والحكومة الحالية ستعمل على تثبيت ما تحقق، وتفادي التراجع، ومحاولة توسيع الهامش التنفيذي من دون الذهاب إلى صدام شامل مع حزب الله وبيئته، وهو مسار هشّ بطبيعته وقابل للاهتزاز عند أي تطور أمني أو سياسي، وخاصة إذا ما تطورت المسارات الخارجية باتجاه ضربة إسرائيلية جديدة لطهران.
الجنوب وآليات المتابعة: تحوّل تقني إلى مسار تفاوضي ضاغط
في موازاة ملف السلاح، تحوّل الجنوب اللبناني خلال النصف الثاني من 2025 إلى مساحة ضغط متعددة المستويات. آليات المتابعة والمراقبة، التي أُنشئت لضبط وقف إطلاق النار، لم تعد تُستخدم حصراً في هذا الإطار، بل جرى توسيع دورها تدريجياً لتصبح منصة إدارة استقرار مشروط، وربما مدخلاً لترتيبات طويلة الأمد.
التغييرات التي طرأت على مستوى التمثيل داخل هذه الآليات ليست تفصيلاً إجرائياً. إدخال عناصر مدنية، ورفع مستوى التمثيل، عبر تعيين السفير السابق سيمون كرم[3] رئيساً للجنة من الجهة اللبنانية، يعكس توجهاً نحو مسار سياساتي، وتحويله من مراقبة تقنية إلى عملية تفاوض غير معلنة حول مستقبل الجنوب، ووظيفته الأمنية، وشروط الحركة والانتشار فيه، في ظل مقترحات أميركية لإنشاء منطقة اقتصادية في المنطقة الحدودية جنوب لبنان.
ما يُطرح في هذا الإطار لا يصل بعد إلى مستوى اتفاق، لكنه يتجاوز بكثير فكرة وقف النار. الحديث يدور عن خطوط أمنية، ومناطق ذات شروط خاصة، وترتيبات طويلة الأمد تُقيّد الواقع الميداني، وتفرض وقائع تدريجية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
والدولة اللبنانية ترفض هذه الطروحات [4]من حيث المبدأ، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها مضطرة للتعاطي معها ضمن منطق تقليل الخسائر، لا منطق الحسم. القدرة على الرفض الكامل غير متوفرة نتيجة الوقائع التي أنتجتها الحرب الأخيرة نهاية 2024، والتطور السوري، إضافة للضعف البنيوي الذي أصيبت به إيران، كما أن القبول الكامل يحمل كلفة سيادية وسياسية كبيرة. لذلك، يُدار هذا الملف في 2026 على قاعدة منع الانفجار، وتأجيل الاستحقاقات الكبرى، وربط أي تقدّم بتفاهمات أوسع لم تنضج بعد.
الجيش اللبناني بين ضغط الحسم ومنطق الاحتواء
يشهد الجيش اللبناني في المرحلة الراهنة ضغوطاً غير مسبوقة، إذ بات في قلب مقاربة دولية متحركة لملف الاستقرار في لبنان، تتجاوز الدعم التقليدي إلى تحميله أعباء سياسية وأمنية إضافية. إلغاء زيارة قائد الجيش[5] العماد رودولف هيكل إلى واشنطن لم يكن خطوة بروتوكولية، بل عكس تبايناً في التوقيت والمقاربة، في ظل ضغوط إسرائيلية متزايدة تهدف إلى ربط أداء الجيش مباشرة بمسار حسم ملف السلاح، ولا سيما شمال نهر الليطاني، بما يتجاوز قدرته العملانية وحدود الغطاء السياسي المتوافر له داخلياً.
في المقابل، جاءت زيارة هيكل إلى باريس[6] لتشكّل محطة إعادة توازن في التعاطي الدولي مع المؤسسة العسكرية. فالاستقبال الفرنسي اللافت حمل رسالة سياسية واضحة تؤكد استمرار الرهان على الجيش كركيزة أساسية للاستقرار، والدفع نحو مقاربة أكثر تدرجاً تقوم على الاحتواء لا الصدام، وعلى دعم الجيش في تنفيذ مهامه بدل استخدامه كأداة ضغط.
هذا التمايز الفرنسي، وإن لم يكن بديلاً عن القرار الأميركي، أتاح هامشاً إضافياً للمناورة، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولات تحميل الدولة والجيش مسؤولية أي تعثّر في تطبيق ترتيبات وقف إطلاق النار.
