إعتراف إسرائيل بأرض الصومال: تحوّل جيوسياسي يتجاوز القرن الإفريقي

  • الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يُقرأ كخطوة دبلوماسية معزولة، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر في ظل هشاشة النظام الإقليمي.
  • ورغم أن الاعتراف لا يغيّر الوضع القانوني لأرض الصومال، فإنه يُحدث تحوّلًا سياسيًا رمزيًا ينقل القضية من هامش التهميش إلى صدارة الجدل الإقليمي والدولي.
  • تسعى إسرائيل من خلال هذه الخطوة إلى تأمين موطئ قدم جيواستراتيجي قرب باب المندب، بما يعزز قدرتها على مراقبة التهديدات البحرية وموازنة نفوذ خصومها الإقليميين، ولا سيما إيران وتركيا.
  • تلعب الإمارات دورًا محوريًا في هذا السياق، بوصفها فاعلًا عمليًا يربط بين الأمن والاستثمار، إذ وفّرت عبر حضورها المتراكم في موانئ أرض الصومال، ولا سيما ميناء بربرة، البنية اللوجستية والسياسية التي تسمح بتقاطع المصالح الإسرائيلية مع ترتيبات إقليمية أوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، دون الانخراط المباشر في صدامات سيادية مفتوحة.
  • تكشف هذه الخطوة أن القرن الإفريقي لم يعد ساحة هامشية، بل أصبح امتدادًا مباشرًا لصراعات الشرق الأوسط، حيث تتداخل الجيوبوليتيكا مع الاقتصاد السياسي وإدارة الممرات البحرية الحيوية.
  • يشهد الموقف الأمريكي من قضية أرض الصومال انقسامًا مؤسسيًا داخل دوائر صنع القرار، حيث يتقاطع تيار براغماتي أمني يرى في الإقليم فرصة جيوسياسية لمواجهة النفوذ الصيني وتأمين البحر الأحمر، مع تيار قانوني-سياسي أكثر تحفظًا يحذّر من تداعيات كسر مبدأ وحدة الدول وإرساء سابقة انفصالية في إفريقيا.

يُشكّل إعلان إسرائيل الاعتراف بـأرض الصومال[1] خطوة لافتة في توقيتها ودلالاتها، تتجاوز إطار العلاقات الثنائية المحدودة، لتلامس تحولات أوسع في بنية الصراع الإقليمي، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فهذا الاعتراف لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً دبلوماسيًا معزولًا، بل يأتي في سياق استراتيجي أوسع تسعى فيه إسرائيل إلى توسيع هامش حضورها الجيوسياسي خارج محيطها ، مستفيدة من هشاشة النظام الإقليمي في القرن الإفريقي، وتراجع قدرة الدول المركزية على ضبط أطرافها  بسبب سيطرة بعض الحركات الراديكالية ” المسلحة” عليها.

ولفهم ما يجري لابد من الإشارة بدايةً إلى أن “أرض الصومال” هي إقليم يقع في شمال الصومال، أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991 عقب انهيار الدولة الصومالية المركزية[2]. ومنذ ذلك الوقت، يتمتع الإقليم بإدارة ذاتية ومؤسسات محلية مستقرة نسبيًا مقارنة ببقية مناطق الصومال، إلا أنه لم يحظَ باعتراف دولي، وبقي يُنظر إليه قانونيًا كجزء من الدولة الصومالية. وبناءً عليه، فإن الاعتراف الإسرائيلي لا يغيّر الوضع القانوني للإقليم، لكنه يشكل تحولًا سياسيًا رمزيًا قد يؤثر في مسار التعامل الدولي مع هذا الملف، ويطرح هذا الاعتراف تساؤلات حول دوافعه وتوقيته، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة في البحر الأحمر. فمن الناحية الجغرافية، تطل “أرض الصومال” على خليج عدن، وتقع بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. ومع تصاعد التهديدات التي طالت الملاحة الدولية في الفترة الأخيرة، بات هذا الممر جزءًا من حسابات الأمن القومي لعدد متزايد من الدول، ما يفسر الاهتمام المتنامي بمحيطه الجغرافي.

