مركزية القوة الأمريكية أم إعادة التموضع الدولي؟ استراتيجية دونالد ترامب للأمن القومي

- تختلف هذه الاستراتيجية عن استراتيجيات الإدارات السابقة التي جعلت من الهيمنة العالمية للولايات المتحدة هدفًا محوريًا لها. فبدلًا من ذلك، تعتمد إدارة ترامب مقاربة متشددة تُقدِّم المصالح الداخلية الأمريكية على حساب العلاقات الراسخة مع الشركاء الاقتصاديين والأمنيين.
- من خلال طرح ما يُسمّى بـ«الملحق الترامبي» لعقيدة مونرو، تسعى الإدارة الأمريكية بصورة نشطة إلى ترسيخ هيمنتها في نصف الكرة الغربي.
- ما يميّز استراتيجية الأمن القومي في عهد ترامب عن مقاربات الإدارات السابقة هو تصوير الصين بوصفها منافسًا اقتصاديًا عالميًا، لا خصمًا عسكريًا بالدرجة الأولى.
- لا تُذكر صراحةً سوى غايتين اثنتين فيما يخص الشرق الأوسط: ضمان أمن إسرائيل، والتأكيد على الأهمية الحيوية للاستثمار والتجارة مع دول الخليج العربي. وتصف الاستراتيجية ترامب بـ “رئيس السلام”، غير أن أدواته وأساليبه تقوم على الانقسام داخليًا وخارجيًا، بما يعكس تناقضًا بين الخطاب والممارسة.
قبل أسابيع قليلة، نشرت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي (NSS) التي تهدف إلى جعل الولايات المتحدة “موطن الحرية على وجه الأرض”[1]. ويعكس مضمون هذه الاستراتيجية ونبرتها الأسلوب الشعبوي الصدامي للرئيس ترامب، إلى جانب إعادة رسم العلاقات الدبلوماسية مع الحلفاء والخصوم الرئيسيين. وتختلف هذه الاستراتيجية عن استراتيجيات الإدارات السابقة التي جعلت من الهيمنة العالمية للولايات المتحدة هدفًا مركزيًا؛ إذ تعتمد إدارة ترامب بدلًا من ذلك مقاربة متشددة تُقدِّم المصالح الداخلية الأمريكية على حساب العلاقات الراسخة مع الشركاء الاقتصاديين والأمنيين. وعلى الرغم من أن الكيفية التي تُمارَس بها هذه السياسة الخارجية الجديدة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخطاب المدني الرصين، فإن النتيجة العملية تظل واحدة: الابتعاد عن البروتوكولات الدبلوماسية على الصعيد العالمي، سعيًا إلى ترسيخ الهيمنة في نصف الكرة الغربي، مع الاكتفاء بقائمة محدودة من المصالح الحيوية الأساسية التي تُعد ضرورية للمصالح الأمريكية.
وتُعد خطابات الرئيس الموجَّهة إلى الرأي العام الأمريكي نقطة انطلاق مفيدة لفهم أحدث توجهات إدارته الاستراتيجية. فقد اتسم خطاب دونالد ترامب بطابع استعراضي منذ بدء حملته الرئاسية الأولى قبل ما يقرب من عقد من الزمن. ويُميَّز هذا الخطاب بنبرة صدامية وحدٍّ انقسامي، وقد تُرجم إلى سياسات داخلية وخارجية أسهمت في تفكيك تاريخ طويل من الدبلوماسية الأمريكية ومنظومة الهيمنة العالمية للولايات المتحدة. وفي بداياته، وعلى الرغم من استياء قطاعات واسعة من الجمهور الأمريكي والجمهور الدولي من لغته، فإن كثيرين عمدوا إلى التقليل من شأنها، معتبرين إياها مجرد استعراض من نجم تلفزيون واقع سابق. غير أن الاستهانة بإيديولوجيته الشعبوية الإقصائية باتت تمثل ضررًا مباشرًا بالمجتمع الأمريكي.
