الهوية والسلطة في إيران: كيف تُشكّل التنوعات العرقية والدينية علاقة الدولة بالمجتمع

يُصوّر الخطاب الغربي اليوم إيرانَ بوصفها دولة جامدة موحّدة، وغالبا ما يساوي بين شعبها ونظامها المتشدّد. غير أنّ خلف هذا التصوّر المضلِّل مجتمعا متعدّدا يقوم على تنوّع عرقي وتراكمات هويّاتيّة، وعلى وعي وطنيّ تشكّل عبر الثقافة والتاريخ أكثر مما تشكّل عبر السياسة وحدها. إنّها فسيفساء حيّة تتجاور فيها الفروق وتتكامل، لتقدّم صورة مختلفة تماما عن الكتلة الصمّاء التي تُرى من الخارج؛ فمجرّد إطلالة نحو الداخل يكشف مجتمعا نابضا يرتبط أفراده بهويّة وطنية صامدة رغم كل الاختلافات.

وسكان إيران بعيدون تماما عن التجانس. فالأكراد، واللوريّون شبه الرحّل في الجبال الغربية، والمجتمعات الأذربيجانية الزراعية في الشمال الغربي ليسوا سوى جزء من هذه اللوحة الواسعة. وحتى من يُشار إليهم عادة بـ”الفرس” ينحدرون في الواقع من أصول وخلفيّات مختلطة. هذا التنوّع يُعزّز القناعة بأن المجتمع الإيراني لا يمكن اختزاله في جوهر عرقي أو ثقافي واحد. كما يعكس التنوع اللغوي هذا التعقيد العرقي؛ فالفارسية (الفارسية/دري) هي اللغة الرسمية والمهيمنة، لكن شرائح واسعة من السكان تتحدث الكردية واللورية والأذربيجانية والتركمانية والأرمنية. وتمثّل كلّ لغة منها مسارا تاريخيا وثقافيا متفرّدا، ما يؤكّد أن هوية إيران كانت على الدوام هوية متعددة الطبقات وليست قالبا موحّدا.

وتُستَخدم العربية على نطاق واسع أيضا، وإن كان عدد المتقنين لها محدودا. وتنبع أهميتها من بُعدين أساسيين: تاريخي وديني. فبعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس، كادت العربية أن تهيمن بالكامل على الفارسية كلغة للأدب والكتابة، ما أدى إلى دخول كمّ كبير من المفردات والبُنى النحوية العربية إلى الفارسية. ولاحقا، حاولت الدولة الملكية تنقية الفارسية من آثار العربية في محاولة للابتعاد عن هذا الإرث، لكنها لم تنجح في ذلك.

ومن الناحية الدينية، تبدو إيران بدورها مجتمعا غير متجانس؛ فإلى جانب الغالبية الشيعية الاثني عشرية، توجد أقليات سنية ومسيحية ويهودية وزرادشتية. وتشكل هذه الفسيفساء الحيّة دليلا آخر على البنية التعددية للمجتمع الإيراني وعلى نسيجه الاجتماعي–التاريخي شديد التعقيد. ورغم هذا التنوّع، ما تزال هناك هوية مشتركة تجمع الإيرانيين، لكن التوترات والاحتكاكات تبقى حاضرة إلى حدّ كبير بسبب السياسات الحكومية التي تسعى إلى تهميش الأقليات العرقية ودفعها نحو نوع من “التفريس -فرض الطابع الفارسي-“ القسري.

في هذه المرحلة يتّضح أن الهوية الوطنية في إيران لا يمكن فهمها بمعزل عن مشروع الدولة المركزي الممتدّ منذ عقود لبناء الأمة. فمنذ عهد البهلويين المبكر، عملت الدولة على ترسيخ نموذج شديد المركزية لـ”الإيرانية”، يقوم على امتياز اللغة الفارسية، والرمزية الشيعية، ورواية سياسية موحّدة. وقد اصطدم هذا النموذج الفوقي مرارا بالتعبيرات القاعدية للهويّة لدى الأقليات العرقية والمذهبية، مما أوجد توتّرا بنيويا بين التعددية الثقافية ومساعي الدولة لفرض التجانس.

وترتكز عوامل الوحدة والهوية الوطنية في المجتمع الإيراني على فكرة أن القبلية والعرقية ليستا قوى هدّامة بطبيعتهما، بل يمكنهما أن تكونا عناصر دمج، لِما تربطانه من فئات المجتمع ضمن جماعة سياسية واحدة. وبمعنى آخر، ما يجمع الإيرانيين هو الذاكرة المشتركة؛ فـ”رموز الأمة” باتت جزءا من وعيهم الداخلي، وهو ما يجعل هذا المجتمع المتنوّع يتصرّف كجماعة نفسية واحدة عندما يتعرض تماسك هويته الوطنية للتهديد.

