الحركة الإسلامية  داخل الصراع السوداني : إعادة هندسة النفوذ

الحركة الإسلامية  داخل الصراع السوداني : إعادة هندسة النفوذ

يشهد السودان منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع صراعاً معقّداً يتجاوز كونه نزاعاً عسكرياً مباشراً على السلطة، ليعكس أزمة بنيوية أعمق في طبيعة الدولة وتكوينها السياسي والمؤسساتي. ففي الوقت الذي تركز فيه غالبية التحليلات على طرفي الصراع بوصفهما الفاعلين الرئيسيين، تُغفل هذه القراءات في كثير من الأحيان دور الفاعلين غير الرسميين، وفي مقدمتهم الحركة الإسلامية السودانية، التي تمتلك إرثاً طويلاً في إعادة تشكيل بنية الدولة من الداخل. المعضلة الحقيقية أن غالبية المقاربات الدولية والإقليمية تركّز على الصراع السوداني بوصفه أزمة أمنية أو نزاع سلطة مباشر، بينما تغفل البنية العميقة للنفوذ السياسي–الأيديولوجي الذي ما زال يعمل داخل الدولة رغم سقوط نظام البشير.

تاريخياً، لم تكن الحركة الإسلامية السودانية مجرد تنظيم سياسي عابر، بل شكّلت على مدى أكثر من ثلاثة عقود شبكة أيديولوجية وسلطوية متداخلة داخل أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، مكّنتها من الاستمرار كفاعل مؤثر حتى في فترات تراجعها العلني عن السلطة. وقد اتسم سلوكها السياسي بقدر عالٍ من البراغماتية، والعمل من خلف الستار في سبيل تحقيق غاياتها السياسية وصولاً إلى أهدافها ؛ وهي مدركة تمامًا للظروف الدولية المحيطة بها، هو نمط سبق أن اعتمدته خلال انقلاب عام 1989، إذ بدا الانقلاب في أيامه الأولى وكأنه عسكرياً بل وسُجن قادة الحركة الإسلامية حينها ليبدو الأمر حقيقيًا، ثم أعادت إنتاجه في مراحل لاحقة. الحركة الإسلامية السودانية تعمل، في سياق الحرب الحالية، على إعادة تموضعها داخل الدولة عبر التأثير غير المباشر في المؤسسة العسكرية، مستفيدة من شبكاتها التاريخية وخطابها الأيديولوجي، بهدف منع أي تحول مدني قد يؤدي إلى تفكيك مشروعها التمكيني.

لفهم هذا الدور، لا بد من العودة إلى طبيعة نشأة الحركة الإسلامية ، إذّ تعود أصولها إلى عام 1949، باعتبارها تنظيمات إسلامية صغيرة، تضم طلبة من جامعة الخرطوم، جاءوا وفودًا من مصر، متأثرين بأفكار وأيديولوجية الإخوان المسلمين  هناك؛ بهدف مواجهة الهيمنة الشيوعية داخل المجتمع الطلابي في الجامعة، وسُميت الحركة ” حركة التحرر الإسلامي”، وتطورت الحركة لاحقاً  عام 1954 ، لتتبنى اسم “الإخوان المسلمين” بشكلٍ علنيَ .

وفي واقع الأمر، لم تقتصر الحركة الإسلامية على الجانب الدعوي والتربوي فحسب؛ بل امتدت لتشمل مشروع سياسي إسلامي قادر على الانخراط في الحياة السياسية، فالحركة لم تكن تنظيمًا جامدًا أو رتيبًا، بل منظومة متغيرة باستمرار، وهو ما مكّنها من مواصلة عملها السياسي رغم التضييق المستمر عليها، وهذا أيضًا ما ميّزها عن بقية الحركات الإسلامية في الدول الأخرى.

وتبلورت الحركة الإسلامية السودانية بعدة مسارات في تنظيمها لأحزاب مختلفة ، أسسها الدكتور حسن الترابي، رئيس الحركة الإسلامية السودانية، وشُكِّلت بدايةً في إطار جبهة الميثاق الإسلامية، و الجبهة الإسلامية القومية ، ثم المؤتمر الوطني والذي انشق عنه حسن الترابي، ليؤسس لاحقاً حزب المؤتمر الشعبي عام 1999 .