وقد وُجِّهت هذه الإيديولوجية الخطِرة نحو فئات لا تنسجم مع تعريفه الضيق للهوية الأمريكية، ولم تسلم منها سوى قلة. فالنساء، والمهاجرون، وذوو الإعاقة، والمسلمون-وغيرهم كثيرون-كانوا أهدافًا متكررة لخطاب الرئيس ترامب التحريضي. وتشير دراسة لغوية صادرة عام 2024 عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، حللت خطبه الانتخابية والرئاسية خلال الفترة 2015–2024، إلى أن خطابه ازداد انقسامية بمرور الوقت، مع استهداف منهجي لمجموعات “خارجية” مختلفة باستخدام مصطلحات تحقيرية[2]. ومع ذلك، وعلى عكس المتوقع، لم يُفضِ هذا الخطاب إلى تنفير الناخبين الأمريكيين؛ إذ فاز دونالد ترامب في حملتين رئاسيتين. وخلال العقد الذي أصبح فيه وجهًا علنيًا لليمين المحافظ المتطرف في الولايات المتحدة، شهدت العلاقات الدولية بين القوى الكبرى تحولات عميقة، وبرز نظام دولي جديد مشبع بما يمكن تسميته بـ”الواقعية المرِنة[3]”.
العناصر الرئيسة في الاستراتيجية الوطنية لترامب وكيف تختلف عن السابق
ينعكس الخطاب الانقسامي بوضوح في هذه الاستراتيجية الوطنية الأخيرة، التي تشكّل قطيعة مع مقاربات الإدارات السابقة، وتطرح “خارطة طريق” لأهداف الولايات المتحدة المستقبلية على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. ويأتي ما يُسمّى بـ”الملحق الترامبي” منسجمًا مع الموقف المتشدد القائم على تأكيد الهيمنة الأمريكية والتفوّق الثقافي من خلال ضبط الهجرة وتحرير الاقتصاد من القيود التنظيمية. وتنتشر في الوثيقة مصطلحات من قبيل “السيادة الثقافية”، و”التخريب الثقافي”، و”الغزوات”، و”التهديدات الأجنبية المعادية” بصورة مكثفة. ويبدو أن مخاوف الرئيس ترامب المعلنة من “الغزاة الأجانب” تُسقَط على الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، وإن بدرجات متفاوتة.
وإلى جانب اللغة التصادمية، تختلف استراتيجية الأمن الحالية عن استراتيجيات أسلافها في عدة جوانب. إذ تتضمن مؤشرات واضحة على رغبة الإدارة الراهنة في تقليص انخراطها في النزاعات العالمية، مع السعي في الوقت ذاته إلى الاضطلاع بدور “صانع السلام”. ويُعد أحد المبادئ المحرِّكة الأساسية لإدارة ترامب ما يُسمّى “إعادة الاصطفاف عبر السلام”[4] مع الدول الشريكة المتقاربة في التوجهات. وفي هذا الإطار، يُدفَع بمفهوم “الدبلوماسية الرئاسية”[5]، حيث يُفترض أن يتحقق السلام مع الدول الأخرى أو فيما بينها بإرادة الرئيس (لا الكونغرس). كما تُعطى أولوية لما يُوصف بـ”نزعة مسبقة إلى عدم التدخل”[6]، بحيث يصبح التدخل في شؤون الدول الأخرى أمرًا يتطلب تبريرًا. ومع ذلك، لا توضح الوثيقة ما طبيعة التدخل الذي يمكن اعتباره مبرَّرًا، ولا الظروف التي يستدعيها. وفي مواضع أخرى من استراتيجية الأمن القومي، تحلّ لغة قومية أكثر حدّة محل النبرة التوفيقية، مع ربطٍ خطابي بين القلق من الهجرة الجماعية إلى أوروبا والولايات المتحدة من جهة، وبين تراجع الثقافة، وتقويض الاستقرار، وتوسع شبكات الاتجار بالمخدرات والجريمة من جهة أخرى.[7]
وعلى الرغم من الدعوات إلى السلام عبر مسارات دبلوماسية متعددة في بعض المواضع، واللغة الانقسامية في مواضع أخرى، فإن ثلاثة أهداف نهائية أساسية تظل واضحة لدى الإدارة الأمريكية الحالية. فهي تسعى إلى: (1) ترسيخ الهيمنة في نصف الكرة الغربي؛ (2) إعادة تشكيل طبيعة علاقاتها مع الشركاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ و(3) إعادة موازنة علاقتها الاقتصادية مع الصين، بالتوازي مع تعزيز العلاقات العسكرية مع شركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن خلال تقديم “ملحق ترامبي” لعقيدة مونرو، تمضي الإدارة الأمريكية قدمًا في مسعى الهيمنة في نصف الكرة الغربي؛ وتواصل سياسة ترامب في ولايته الأولى المتمثلة في الانتقال من “نموذج المساعدات الخارجية” إلى “نموذج الاستثمار والنمو” مع شركاء رئيسيين في شرق آسيا وأفريقيا ومنطقة الخليج؛ فضلًا عن إعادة توجيه العلاقة الاقتصادية الأمريكية مع الصين.