وترى المؤرخة آدمیّت أن الذاكرة الجماعية الثقافية تؤدي دورا محوريا في تشكيل هوية موحّدة، وكل ذلك يعود إلى نزعة نحو تأريخ مشوب برؤية رومانسية؛ فالعناصر الأساسية للقومية الحديثة – مثل فكرة الأرض والشعب الإيراني، واللغة والثقافة المشتركتين، وقبل كل شيء الاعتزاز الوطني والوعي التاريخي الجمعي – كانت حاضرة في إيران حتى قبل ظهور القومية الأوروبية الحديثة.

وبحسب علي مُظفّري، فإن بناء الوطن في إيران هو نتيجة تفاعل حتمي مع أنماط ثقافية وهوويات وتقاليد سابقة الوجود. فعلى سبيل المثال، يتجلّى التباين بين المكوّنات ما قبل الإسلامية والمكوّنات الإسلامية أو الشيعية في رموز مختلفة؛ فالأولى، المعروفة بـ”إيرانيّت” (Iraniyat)، تُجسَّد في المواقع التاريخية ودلالاتها الرمزية مثل برسيبوليس، بينما تشير الثانية، “إسلاميّت” (Islamiyat)، إلى الطقوس والشعائر الدينية مثل محرم أو عاشوراء.

ومن ثمّ، فإن مفهوم “ملّتِ إيران” (الأمة الإيرانية) يؤكد أن إيران تخصّ جميع أبنائها، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو أصولهم العرقية أو لغاتهم أو أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. لقد كانت إيران أمة عضوية لأكثر من خمسة آلاف عام، وصمود هويتها الواحدة المتماسكة عبر الزمن – رغم الغزوات الأجنبية المدمّرة والأزمات الداخلية والخارجية المتعاقبة – لم يؤدِّ إلا إلى تعميق شعور الانتماء لدى الإيرانيين على اختلافاتهم.

غير أنّ الهوية تتشكّل أيضا بفعل الديناميات السياسية الحديثة، التي تكشف كيف تُفعَّل الهوية في لحظات الصراع والمواجهة. ففي ظلّ تهديد مشترك – كما حدث أثناء الحرب التي استمرت 12 يوما – يمكن استحضار مفهوم “القومية اليومية” (بحسب الغارديان)، وهو مفهوم لا يشير إلى تأييد الوضع القائم، بل إلى تبلور مشاعر الجماعة في مواجهة عدوّ مشترك. والمعنى السياسي هنا أنّ الهوية تتجاوز الأيديولوجيا، وأنه رغم استمرار التوتّر بين المجتمع والدولة، تبقى القوة الهوياتية أقوى من أي وقت مضى.

ويعود ذلك إلى أنّ هذا الشعور الجمعي حوّل حبّ الإيرانيين لوطنهم وإحساسهم بالانتماء إليه إلى وعي مقصود؛ إذ أصبح التذكير بـ”إيرانيّتهم” محورا أساسيا في الخطاب العام خلال تلك الفترة العصيبة. وبحسب واشنطن بوست، لجأت القيادة الإيرانية – في ضوء الأحداث المؤسفة الأخيرة – إلى استدعاء رموز ما قبل الإسلام لإيقاظ النزعة القومية.

وبرغم أنّ القومية ليست جزءا أصيلا من الأيديولوجيا الرسمية للجمهورية الإسلامية، فإن علي خامنئي، بعد حرب الأيام الاثني عشر، استحضر ما وصفه بـ”الثروة الثقافية والحضارية لإيران”، مؤكدا أنها أعظم بكثير مما لدى الولايات المتحدة. ومن خلال هذا الخطاب، سعى إلى حشد مجتمع خاب أمله بالطبقة الدينية الحاكمة وبالأيديولوجيا الدينية التي تنظّم شؤون الحياة العامة.

وكما يرى علي أنصاري، فإن هذا التطور يُعدّ دليلا على فشل أيديولوجيا الثورة الإسلامية. لكنه في الوقت ذاته يُظهر استعداد الحكومة الإيرانية لتكييف أيديولوجيتها، حتى وإن اقتضى ذلك التقليل من مركزية الدين عند الحاجة. وتشير الشواهد التاريخية إلى أن الأنظمة المتعاقبة في إيران لطالما وظّفت أيديولوجيات القومية والذاكرة التاريخية الجمعية بما يخدم أهدافها الخاصة. وقد استخدمت الجمهورية الإسلامية ثنائية “إسلاميّت – إيرانيّت” بمهارة ضمن مشروعها الأيديولوجي؛ فكانت تُضعِف أحد المكوّنَين وتُبرز الآخر، أو تمزج بينهما، بهدف إذكاء المشاعر القومية وتعزيز شرعيتها.