في هذا السياق، يمكن فهم الخطوة الإسرائيلية على أنها جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الأمن والوجود في البحر الأحمر، وهو ما أكده مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حين أوضح أن هذا الاعتراف يأتي في إطار روح اتفاقيات “أبراهام، ويعكس رغبة إسرائيل في توسيع حضورها الجيوسياسي وتأمين خطوط التجارة والطاقة في البحر الأحمر والقرن ،. كما يتقاطع هذا التحرك مع الاستراتيجية الأميركية في البحر الأحمر، حيث تسعى واشنطن لتعزيز الاستقرار ومنع النفوذ الصيني من الهيمنة على الممرات البحرية الحيوية، خصوصًا مع توسع بكين في الموانئ والمشاريع اللوجستية شرق إفريقيا، مما يجعل الاعتراف الإسرائيلي جزءًا من شبكة تحالف غربي اسرائيلي موازية لتقليل النفوذ الصيني.

إلى جانب الأبعاد السياسية والقانونية للاعتراف ، تبرز زاوية أخرى لا تقل أهمية، تتصل بالبنية الأمنية الهشّة في الصومال، وباستمرار حضور الحركات المسلحة وفي مقدمتها “حركة الشباب”، فمنذ انهيار الدولة المركزية عام 1991، لم تنجح الحكومات الصومالية المتعاقبة في بسط سيطرة كاملة على أراضيها أو احتواء الصراعات المرتبطة بتقاسم السلطة والموارد، ما أتاح لهذه الجماعات هامشًا واسعًا للحركة والتكيّف مع التحولات السياسية[3]. وقد تستثمر بعض الجماعات المسلحة مثل هذه التطورات في خطابها السياسي والإعلامي، عبر تقديمها بوصفها مؤشرات على تدخلات خارجية أو مساس بوحدة البلاد، الأمر الذي قد يسهم في تعزيز قدرتها على الحشد والتجنيد.

إسرائيل تعيد رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر

 لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال عن الأبعاد الإقليمية الأوسع، خصوصًا في سياق الحرب  الاسرائيلية على قطاع غزة [4]، يمكن مقاربة فعالية هذا الخيار بوصفه أداة ضغط غير مباشرة محدودة التأثير أكثر منه مسارًا عمليًا قابلاً للتنفيذ. فالاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يوسّع هامش الحركة السياسية لإسرائيل على مستوى الخطاب والمناورة الإقليمية، لكنه يصطدم بحدود واضحة على مستوى التطبيق، في ظل الرفض الصومالي الرسمي القاطع لأي ربط بين الإقليم وملف الفلسطينيين أو توظيف أراضيه في ترتيبات سياسية مرتبطة بالحرب على غزة، حيث أكد وزير الخارجية الصومالي أحمد معلم فقي على أن مقديشو لن تسمح بأي مبادرة قد تقوض حق الشعب الفلسطيني في العيش على أرضه، مشيرًا إلى أن الحكومة لم تتلق أي مقترح من هذا النوع، وأن استخدام الأراضي الصومالية لإعادة توطين أي سكان آخرين غير مقبول على الإطلاق[5] هذا التباين بين الطموح الرمزي والقيود الواقعية يجعل من الخطوة ذات فاعلية نسبية في إنتاج رسائل سياسية وإعادة خلط الأوراق الدبلوماسية، دون أن تترجم إلى قدرة حقيقية على فرض وقائع جديدة أو إحداث اختراق ملموس في مسار الصراع أو خيارات الحل، ما يبقيها في إطار المناورة السياسية أكثر من كونها حلاً قابلاً للبناء عليه عمليًا.

  ومن منظور جيوسياسي، يسعى هذا الاعتراف إلى إعادة موازنة القوى في المنطقة، لا سيما في مواجهة نفوذ تركيا وقطر وإيران. تركيا، على سبيل المثال، تعتبر الصومال قاعدة لتعزيز حضورها في البحر الأحمر وتوسيع نفوذها في شرق أفريقيا، بما في ذلك استثماراتها العسكرية والمدنية، بينما إيران تسعى إلى توسيع نفوذها عبر وكلائها، مثل الحوثيين في اليمن. وجود إسرائيل في أرض الصومال يمكن أن يُستغل كأداة لتقييد التفرد التركي وإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، مع توفير مجال للتنسيق مع الإمارات ودول غربية تسعى لتحقيق الاستقرار وتعظيم مصالحها الاقتصادية.