السعي إلى الهيمنة في نصف الكرة الغربي
ترى إدارة ترامب فائدة محدودة في الانخراط في شؤون الدول خارج الحالات التي تنطوي على منفعة اقتصادية مباشرة أو تهديد صريح للمصالح القومية. وبدلًا من ذلك، ركّزت اهتمامها على ترسيخ الهيمنة في نصف الكرة الغربي. وتُحدِّد الاستراتيجية هدفين رئيسين: حشد القوى الإقليمية لتعزيز الاستقرار، وتوسيع الشراكات العسكرية والاقتصادية والسياسية مع شركاء جدد. ولا يمكن تحقيق ذلك-وفق هذا المنظور-إلا مع تموضع واشنطن في موقع القيادة للعالم الغربي، بوصفها الضامن لحماية الثقافة والهوية الأوروبية من “تهديدات” الهجرة الجماعية.
مخاوف الهجرة الجماعية: ترفض الإدارة الحالية منطلق الهيمنة العالمية، سواء لصالحها أو لصالح قوى دولية أخرى. ومن خلال التأكيد المستمر على مبدأ سيادة الدولة القومية بوصفه أساسًا ناظمًا للولايات المتحدة وشركائها الغربيين، تُقدِّم الاستراتيجية الوطنية تصورًا واضحًا يقوم على ثنائية “الغرب في مواجهة البقية” إزاء أنماط الهجرة العالمية والتحولات الديموغرافية في دول الشمال العالمي.
وانسجامًا مع موقف اليمين المتطرف من قضايا الهجرة، تُعدّ الأولوية الأبرز لإدارة ترامب إنهاء ما تصفه بـ”عصر الهجرة الجماعية”[8]. وتروّج استراتيجية الأمن القومي لصورة “العظمة الأوروبية” بوصفها تتعرض لظاهرة “محو حضاري” ناجمة عن سياسات اقتصادية وهجرية أدت-وفق الخطاب-إلى تآكل الطابع الأوروبي وإسكات أصوات “الوطنيين الحقيقيين”. وباعتبار أوروبا شريكًا تجاريًا حيويًا للولايات المتحدة، تُبدي إدارة ترامب خشيتها من أن قارة مستقبلية لا تشكّل فيها الأغلبية البيضاء الوزن الديموغرافي الأكبر قد تكون أقل استعدادًا للاستثمار في الأسواق الأمريكية.
روسيا، وحلف شمال الأطلسي، والهوية المشتركة: يشبه تعميق العلاقات الأوروبية–الأمريكية في بعض جوانبه ما كان عليه الحال في الإدارة السابقة. فقد سعت إدارة بايدن–هاريس إلى البناء على القواسم الثقافية والسياسية المشتركة والمصالح المتبادلة بين الدول الغربية بوصفها أساسًا للعلاقات بينها[9]. كما شكّلت حماية الحريات الديمقراطية في الدول الأوروبية أولوية صريحة لكل من الإدارة السابقة والحالية[10]. وتتمسك استراتيجية ترامب بهذا المبدأ بقوة، باعتباره أحد محاور أولوياتها القومية، حيث تتعهد الإدارة بـ”مناهضة القيود النخبوية المناهضة للديمقراطية المفروضة على الحريات الأساسية في أوروبا، والعالم الأنغلو-ساكسوني، وبقية العالم الديمقراطي”.[11]
ويكمن الاختلاف الجوهري عن الإدارات السابقة في موقف الرئيس ترامب من روسيا. فبينما تبنّت إدارة بايدن–هاريس موقفًا حازمًا معاديًا لروسيا، داعمًا لأوكرانيا، ومؤيدًا لحلف شمال الأطلسي، تسعى إدارة ترامب بنشاط إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا عبر مساعٍ دبلوماسية مع موسكو، واستعادة الاستقرار الاقتصادي الأوروبي. وإذا ما نجح الرئيس ترامب في إنهاء الحرب بوسائل دبلوماسية غير تدخلية وإعادة بناء علاقات الدول الأوروبية، فإن ذلك سيُعد إنجازًا لا تستطيع أي إدارة سابقة-ديمقراطية كانت أم جمهورية-أن تنسبه إلى سجلها.
الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ
فيما يتصل بدور الشركاء الأمنيين والاقتصادات الآسيوية الكبرى، تنقسم استراتيجية الأمن القومي بين التعامل مع الهيمنة الاقتصادية الصينية من جهة، وتعزيز الردع العسكري من جهة أخرى عبر اتفاقيات أمنية مع شركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتُقِرّ إدارة ترامب بالأهمية الجيوستراتيجية للاستثمار في دول شرق وجنوب شرق آسيا النامية، مع السعي في الوقت ذاته إلى تحقيق توازن دقيق في العلاقات الأمريكية–الصينية.
تقاسم الأعباء وتحويلها: يؤكد نموذج الأمن الجماعي الذي تتبناه إدارة ترامب على ضرورة تحقيق قدر أكبر من العدالة في تقاسم أعباء الإنفاق الدفاعي لحماية المصالح العسكرية المشتركة، سواء مع شركاء حلف شمال الأطلسي أو مع الدول الآسيوية.[12] وبالنظر إلى ضخامة القواعد العسكرية الأمريكية الراسخة في المنطقة، التي تعمل بوصفها مراكز لوجستية محورية، إلى جانب التمويل الكبير من الدول المضيفة، فإن العلاقات بين هذه الدول تشهد بلا شك تحولات ملموسة. وتتبنى الاستراتيجية موقفًا واضحًا في معارضة أي تهديدات تمس الاستقلال الإقليمي لتايوان، إلى جانب رغبة صريحة في مواصلة الاستثمار في حماية المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة.
الصين: على الرغم من استمرار الهجمات الخطابية الحادة التي يشنّها الرئيس ضد الصين، فإن اللغة الواردة في الاستراتيجية الوطنية تركز أساسًا على سبل استعادة التفوق الاقتصادي الأمريكي. وتتمحور أهداف إعادة موازنة العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والصين حول التحول نحو ما يُسمّى “إجراءات اقتصادية منضبطة”[13]. وما يميز استراتيجية الأمن القومي في عهد ترامب عن مقاربات الإدارات السابقة هو تصوير الصين بوصفها منافسًا اقتصاديًا عالميًا أكثر منها خصمًا عسكريًا. فقد نظرت إدارة بايدن–هاريس إلى جمهورية الصين الشعبية على أنها التهديد الأبرز للنظام الدولي، نظرًا لمكانتها كأحد أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وتنامي قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وتصديرها نماذج حكم سلطوية إلى دول أخرى.
في المقابل، تُبدي إدارة ترامب اهتمامًا محدودًا بالدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية في الدول الأخرى، ولا تُظهر رغبة في الانخراط في صراع عسكري مع دولة بعيدة جغرافيًا حين يمكن للحروب التجارية أن تحقق أثرًا مكافئًا. ومن خلال تسليط الضوء على النفوذ الاقتصادي الواسع للسلع الصينية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، تسعى الإدارة إلى إعادة التوازن بين البلدين عبر بناء علاقات أقوى مع تلك الدول ورفض ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة من جانب بكين. وفي هذا السياق، تستمر الإشارات التمييزية الواضحة إلى “التخريب الثقافي”، وتصدير المخدرات القاتلة مثل الفنتانيل، و”الدعم الحكومي الافتراسي الموجَّه”، في أسلوب يعكس نزعة الرئيس الأمريكي إلى ترسيخ ثنائية “نحن مقابل هم”. كما توجه الاستراتيجية تحذيرًا صريحًا مفاده أن أمن المنطقة يعتمد على التزام جميع الحلفاء المشترك بالحفاظ على المصالح الاقتصادية المتبادلة.
تحوّل المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
يسود انطباع مفاده أن السياسات الانقسامية لإدارة ترامب ستقود إلى عزل الولايات المتحدة ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا داخل نطاق نصف الكرة الغربي. ومع ذلك، يظل الرئيس ترامب وإدارته منفتحين على الاستثمار العالمي والتجارة مع الملكيات العربية في الخليج. ووفقًا لاستراتيجية الأمن القومي، تُعد “الحروب الأبدية” في الشرق الأوسط إرثًا لحكومات أمريكية سابقة. وانسجامًا مع سياسات ترامب الرامية إلى تقليص الأعباء المكلفة على الرأي العام الأمريكي، يُنظر إلى الاعتماد على الحلفاء الإقليميين-مثل تركيا وإسرائيل ودول عربية أخرى-بوصفهم الفاعلين الرئيسيين في حفظ الاستقرار.[14] ولا تُذكر صراحةً سوى غايتين اثنتين حيال الشرق الأوسط: أمن إسرائيل، والأهمية الحيوية للاستثمار والتجارة في دول الخليج العربي. وقد تجلّى هذان الموقفان تاريخيًا عبر حزم المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية الضخمة لإسرائيل، فضلًا عن صفقات التجارة الكبرى في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتمويل مع دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة.
التقدّم نحو سلام أكثر ديمومة: تشير استراتيجية الأمن القومي إلى أن حدّة الصراع في المنطقة قد تراجعت، ولا سيما عبر الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية، وكذلك عبر ما تصفه بإنهاء “الصراع”[15] الإسرائيلي–الفلسطيني “المعقّد”. وبصفته “رئيس السلام”[16]، تُشيد الوثيقة الاستراتيجية بقدرة الرئيس الأمريكي على التفاوض للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين حركة حماس والحكومة الإسرائيلية الحالية. وتبدو إدارة ترامب مرتاحة لمواصلة الابتعاد عن الحرب ذات الطابع الإبادي، مكتفيةً بالتصريحات العامة وتمويل الحكومة الإسرائيلية.
الدبلوماسية التجارية: بوصفه رجل أعمال يسعى قبل كل شيء إلى تحسين النتائج النهائية، يهدف الرئيس ترامب إلى تجاوز التعقيدات البيروقراطية وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص داخل الولايات المتحدة وخارجها. وتأتي “الدبلوماسية غير التقليدية”[17] التي يمارسها الرئيس في إطار حماية المصالح الأمريكية، مع إبراز العلاقات التجارية مع دول تختلف في معاييرها الاجتماعية والسياسية عن الولايات المتحدة. وتمثل “الواقعية المرِنة” [18]التي يتبناها خروجًا عن نهج الإدارات السابقة، حيث شكّل الترويج للديمقراطية السمة الأبرز لعلاقات الولايات المتحدة بالشرق الأوسط منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. فقد كانت مؤسسية الديمقراطية محورًا أساسيًا في استراتيجيات إدارات بوش وأوباما وبايدن. أما الإدارة الحالية، فلا تُبدي اهتمامًا بنشر الحوكمة الديمقراطية، بل تؤكد ذلك صراحةً عبر تبني سياسة الواقعية المرِنة. ولا يرى الرئيس ترامب مصلحة في “فرض تغييرات ديمقراطية أو اجتماعية أخرى تختلف على نحو واسع عن تقاليدهم وتواريخهم”.[19] وتُعد الملكيات العربية المستقرة تاريخيًا في الخليج-على الرغم من اختلافها السياسي والثقافي عن الدول الغربية-شركاء تجاريين مرغوبين إقليميًا ودوليًا، ويسعى الرئيس الأمريكي الجديد إلى تعظيم مكاسب هذه العلاقات.
ماذا تغفل الاستراتيجية؟
رئيس السلام: قدّم معهد بروكينغز تحليلًا معمّقًا لعناصر مختلفة من استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب،[20] مبرزًا “عدم الاتساق” [21]في السياسة الخارجية المطروحة و”فراغ” الأيديولوجيا القائمة على التناقض والنفاق. وتشير كايتلين تالمِدج إلى أن اللغة الانقسامية متوقعة، لكنها تُبدي دهشة من الإقرار بأن جميع البشر يمتلكون “حقوقًا طبيعية متساوية منحها الله”[22]. وتجادل بأن توصيف الرئيس بـ”رئيس السلام” ينطوي على تناقض، بالنظر إلى تموضعه الحالي حيال احتمال تغيير النظام في فنزويلا.