وسعت الحركة الإسلامية منذ السبعينيات للوصول إلى السلطة ، لكن رؤية الترابي للواقع العربي والدولي الرافض للحكم الإسلامي للسلطة ، وذلك بنماذج دول عربية عدة ، مكنه من التخطيط لسنوات عديدة ” لثورة الإنقاذ” عبر إنقلابٍ عسكريّ. وبالرغم من نجاح العلمية الانقلابية ، إلا أن الإنقسام داخل الحركة كان أسرع من تحقيق أهدافهم المرجوة ؛ فالترابي، الذي سعى إلى الانقلاب، كان يهدف لبناء دولة إسلامية حديثة وركز خلالها على التجديد الفكري والاقتصاد الحُر وتمكين المرأة في المجتمع بينما اتجه البشير الذي طغت عليه نزعة السلطة بحسب الترابي إلى الهيمنة الأمنية والعسكرية والتحول من دعوة إصلاحية إلى سلطة قمعية،  وخاض الحكم بالإستراتيجية ذاتها لمدة ثلاثين عاماً.

واليوم، ومع اشتداد الصراع داخل السودان،  تعود الحركة مجدداً إلى التكتيك ذاته، محاولةً الحفاظ على نفوذها داخل السلطة ودون أن تضع صورتها في الواجهة، وكأنها تعيد استحضار منهجها القديم، وبتأثير ممتد دون موقع رسمي.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الصراع السوداني الراهن لا يمكن فهمه بمعزل عن محاولات الحركة الإسلامية إعادة هندسة نفوذها داخل الدولة، عبر التأثير غير المباشر في المؤسسة العسكرية، وتوظيف البُنى الأيديولوجية والسلطوية التي راكمتها خلال عقود من مشروع “التمكين الإسلامي”. وعليه، تهدف الورقة إلى تحليل الكيفية التي أعادت بها الحركة الإسلامية تموضعها داخل الصراع الحالي، وتفكيك الأدوات التي تستخدمها للتأثير في مسار الحرب وصنع القرار، فضلاً عن استشراف انعكاسات هذا الدور على مستقبل الدولة السودانية وإمكانات الانتقال نحو نظام مدني.

لفهم سلوك الحركة الإسلامية كفاعل سياسي غير رسمي، ودورها في إعادة إنتاج أنماط السلطة داخل سياق صراع مسلح متحوّل تعتمد هذه الورقة مقاربة تحليلية تجمع بين البعدين الأيديولوجي والسلطوي البنيوي:.

  • البعد الأيديولوجي: فعند قراءة تاريخ تشكُل الحركة الإسلامية السودانية ، نجد أنها لا تطابق تماماً مع تصنيف الحركات الإسلامية الأخرى، إذّ بدأت الحركة كتنظيم إسلامي دعوي يجمع طلبة الجامعات والمثقفين ، ثم تطورت إلى تنظيم سياسي إسلامي، قبل أن تتحول لاحقاً إلى شبكة واسعة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والتنظيمية والعسكرية، فالحركة الإسلامية ترى نفسها مكملة للدولة الدينية، وأشار إليها المحبوب عبد السلام في كتابه “الحركة الإسلامية السودانية… دائرة الضوء خيوط الظلام… تأملات في العشرية الأولى لثورة الإنقاذ” إلى أن انقلاب البشير الي سُمّي بـ”ثورة الإنقاذ”، رافقته عبارة “أول حركة إسلامية تبلغ السلطة في العالم السنّي”، في مقاربة مع الثورة الإيرانية التي كانت قبلها بعشر سنوات مؤسسة لنظام الجمهورية بوصفها شيعية.  وفي هذه المقاربة، لا تتقاطع أهداف الحركة الإسلامية أو ما يُسمى “الؤتمر الوطني الإسلامي” في السودان والذي يسعى إلى تأمين مواقع متقدمة في السلطة بآليات شتى مهما كانت الظروف والصراعات لتحقيق هدفها الأسمى بالعودة إلى السيطرة، وكذلك إيران التي تسعى إلى التغلغل في الدول الإفريقية محاولةً إيجاد مناطق نفوذ لها لتصبح امتداداً جيوسياسيًا لطهران.