في هذا السياق، يندرج التحضير لمؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني كجزء من مسعى مزدوج يهدف إلى توفير دعم عملي يخفف من الاستنزاف الميداني، وفي الوقت نفسه تثبيت دور المؤسسة العسكرية ضمن معادلة استقرار مشروط. غير أن هذا المسار يبقى مرتبطاً بمدى توافر الغطاء الأميركي، وبقدرة الجيش على الحفاظ على توازن دقيق بين تنفيذ المهام الموكلة إليه وتجنّب الانزلاق إلى أدوار تتجاوز طاقته أو تضعه في موقع الصدام الداخلي.
العلاقة مع سوريا الجديدة: قلق أمني متبادل وملفات غير قابلة للتأجيل
بالتوازي مع الملفات السيادية الأخرى، يُعدّ ملف العلاقة اللبنانية–السورية أحد أكثر التحديات بنيوية مع دخول عام 2026، بحكم الجغرافيا المشتركة والتداخل التاريخي والسياسي والأمني بين البلدين. فهذه العلاقة لم تكن يوماً علاقة خارجية تقليدية، بل شكّلت على الدوام عاملاً مباشراً في الاستقرار اللبناني، حيث انعكست التحولات في سوريا تلقائياً على الداخل اللبناني، وتحوّل لبنان في مراحل عديدة إلى مساحة تأثّر وتفاعل مع التطورات السورية.
هذا الواقع يجعل أي تغيير في بنية السلطة أو في المقاربة الأمنية في دمشق عاملاً ضاغطاً على لبنان، ويمنح هذا الملف وزناً يتجاوز البعد الدبلوماسي، ليصبح أحد مفاتيح الاستقرار أو التوتر في المرحلة المقبلة.
الملفات المطروحة بين البلدين ثقيلة ولا تحتمل المعالجة البطيئة. أهمها ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية والذي يُشكّل بالنسبة لدمشق مدخلاً إلزامياً لأي تطور في العلاقات، فيما يجد لبنان نفسه عاجزاً عن التعامل معه بمعزل عن اعتبارات قانونية وسياسية داخلية. في الوقت نفسه، يشكّل وجود ضباط[7] ومسؤولين من النظام السابق داخل الأراضي اللبنانية مصدر قلق دائم للسلطة السورية، التي ترى في هذا الوجود تهديداً محتملاً للاستقرار الداخلي السوري.
والخشية السورية لا تقتصر على أفراد، بل تمتد إلى سيناريوهات أوسع تتعلق بإعادة تحريك الساحل، أو الشمال الشرقي، أو السويداء، ضمن مشاريع إضعاف[8] المركزية في دمشق. هذا القلق يدفع سوريا إلى رفع مستوى التنسيق الأمني والضغط السياسي، ويضع لبنان[9] أمام خيارات صعبة في إدارة هذا الملف من دون أن يتحول إلى طرف مباشر في الصراع السوري الداخلي.
لذا سيكون عام 2026 حاسماً في تحديد ما إذا كانت العلاقة ستتجه نحو ضبط متبادل للمخاطر، أم نحو تراكم توترات قد تنعكس أمنياً داخل لبنان، خصوصاً إذا تقاطعت مع ضغوط الجنوب وملف السلاح.
الاستحقاق الانتخابي: تقاطع السياسة مع ميزان القوة
في ضوء كل ما سبق، يأتي الاستحقاق الانتخابي النيابي في موقع متأخر زمنياً، لكنه متقدّم دلالياً. الانتخابات في 2026 ليست ملفاً مستقلاً، بل نتيجة مباشرة لطريقة إدارة الملفات الرئيسية في البلاد خلال المرحلة السابقة.
الثابت في الحسابات السياسية أن حزب الله لا يُبدي أي تحفّظ على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري. على العكس، يرى الحزب[10] أن إجراء الانتخابات في ظل ميزان القوة القائم يخدم موقعه السياسي، ويكرّس قدرته التمثيلية داخل البيئة الشيعية وخارجها، خصوصاً في ظل غياب أي تسوية حول ملف السلاح. ومن وجهة نظره، الانتخابات في هذا التوقيت لا تشكّل تهديداً، بل أداة تثبيت للواقع القائم.