ملحق ترامبي: تُبرز تحليلات إضافية لمعهد بروكينغز النزعة شبه الإمبريالية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تكريسها في نصف الكرة الغربي.[23] وتؤكد فندا فلباب-براون مخاطر “حرب أمريكية أبدية”، في ظل إظهار إدارة ترامب استعدادها لاستخدام القوة العسكرية ضد عصابات المخدرات في المنطقة. ويشكّل هذا التطور الخطِر-المرتبط بقضايا الهجرة، ولا سيما من دول أميركا اللاتينية، وبالعلاقة الاقتصادية بين الصين ودول جنوب الولايات المتحدة-أفقًا جديدًا محفوفًا بالمخاطر للتدخل العسكري الأمريكي.
أفريقيا والمشرق: على الرغم من استثمار مليارات الدولارات في الحروب ومشاريع بناء الدول في الشرق الأوسط، تُعلن الاستراتيجية الوطنية الجديدة بوضوح أن هذه الإدارة لم تعد تسعى إلى الانخراط في صراعات المنطقة. ولا يَرِد ذكرٌ واضح لدول شمال أفريقيا أو المشرق. وتنظر إدارة ترامب إلى ملكيات الخليج بوصفها بوابة لفتح أسواق جديدة مع دول أفريقية مختارة. ويُختزل كامل القارة الأفريقية-بما تحمله من ثقافة وثروة وتاريخ-في ثلاثة فقرات فقط في ختام الوثيقة الاستراتيجية. وباستخدام لغة استعمارية–إمبريالية مألوفة، تُذكر أهداف عامة غامضة مع قدر محدود من الاهتمام بالكرامة الإنسانية، من قبيل تقليص المساعدات الخارجية، ودعم محتمل لمفاوضات تسوية النزاعات بين بعض الدول، و”تسخير الموارد الطبيعية الوفيرة في أفريقيا”.[24] وبالنظر إلى سجل الرئيس الأمريكي المزعوم من التصريحات المسيئة تجاه دول الجنوب العالمي، فإن النظر إلى أفريقيا بوصفها منطقة غنية بالموارد لاستخراج المواد الحيوية لا يثير مفاجأة.
وفي الشرق الأوسط، لا تحظى دول بعينها في شمال أفريقيا والمشرق باهتمام يُذكر، سوى باعتبارها ساحات استثمار واستمرارًا لمكافحة التطرف والإرهاب العنيف. وبعض هذه الدول يمتلك علاقات طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، ما يدفعها إلى البحث عن تحالفات بديلة تحقق منافع اقتصادية وأمنية متبادلة. ويمكن اتخاذ المملكة مثالًا على ذلك؛ فالأردن، تاريخيًا شريك أمني واقتصادي وثيق ومتلقٍ للمساعدات الأمريكية، سعى إلى الحفاظ على علاقات متينة مع الولايات المتحدة، مع إدراكه لواقعية تعميق علاقاته مع دول أخرى تتقاطع معه ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا. كما تشهد سوريا، إحدى أقرب دول الجوار، مرحلة انتقالية بعد سنوات من الحرب الأهلية، ما يعزز منطق بناء علاقة أمنية واقتصادية وثيقة ومتبادلة مع الأردن. وخلال العام الماضي، بذل جلالة الملك عبد الله الثاني جهودًا مكثفة لبناء والحفاظ على اتفاقيات تجارة مع دول أوروبية وآسيوية لدعم النمو الداخلي.[25] ويُلاحظ هذا التوجّه نحو “الموازنة المضادة” لدى دول أخرى أيضًا، حيث أبرمت دول مثل باكستان والسعودية اتفاقيات دفاع مشترك. وعلى مستوى المؤسسات متعددة الأطراف، شهدت منظمات وتكتلات جيوسياسية كبرى-مثل مجموعة بريكس ومنظمة التعاون الإسلامي-نشاطًا متزايدًا خلال العام والنصف الماضيين، إذ توسعت عضوية بريكس من خمس دول إلى عشر، مع تنافس عدد من الاقتصادات الصاعدة الأخرى على الانضمام.