في ضوء التحركات الإقليمية في السنوات الاخيرة ، يكتسب الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود المنطقة مباشرة. إذ يفتح هذا الاعتراف نافذة لإسرائيل لتأمين مواقع نفوذ بحرية ولوجستية حيوية، مشابهاً لما سعت إليه إثيوبيا سابقًا عبر ميناء بربرة لضمان منفذ بحري لدولة حبيسة. هذه الخطوة لا تهدف فقط لتعزيز الحضور العسكري والأمني، بل تشكل أداة ضمن استراتيجية اقتصادية وسياسية طويلة الأمد، حيث يمكن لإسرائيل استثمار الموارد الطبيعية غير المستغلة، الموانئ الاستراتيجية، وشبكات النقل البحري لضمان نفوذ اقتصادي وتجاري مستدام في البحر الأحمر وخليج عدن. علاوة على ذلك، يأتي هذا الاعتراف في سياق مواجهة النفوذ التركي القطري الإيراني، وإتاحة فرص للتنسيق مع الفاعلين الخليجيين، مثل الإمارات، لتعظيم المكاسب الاستراتيجية، وتشكيل شبكة تحالفات إقليمية توازن القوى وتحد من التفرد الإقليمي للخصوم. بذلك قد  يتحول الاعتراف الإسرائيلي من إجراء رمزي إلى خطوة تعكس فهمًا دقيقًا للتشابك بين الجيوبوليتكس والاقتصاد السياسي في القرن الإفريقي.

الدوافع الإسرائيلية وراء القرار

من منظور صانع القرار في إسرائيل، لا يُقرأ الاعتراف بأرض الصومال بوصفه “إيماءة دبلوماسية” معزولة، بل باعتباره خطوة محسوبة تتداخل فيها اعتبارات أمنية واستراتيجية واقتصادية، وتستند إلى تصورٍ يرى في القرن الأفريقي امتدادًا مباشرًا لمعادلات الأمن القومي الإسرائيلي المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن.

  • موقع جيواستراتيجي شديد الحساسية عند باب المندب: تحتل أرض الصومال موقعًا فريدًا عند مدخل باب المندب، على تماسٍ ملاحي بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبقربٍ نسبي من السواحل اليمنية. هذا الممر يُعد شريانًا للتجارة العالمية وأمن الإمداد نحو قناة السويس، كما بات ساحة تنافس محمومة بين قوى إقليمية ودولية. من هذا المنطلق، ترى إسرائيل أن امتلاك شريك متعاون في هذا الموضع قد يمنحها تفوقًا عملياتيًا ومعلوماتيًا، لا سيما في ظل تصاعد تهديدات الحوثيين المدعومين من إيران. فخلال السنوات الأخيرة شهد المسرح البحري هجمات على سفن واعتراض طائرات مسيرة وصواريخ، وردودًا إسرائيلية عبر ضربات جوية في مواقع مختلفة. ورغم تراجع حدّة الاشتباك في بعض الفترات، يبقى “لخطر القابل للعودة” قائمًا، مع تطور قدرات الحوثيين في المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى. في هذا السياق، تُستعاد أرض الصومال كمنصة متقدمة محتملة للمراقبة، وجمع المعلومات، وتسهيل التحرك اللوجستي والاستخباري، بما يعزز قدرة الردع مقارنة بالاعتماد الحصري على قواعد بعيدة أو ترتيبات غير مباشرة.
  • تأمين الملاحة وخطوط التجارة والطاقة في البحر الأحمر: تتعامل إسرائيل مع البحر الأحمر بوصفه فضاءً حرجًا لأمنها الاقتصادي والتجاري. فكل اضطراب في هذا الممر يترك أثرًا مباشرًا على حركة الواردات وعلى كلفة التأمين والشحن، فضلًا عن أثره العالمي. ومن ثم، فإن وجود شريك “موثوق” يتيح مراقبة أنشطة القرصنة والتهريب والتحركات المعاديةسواء  كانت مرتبطة بإيران ووكلائها أو بتهديدات غير دولاتية يمثل مكسبًا استراتيجيًا. كما أن الوصول إلى موانئ ذات قيمة مثل ميناء بربرة يمنح إسرائيل خيارًا إضافيًا للحركة والتنسيق البحري قرب مضيق باب المندب، بما يوسّع من هامش المناورة ويقلل من الاعتماد على ترتيبات أحادية المسار.
  • موازنة نفوذ الخصوم الإقليميين وإعادة ترتيب المنافسة في القرن الأفريقي: تعي إسرائيل أن القرن الأفريقي بات ساحة نفوذ متداخلة، وأن تركيا وقطر ومعهما إيران بأشكال مختلفة نجحوا في ترسيخ حضور مؤثر في الصومال ومحيطه. وتقرأ تل أبيب الاعتراف بأرض الصومال بوصفه أداة لإحداث تعديل توازن  في هذه الساحة: كسر احتكار نفوذ قائم، وفتح نافذة لتنسيق غير مباشر مع قوى قلقة من تمدد أنقرة، وفي مقدمتها الإمارات، وربما أطراف غربية ومصرية بدرجات متفاوتة. كذلك، يُطرح الاعتراف كجزء من مقاربة تقليدية في الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على بناء نقاط ارتكاز قرب مسارح نفوذ إيران ووكلائها، على نحو يشبه من حيث الوظيفة لا التطابق نماذج شراكات سابقة أتاحت لإسرائيل مراقبة تحركات خصومها في محيطات جغرافية حساسة.
  • مكاسب اقتصادية واستثمارية بعيدة المدى: إلى جانب الحسابات الأمنية، يبرز عامل الاقتصاد كعنصر داعم للقرار. فأرض الصومال تُقدَّم في بعض القراءات كسوق “بكر” نسبيًا، تمتلك إمكانات موارد طبيعية واعدة، إلى جانب مشاريع قائمة في الموانئ والاتصالات وبعض الأنشطة الصناعية. ويُنظر إلى تطوير ميناء بربرة، وإلى تأهيل البنية التحتية المرتبطة به، كأصل استراتيجي يمكن أن يتحول إلى مركز لوجستي إقليمي منافس، خاصة إذا ارتبط بممرات إثيوبية نحو البحر. وفي هذه النقطة تلتقي المصالح الاقتصادية بالاعتبارات الاستراتيجية: نفوذ تجاري، وممرات إمداد، وفرص استثمار قد تعزز حضور إسرائيل في شرق أفريقيا.

وتبعًا لذلك، يمكن القول إن القيادة الإسرائيلية وازنت بين العوائد والمخاطر:

 فمن جهة، هناك مكاسب أمنية/لوجستية/اقتصادية، ومن جهة أخرى توجد حساسية عربية وأفريقية وإسلامية وتخوف من العزلة الدبلوماسية. إلا أن التحولات الإقليمية خاصة ما يتعلق بتهديدات البحر الأحمر وتداخل محاور المنطقة خلقت “نافذة فرصة” دفعت إسرائيل لتقديم المكاسب المتوقعة على كلفة الاعتراضات. كما أن الإشارات إلى دور مؤسسات أمنية إسرائيلية في تهيئة هذا المسار توحي بأن القرار لم يكن ارتجاليًا، بل ثمرة ترتيبات خلفية وتقديرات مسبقة لمسارات الاحتواء الممكنة.

من ناحية أخرى، تعاملت أرض الصومال مع الاعتراف الإسرائيلي بوصفه اختراقًا سياسيًا نوعيًا في مسار طويل لكسر العزلة الدولية وتعزيز شرعيتها، وسارعت إلى توظيفه داخليًا وخارجيًا باعتباره سابقة قابلة للبناء عليها دبلوماسيًا. ركّزت هرجيسا على تحويل الاعتراف من خطوة منفردة إلى مدخل لاتجاه دولي أوسع، ولا سيما عبر استهداف الولايات المتحدة بوصفها الفاعل الحاسم القادر على فتح الباب أمام اعترافات غربية لاحقة،[6] مقدّمة نفسها كشريك مستقر أمنيًا وسياسيًا في بيئة إقليمية مضطربة. وفي الوقت نفسه، حرصت على تبني خطاب متوازن يجنّبها الظهور كطرف تصعيدي أو كأداة في صراعات المحاور، مؤكدة أن الاعتراف لا يستهدف مقديشو ولا يهدد الاستقرار الإقليمي. وعلى هذا الأساس، تتجه دبلوماسية هرجيسا إلى ترجمة الاعتراف إلى تعاون عملي تدريجي ومحسوب، يراعي الحساسية الإقليمية ويهدف إلى تعظيم المكاسب السياسية والأمنية والاقتصادية دون الانزلاق إلى مواجهات مكلفة.

يمكن تلخيص ردود الفعل الإقليمية والدولية على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في أنها اتسمت بغلبة الرفض والتحفظ، انطلاقًا من التمسك بمبدأ وحدة الصومال والخشية من إرساء سابقة انفصالية في أفريقيا، إضافة إلى حساسيات سياسية مرتبطة بإسرائيل نفسها. فقد قوبل القرار برفض صريح من الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وتشدد واضح من الاتحاد الأفريقي والدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي دفاعًا عن سيادة الدول والحدود الموروثة. كما عارضته تركيا بوصفه تهديدًا مباشرًا لنفوذها في الصومال، بينما تبنّت إثيوبيا موقفًا حذرًا ومتوازنًا يعكس حسابات منفذها البحري وضغوط الإجماع الأفريقي. في المقابل، حافظت الولايات المتحدة على موقفها الرسمي الداعم ل الصومال الواحد مع بروز نقاش داخلي متزايد حول جدوى صوماليلاند كشريك استراتيجي، فيما راقبت قوى دولية أخرى كروسيا والصين التطور بحذر، كل وفق حساباته الخاصة. وبذلك، ورغم محدودية التأييد، نجح الاعتراف في نقل قضية صوماليلاند من هامش التهميش إلى صدارة الجدل الدولي.