بالعودة إلى خطابات الرئيس السوداني السابق عمر البشير، نلاحظ بشكل واضح حين يتحدث عن الدولة السودانية بوصفها دولة إسلامية ، “هذه الدولة ملك للحركة الإسلامية” ، ” الإخوان المسلمون يتواجدون في كل مفاصل الدولة“، ” نحن حركة إسلامية كاملة الدسم” ، وغيرها من المفردات التي استخدمها البشير وأعضاء من الحركة الإسلامية في حكومة البشير، لإنتاج خطاب يربط بين شرعية السلطة والحاكمية الدينية ، وليعيد تشكيل العلاقات السياسية ضمن ثنائية مشروع التمكين الإسلامي ضد المعارضين له في السلطة ، ويُشكّل هذا الخطاب مفهومًا فوكويًا للخطاب بوصفه أداة للسيطرة وتنظيم المجتمع. وعليه، يمكن القول إن خطاب الحركة ورموزها يعكس تصورا أيديولوجيا للدولة يسعى إلى ترسيخ حضورها داخل المؤسسات، بما قد يمنحها قدرة تأثير في مسارات الصراع.

  • أما البعد الآخر يتمركز حول “السلطوية البنيوية” :  فإن الحركة الإسلامية اعتمدت إحكام القبضة على مفاصل الدولة  من خلال مشروع ” البنيان المرصوص” ، فعند وصولها إلى الحكم عام 1989، قامت الحكومة بإقالة آلاف  من المدنيين العاملين في القطاعات العامة ، ووصفت حينها ما عُرفت بسياسة ” الإصلاح العام”، وعين مكانهم عناصر موالية للحركة الإسلامية ، وأتاح هذا الإجراء السيطرة من القاعدة إلى أعلى مستوى في الدولة.
  • ومن منظور “ريتشارد سنايدر” أستاذ العلوم السياسية في جامعة براون، حول مجموعة من المتغيرات الرئيسية التي تؤثر في كل الأنظمة السياسية للدول ومنها : شبكة الرئيس ومؤسسات الدولة وإلخ…، والحركة الإسلامية في السودان استطاعت خلال ثلاثة عقود تغيير تركيبة بنية مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية ، وشبكات رجال الأعمال، والمنظمات الخيرية ، والمؤسسات والأمنية والعسكرية، خاصة تكوين جهاز الأمن والمخابرات وفق أيديولوجية محددة ويعزز قدرة النظام على إدارة تهديد الانقلابات عبر إعادة تصميم الأجهزة الأمنية والعسكرية، و لضمان السيطرة على مفاصل الدولة .  في حين نرى في دولة مصر بنظامها البيروقراطي ، نجاح ثورة 25 يناير على إجهاض تجربة إخوان المسلمين في السلطة ، باعتبار أنَّ الجهة المسؤولة هي المؤسسة العسكرية، بينما الإخوان المسلمين في السودان هم المسيطرون داخل المؤسسة العسكرية، ويعد جزءًا من نفوذ الحركة عبر عقود.

يمكن الاستدلال من بعض المؤشرات على أن الإسلاميين ما زالوا جزءا من البيئة السياسية-المؤسساتية المحيطة بعملية اتخاذ القرار وعلى قرارات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان؛ رغم فقدان الحركة لمواقعهم الرسمية بعد سقوط نظام البشير عام 2019، إلا أنها أعادت ترتيب وجودها عبر شبكات الإدارة والكوادر العسكرية، وهذا الامتداد يجعلها جزءًا من البيئة التي تُتخذ فيها القرارات.

وتُظهر بعض التطورات -مثل إعادة تعيين شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي- إمكانية اتساع حضورهم داخل أجهزة الحكم، أولاً ، أعادَ البرهان عدد من الإسلاميين إلى السلطة من مثل وزير العدل ” عبد الله محمد الدرف” ، وهو ناشط في حزب المؤتمر الوطني الإسلامي ، وشغل مناصب عدة في حكومة البشير سابقاً ، وثانياً ، البرهان أعادَ جميع الموظفين للمحكمة الدستورية ، والذين فصلوا خلال الحكومة الإنتقالية في عهد ” عبد الله حمدوك” ، وألغيت العقوبات عنهم، إضافة إلى رفض البرهان تسليم المطلوبين من الإسلاميين للجنائية الدولية وعلى رأسهم الرئيس عمر البشير ، واخيراً ، فإن تصريحات ” عبد الحي يوسف” ، يعلن فيها بشكل واضح سيطرة الحركة الإسلامية على قرارات البرهان ، ” وأن هذه الحرب ساقها الله ليعيد للحركة الإسلامية ألقها وقوتها” ، وفسّر العديد من المحللين السودانيين، إلى جانب أعضاء في أحزاب سودانية، تصريحات عبد الحي يوسف بوصفها مؤشّرًا خطابيًا على وجود تيارات إسلامية ترى في الحرب فرصة لإعادة إنتاج حضورها السياسي، ودعت هذه القراءات القوى المدنية إلى بناء جبهة سياسية أو تحالف مدني يحدّ من عودة نفوذ الإسلاميين في مسار الصراع، ويحول دون تنفيذ ما تصفه تلك القوى بـ مخطط الحركة الإسلامية .