لكنّ محاولات طهران المتكررة لتفريس جميع السكان واللعب بورقة “الإيرانية” أثبتت محدودية تأثيرها في أوساط الأقليات العرقية. ويرى عَلم صالح في كتابه الهوية العرقية والدولة في إيران أنّ تسييس الهويات العرقية، مقرونا بحرمانها المستمر من حقوقها وتهميشها الممنهج، قد مهّد البيئة المثالية لتراكم السخط، وهو ما سيقود في نهاية المطاف إلى صراعات واضطرابات داخلية. فالهوية الوطنية في إيران بعيدة كل البعد عن التماسك، ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى تردّد الدولة في الاعتراف بالطابع المتعدّد الأوجه للهوية الإيرانية.

وتستخدم الحكومة استراتيجيتين لترسيخ الهوية الوطنية: الهيمنة الفارسية والهيمنة الشيعية، وكلتاهما تتجاهلان الأقليات الدينية والعرقية ومتطلباتها. ومع تصاعد الوعي السياسي بالهوية لدى هذه المجموعات، واتّساع الهوة الأيديولوجية بينها وبين الدولة، ستتزايد مشاعر انعدام الأمن الاجتماعي، مما سيقوّض في النهاية شرعية الدولة ذاتها.

ومهما سعت الأنظمة المتعاقبة إلى تحريك المشاعر القومية لخدمة أجندتها، يبقى أمر بالغ الوضوح: إن صمود الشعب وقدرته على التماسك كوحدة واحدة في وجه الشدائد هو ما يُغذّي هويتهم الوطنية، على الرغم من محاولات الحكومة صناعة فروق حادّة وغير قابلة للجسر بين الجماعات العرقية والأغلبية الفارسية.

وأحد الأمثلة الدالّة على التوتر القائم بين الشعب والدولة يتمثل في وفاة مهسا أميني عام 2022، والتي أشعلت حركة “امرأة، حياة، حرية” في مختلف أنحاء إيران، بينما عبّر العالم عن تضامنه وشجّع الاحتجاجات ضد الحكومة. وقد أثارت أصول مهسا الكردية غضبا إضافيا بين الإيرانيين، إذ يرى كثيرون أن النظام الحالي يمارس تهميشا وتمييزا ممنهجا ضد الأقليات للحفاظ على سلطته المركزية بيد الأغلبية الفارسية الشيعية. ومع ذلك، لم يكن هذا الانتقاص قائما دائما؛ فخطاب الثورة الإسلامية منح ما كان يُسمّى بـ”سكان العشوائيات” مكانة فخرية داخل المجتمع.

وفي حين ركّزت صحيفة وول ستريت جورنال على الاضطرابات الاجتماعية التي أعقبت المأساة، سارعَت طهران تايمز إلى تبرئة الحكومة وإلقاء اللوم على عوامل خارجية، ولا سيما الولايات المتحدة. وبينما تبادل الغرب وإيران الاتهامات في محاولة لتحديد “كبش الفداء”، كان من الواضح أن التوتر بين الأقليات والدولة ما يزال قائما ويولّد احتكاكات واستياء – رغم إسكات الأصوات التي تعكس هذا الاستياء. ومرة أخرى، ساهم هذا الغضب المتواصل في تعزيز روح التضامن؛ إذ توحّد المجتمع بوصفه وحدة نفسية واحدة للاحتجاج على النتائج الكارثية للسياسات الحكومية.

ويبقى السؤال ما إذا كانت الهوية الوطنية الموحدة قادرة في النهاية على التغلب على الانقسامات الداخلية، وهو أمر يعتمد على التوازن المتغير بين سلطة الدولة وقدرة المجتمع على الفعل. وتشير التجربة التاريخية الإيرانية إلى أن الهوية الجمعية تعود بقوة في لحظات التهديد الوجودي، وغالبا ما تتجاوز المظالم المحلية. ومع ذلك، فإن فترات الجمود السياسي أو الأزمات الاقتصادية تمنح المظالم العرقية والمذهبية قدرة متجددة على الظهور. ويوحي هذا النمط المزدوج بأن الهوية الوطنية الإيرانية مرنة لكنها مشروطة – قادرة على تعبئة المجتمع في أوقات الأزمات الخارجية، لكنها عرضة للتشظّي الداخلي عندما تفشل الدولة في معالجة الاختلالات البنيوية.

زر الذهاب إلى الأعلى