وفي الخاتمة، يبرز الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كجزء من مقاربة استراتيجية أوسع تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية مع أدوار فاعلين خليجيين، وفي مقدمتهم دولة الإمارات، بما يحوّل الخطوة من فعل دبلوماسي منفرد إلى عنصر ضمن شبكة نفوذ إقليمي متكاملة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالحضور الإماراتي المتراكم في موانئ الإقليم، ولا سيما في بربرة، والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات اللوجستية، يوفر إطارًا عمليًا يمكن لإسرائيل أن تتحرك داخله دون الاضطرار إلى بناء نفوذها من نقطة الصفر. ومن خلال هذا التداخل، تتشكل معادلة ثلاثية غير معلنة تقوم على تقاسم أدوار: نفوذ اقتصادي ولوجستي إماراتي، حضور أمني واستخباري وتقني إسرائيلي، وغطاء سياسي محلي توفره أرض الصومال، بما يسمح بإدارة ملفات الأمن البحري، وتأمين الملاحة، ومراقبة التهديدات الإقليمية ضمن مقاربة منسقة وطويلة الأمد.

من هذه الزاوية، لا يُفهم الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بوصفه خطوة رمزية أو معزولة، بل كجزء من إعادة ترتيب أعمق للخرائط الجيوسياسية والاقتصادية في الإقليم، تُسهم فيها الإمارات بدور محوري يربط بين الأمن والاستثمار والنفوذ البحري. ويمنح هذا الترتيب إسرائيل فرصة لترسيخ حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وموازنة نفوذ خصومها الإقليميين، وبناء شبكة تحالفات مرنة متعددة المستويات، بما يهيئها للانتقال من سياسة رد الفعل إلى موقع الفاعل المؤثر في تشكيل التوازنات الجديدة في واحدة من أكثر الساحات حساسية في النظام الدولي المعاصر.

في المحصلة النهائية، تكشف التطورات المرتبطة بالاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال عن أن القرن الأفريقي لم يعد ساحة هامشية في معادلات الصراع الإقليمي، بل بات جزءًا عضويًا من منظومة نزاعات أوسع تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي. فالتشابك المتزايد بين الموانئ، والممرات البحرية، والتحالفات الأمنية، والاستثمارات الاستراتيجية يعكس انتقال الصراعات من أنماطها التقليدية المباشرة إلى صيغ أكثر تعقيدًا تقوم على إعادة توزيع النفوذ، وتكثيف الحضور غير المباشر، وتوظيف الأدوات الاقتصادية واللوجستية كوسائل صراع بقدر ما هي أدوات تعاون. وفي هذا السياق، تتداخل صراعات الشرق الأوسط مع تنافسات القرن الأفريقي، حيث تسعى قوى إقليمية مختلفة إلى تثبيت مواقع متقدمة لها خارج حدودها الجغرافية التقليدية، إدراكًا منها بأن السيطرة على عقد الملاحة وسلاسل الإمداد باتت عنصرًا حاسمًا في موازين القوة الحديثة.

كما تعكس هذه التحولات انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب الإقليمي المرن، الذي لا يقوم على محاور صلبة بقدر ما يقوم على شبكات مصالح متغيرة، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية والسياسية. فالدول لم تعد تصطف وفق خطوط أيديولوجية واضحة، بل وفق مصالح مرتبطة بالأمن البحري، والطاقة، والتجارة، ومنع الخصوم من احتكار نقاط النفوذ الاستراتيجية. ويؤدي هذا النمط إلى تآكل الحدود بين الساحات المختلفة للصراع، بحيث يصبح ما يجري في القرن الأفريقي مؤثرًا مباشرة في توازنات الخليج وشرق المتوسط، والعكس صحيح.