في المقابل، تراهن قوى سياسية أساسية على خيار التأجيل، ليس انطلاقاً من اعتراض مبدئي على الانتخابات، بل من قراءة تعتبر أن أي انتخابات تُجرى قبل معالجة ملف السلاح ستعيد إنتاج الخلل نفسه داخل النظام السياسي. هذه القوى ترى أن الذهاب إلى صناديق الاقتراع من دون تغيير في ميزان القوة سيؤدي عملياً إلى تكريس النفوذ القائم، وإضعاف أي إمكانية لإعادة التوازن داخل المؤسسات، ولا تواكب التحولات التي شهدتها في المنطقة، وتحديداً في سوريا وفلسطين.
هذا التباين يجعل الانتخابات في 2026 ملفاً شديد الحساسية. إجراؤها في موعدها قد ينتج مجلساً نيابياً يعكس ميزان القوة الحالي، ما يُصعّب إدارة ملفات السيادة لاحقاً. وتأجيلها، في المقابل، يفتح الباب أمام أزمة دستورية وسياسية جديدة، ويضع الدولة أمام اتهامات بتعطيل الاستحقاقات.
من هنا، تتحول الانتخابات من أداة ديمقراطية إلى ساحة صراع على توقيت التغيير، لا مبدئه. وهي ساحة لا يمكن فصلها عن مسار التفاوض حول السلاح، ولا عن الاستقرار في الجنوب، ولا عن العلاقة مع سوريا.
عام تثبيت الوقائع لا إنتاج التحولات
يدخل لبنان عام 2026 وهو في مرحلة تثبيت وقائع أكثر مما هو في مرحلة إنتاج تحوّلات، لكن القدرة على فرض المسارات لا تزال محدودة، فيما القرارات التي اتُّخذت في 2025 وضعت البلاد أمام اختبارات عملية لم تُستكمل عناصرها السياسية والتنفيذية بعد.
الملفات الأساسية – السلاح، الجنوب، العلاقة مع سوريا، والاستحقاق الانتخابي – لم تعد قابلة للإدارة كلٌّ على حدة. أي اختلال في أحدها سينعكس مباشرة على البقية، ما يجعل هامش المناورة ضيقاً ويحدّ من فعالية سياسات التأجيل. في هذا السياق، يبدو أن المسار الأرجح في 2026 هو مسار الاحتواء طويل الأمد، القائم على منع الانفجار من دون القدرة على الوصول إلى تسوية شاملة.
الاستحقاق الانتخابي يعكس هذا الواقع أكثر مما يصنعه. إجراؤه في موعده قد يكرّس ميزان القوى القائم، فيما تأجيله يفتح الباب أمام أزمة دستورية إضافية. في الحالتين، يبقى مرتبطاً بشكل وثيق بمآلات ملف السلاح والاستقرار السيادي، لا خياراً مستقلاً عنهما.
الخلاصة أن عام 2026 سيكون عام إدارة مخاطر لا عام حلول. نجاح الدولة لن يُقاس بقدرتها على الحسم، بل بقدرتها على منع تلاقي الأزمات في لحظة واحدة، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك المؤسسي في بيئة داخلية وإقليمية شديدة الهشاشة.
[1] وكالة الاناضول – لبنان.. مجلس الوزراء يكلف الجيش بخطة لحصر السلاح قبل نهاية 2025
[2] الشرق – لبنان.. الحكومة تقر خطة الجيش بشأن حصر السلاح بيد الدولة
[3] الجزيرة نت – ماذا يعني تعيين لبنان شخصية مدنية في لجنة “الميكانيزم“؟
[4] Associated Press – Lebanese president says Hezbollah disarmament will come through dialogue not ‘force’
[5] Reuters – US cancels Washington meetings with Lebanese army chief over remarks on Israel, sources say
[6] المدن – زيارة هيكل لباريس: حفاوة فرنسية.. و”الاحتواء” شعار المرحلة
[7] تلفزيون سوريا – قلق متزايد من فلول النظام المخلوع في لبنان.. هل يضاعف التنسيق بين دمشق وبيروت؟
[8] “عربي بوست – قسد” تطرق أبواب لبنان.. تحرّكات سياسية مريبة تثير قلق بيروت، ومخاوف من ردود فعل سوريا وتركيا
[9] The New York times – Ousted and in Exile, Generals Secretly Plot Insurgency in Syria
[10] المؤسسة اللبنانية للإرسال – حزب الله مع إجراء الانتخابات في موعدها