إعادة تموضع إدارة ترامب: هل ستنجح في تغيير النظام العالمي؟
ربما يسهم هدف الرئيس ترامب المتمثل في الانتقال من نظام دولي أحادي القطبية إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب في الحد من الفجوات الاقتصادية بين الدول “المتقدمة” و”النامية”. كما أن موقف إدارته من تقاسم الأعباء، ورفضها السماح للصين بتكريس هيمنة غير متوازنة، يعكسان طموحًا واضحًا لإعادة تشكيل قواعد التفاعل الدولي. غير أن ما “تريده” إدارة ترامب-كما يَرِد صراحة وبكثافة في استراتيجية الأمن القومي-يتجاوز مجرد إعادة التموضع؛ إذ إن تبنّي سياسة “أمريكا أولًا” يفترض توافق أغلبية المواطنين الأمريكيين مع خارطة الطريق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تطرحها الإدارة. ومع ذلك، فإن النبرة العامة للاستراتيجية تشير باستمرار إلى تقديم الرئيس ترامب بوصفه الحامي الأوحد للمصالح الأمريكية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تآكل المعايير الديمقراطية التي حكمت هذه الدولة القوية على مدى قرون.
وتُطلق الاستراتيجية على ترامب وصف “رئيس السلام”، غير أن أدواته تستند إلى الانقسام داخليًا وخارجيًا، في وقت تتراجع فيه تدريجيًا مصداقية الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة على النظام الدولي. إن الدعم غير المشروط لإسرائيل وما رافقه من حرب إبادة في غزة (التي بدأت في عهد الإدارة السابقة)، واستمرار الخطاب الانقسامي، والتنصل من بعض أكثر الشركاء الأمريكيين استقرارًا، إلى جانب فرض تعريفات جمركية واسعة على عدد من أقرب الشركاء التجاريين-كل ذلك أسهم في زعزعة النظام الدولي ودفع دولًا أخرى إلى البحث عن تحالفات استراتيجية بديلة تدعم تنميتها الداخلية عبر اتفاقيات تجارية وترتيبات أمنية جديدة. ومع تقدّم إدارة ترامب في تنفيذ توجهاتها، يصبح من الضروري إيلاء اهتمام خاص للتحولات في طبيعة علاقات الدول، سواء كانت الولايات المتحدة طرفًا فيها أم لا. ومع ذلك، يبقى الحكم النهائي رهين الزمن وحده: هل سيقود الانكفاء عن العلاقات العالمية إلى تمكين الولايات المتحدة من تحقيق هدفها المعلن بأن تصبح “موطن الحرية على وجه الأرض”؟
[1] Trump Administration (2025). National Security Strategy 2025. Pg. ii. 2025-National-Security-Strategy.pdf
[2] Savin, N. & Treisman, D. (2024). Donald trump’s words. National Bureau of Economic Research. https://www.nber.org/system/files/working_papers/w32665/w32665.pdf
[3] Trump Administration (2025). National Security Strategy 2025. Pg. 9.
[4] Ibid. pg. 9
[5] Ibid. pg. 13
[6] Ibid. pg. 9
[7] Ibid. pg. 5, 11, 16,
[8] Ibid. pg. 11
[9] Biden-Harris Administration (2022). National security strategy October 2022. Pg. 38. Biden-Harris Administration’s National Security Strategy.pdf.
[10] Ibid. Pg. 39
[11] Trump Administration (2025). National Security Strategy 2025. Pg. 12.
[12] Ibid
[13] Ibid. Pg. 20.
[14] Ibid. Pg. 28.
[15] Ibid.
[16] Ibid. Pg. 8.
[17] Ibid. Pg. 9
[18] Ibid. Pg. 9
[19] Ibid.
[20] Brookings Institute. Breaking down trump’s 2025 national security strategy. Breaking down Trump’s 2025 National Security Strategy | Brookings
[21] Talmadge, C. (December, 2025). Breaking down trump’s 2025 national security strategy. Breaking down Trump’s 2025 National Security Strategy | Brookings
[22] Felbab-Brown, V. (December, 2025). Breaking down trump’s 2025 national security strategy
[23] Felbab-Brown, V. (December, 2025). Breaking down trump’s 2025 national security strategy
[24] Ibid. Pg. 29.
[25] The Royal Hashemite Court. (2022). King departs for Tokyo as part of Asian working tour [Press release]. https://kingabdullah.jo/en/news/king-departs-for-tokyo-aspart-of-asian-working-tour-1; King departs for Italy at start of working visit to Europe [Press release]. https://kingabdullah.jo/en/news/king-departs-for-italy-at-start-of-working-visit-to-europe-1