وعليه، فإن الصراعات الإقليمية في مرحلتها الراهنة تتجه نحو مزيد من التمدد الجغرافي والتعقيد البنيوي، حيث تتراجع احتمالات الحسم السريع لصالح إدارة طويلة الأمد للصراع، تقوم على الاحتواء والموازنة وتجنب الانفجار الشامل. وفي ظل هذا الواقع، ستظل مناطق مثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي مسارح مفتوحة لإعادة اختبار القوة والنفوذ، لا بوصفها ساحات مواجهة نهائية، بل كفضاءات لإعادة هندسة النظام الإقليمي، بما يحمله ذلك من فرص لإعادة الاستقرار النسبي، أو مخاطر لانزلاق المنطقة إلى جولات جديدة من التنافس والصدام غير المباشر.


[1] رويترز، “إسرائيل تصبح أول دولة تعترف رسميًا بصوماليلاند كدولة مستقلة”، رويترز، 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، شوهد27 ديسمبر/ كانون الأول 2025، انظر: https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-recognises-somaliland-somalias-breakway-region-independent-state-2025-12-26/?utm_source.

[2] الجزيرة نت، “أرض الصومال.. موقع إستراتيجي في القرن الأفريقي”، موسوعة الجزيرة نت، 21 مايو/أيار 2015، شوهد 27ديسمبر/2025، انظر:  https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2015/5/21/%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84

[3] معهد الأزمات الدولية، لماذا الصومال في مفترق طرق، International Crisis Group، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025، شوهد 27 ديسمبر/كانون الاول 2025، انظر:  https://www.crisisgroup.org/africa/somalia/why-somalia-crossroads. Crisis Group

[4] الجزيرة نت، “إعلام إسرائيلي: اتصالات مع عدة دول لمحاولة تهجير الفلسطينيين من غزة”، الجزيرة نت، 14 أغسطس/آب 2025، شوهد 27 ديسمبر/ كانون الاول2025، انظر: https://2u.pw/kTQ3Ru

[5] الجزيرة نت. السودان والصومال وأرض الصومال ترد على تسريبات حول استقبال الغزيين. الجزيرة نت، 14 مارس/آذار 2025. شوهد 27 ديسمبر/ كانون الاول 2025، انظر: https://2u.pw/nihASQ

[6]  يعكس التعاطي الأمريكي مع ملف أرض الصومال انقسامًا مؤسسيًا واضحًا داخل منظومة صنع القرار في الكونغرس الأمريكي، حيث يتقابل منطقان متمايزان: تيار براغماتي أمني، يبرز خصوصًا بين الجمهوريين وبعض الديمقراطيين المعنيين بالأمن القومي، يرى في أرض الصومال فرصة جيوسياسية مهملة في سياق التنافس مع الصين وتأمين البحر الأحمر، ويمنح الأولوية للاستقرار النسبي والموقع الاستراتيجي على حساب الاعتبارات القانونية التقليدية؛ في مقابل تيار أكثر تحفظًا، يتمركز داخل لجان الشؤون الخارجية، يركّز على مخاطر إرساء سابقة انفصالية في إفريقيا، وتقويض مبدأ وحدة الدول، وإضعاف الحكومة الفيدرالية الصومالية. هذا الانقسام لا يسمح بإنتاج موقف تشريعي حاسم، لكنه في الوقت ذاته كسر حالة التجاهل التاريخي، وفتح نقاشًا علنيًا غير مسبوق حول صوماليلاند داخل الدوائر السياسية الأمريكية.

ولا يمكن فصل هذا التردد الأمريكي عن سياق التنافس الأوسع مع الصين في إفريقيا، حيث باتت الموانئ، والبنى التحتية، وسلاسل الإمداد أدوات صراع جيوسياسي مباشر. فواشنطن تدرك أن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان عقدة استراتيجية مركزية، وأن أي فراغ سياسي أو أمني فيهما يُستثمر سريعًا من قبل بكين. ومع ذلك، تخشى الإدارة الأمريكية أن يؤدي الاعتراف الرسمي بأرض الصومال إلى نتائج عكسية، عبر صدام مع الإجماع الإفريقي، أو منح الصين فرصة لتقديم نفسها كمدافع عن وحدة الدول الإفريقية في مواجهة “التدخل الغربي”. من هنا، فإن أي مسار اعتراف دولي محتمل سيظل مرهونًا بحسم الولايات المتحدة لتوازنها الدقيق بين الجغرافيا السياسية ومتطلبات النظام الدولي، وهو ما يجعل الاعتراف الإسرائيلي خطوة رمزية مؤثرة، لكنها غير كافية بذاتها لإطلاق تحول دولي أوسع.

زر الذهاب إلى الأعلى