وفي الوقت الذي وافق فيه البرهان على مخرجات اللجنة في قمة جيبوتي من أجل وقف الحرب والسماح بعملية سياسية لإعادة البناء، رفضت الخارجية السودانية هذه المخرجات بشكل علني وصريح، واليوم من جديد رفضَ البرهان المقترح الأخير حول الهدنة لمدة ثلاثة أشهر بينما نجد موافقة ميليشيات الدعم السريع عليها، وهو ما يوحي- وفق هذا التسلسل من المواقف -بوجود تأثير غير مباشر لشبكات قريبة من الحركة الإسلامية على هوامش قرار المؤسسة العسكرية.

وفي هذا المشهد، تواجه الحركة الإسلامية تحديات تنظيمية وتباينات داخلية في إعادة بناء ذاتها كقوة سياسية فاعلة، فالانقسامات بداخلها توزعت بين تيارين، التيار الأول مركزه في تركيا ويضم ( عمر البشير، أحمد هارون، ومجموعة علي كرتي)، بينما التيار الثاني مرتكز في السودان ويرأسه ( محمد عطا)، وبالرغم من اتفاقهم على الهدف الأساسي من الحرب، لكن اختلافهم بالإجراءات التكتيكية ، والصراع الداخلي أحدث شرخ يؤثر في كل عمليات صنع القرار وبالتالي، إما أنّ سيؤدي إلى تفتيت الحركة كلياً، أو تزيد الانقسامات بداخل السودان أكثر مما هي عليه، كما أنها أصبحت تعتمد على قواتها الأمنية ( المصنفين في الولايات المتحدة ضمن قوائم العقوبات) ،أكثر من الشخصيات السياسية ، فالحركة ما زالت تحكمها الفجوة بين النظرية والتطبيق ؛ افتقار كوادر الحركة للخبرة السياسية العملية رغم القوة العسكرية والدينية، أدى إلى ارتباك في إدارة مؤسسات الدولة.

 الصراع السوداني ليس فقط معركة سلاح، بل معركة على طبيعة الدولة. وما لم يُفهم دور الحركة الإسلامية كفاعل غير رسمي يعمل داخل بنية القرار، فإن أي مسار سياسي سيظل هشّاً وقابلاً للانهيار.

الخلاصة

يمر السودان اليوم منعطف خطير ، إذ أن محاولات إعادة تدوير الحركة الإسلامية  تحت رعاية الجيش السوداني ، بات يهدد أمل بناء دولة مدنية حديثة بالانهيار ، فالحركة خلال الثلاثين عاماً، لم تنجح في الحفاظ على تماسك الدولة ، بل ازدادت الانقسامات والصراعات داخلها ، إضافة إلى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، فالنهج الذي اتبعته الحركة للوصول إلى السلطة ليس مشكلة ، وإنما بالتعامل مع أداة الدولة ، فهي ما زالت حبيسة الخطابات الأيديولوجية والهيمنة العسكرية والأمنية ، دون امتلاكها للخبرة السياسية والعمل الدبلوماسي ، ولا شك أن استمرار البرهان في مناورات أمام المجتمع الدولي عبر تحالفاته مع الحركة ، سيضع البلاد أمام المزيد من الحصار والعقوبات السياسية والإنهيار الداخلي ، ما قد يعيد إنتاج بعض سمات نموذج الحكم السابق (العسكرة، الأمننة، الإقصاء السياسي) وما ترتب عليه من كلفة اقتصادية/اجتماعية..

لذلك فإن الحركة الإسلامية  ترى من الهدنة اليوم ، فرصة سانحة للرباعية الدولية ( الولايات المتحدة الأمريكية، ومصر، والسعودية، والإمارات)  ، بإقصاء الجيش السوداني من السلطة، وبذلك سينتهي مشروع التمكين الإسلامي بشكل كامل، مما يشكل تهديدًا واضحًا لمكانة الإسلاميين والتي عملت عليه لعقود طويلة،  وهي ترى من الصراع الحالي نفعًا لها، يُمكنّها من إعادة تموضعها وإنتاج نفسها في السلطة من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى